ختام حمية مارس 29-31: رسائل لنا قبل الآخرين📬

انتهى مارس، نحن في أبريل، انتهت حميتي بنتائج طيبة، لا ليست هائلة أبدًا، كنتُ أتوقع هذا وكما بدأت الشهر بالفكرة مفاجأة فكذلك انتهى الشهر وفاجأني بعض الشيء، نهايته كانت مزدحمة، حتى اللحظة لا أستطيع الكتابة بهدوء، لولو الصغيرة كلما رأتني منشغلة عنها بالكتابة تجيء لتحكي لي ما أستجلبه منها كل يوم ولا تحكي لي إياه، الآن تقاطعني بين الجملة والأخرى، أنظر إليها بتعب، سينتهي الوقت بسرعة وأنا أريد الكتابة حقًا، لفت الانتباه جلي في الطفل، بينما حين ينصب الاهتمام عليه خاصة يشعر بالملل والانزعاج، هذا غريب ويجعلني أفكر بحاجتين يعجز الانسان كثيرًا عن ضبطهما، وهما الحاجة للاهتمام والحاجة للهدوء والعزلة عن الناس، فالبعض شطح في طلب الاهتمام حتى باتت حاله مزرية، والبعض الآخر فاضت عزلته ليصبح بها شبحًا شاحبًا.

تمضي الأيام سريعة، طرأت خاطرة غريبة بالأمس في رأسي، سرعان ما أحببتها، إنها عن كلامنا مع الآخرين، حاجتنا الرهيبة للنصح، للتوجيه وربما حتى للمواساة والمشاركة في الظروف والحوادث، كل هذا يبدو كما رسائل لأنفسنا أولًا قبل الآخرين، وفكرتُ بأن الدين كعادة أسبقيته كان شاملًا للأمر ولقد جعله من أجل هذا رصيدًا وليس فقط حاجة لحظية، فصلة الرحم لها ثواب، والتعزية فضل، والمواساة رحمة، و جبر الخواطر رفق، والنصح واجب وميثاق وداد، و جعل لكل منها أجرًا موصولًا وجزاءً مشكورًا عائدًا على المعطي، فبات ما نقوله حاجة لنا ورصيد وحياة…

تعود لولو الصغيرة، تحكي لي أي حكاية وأستمع بنفاد صبر ولكن بوجه متشنج مع ابتسامة، تقول بفطنة: أعرف أنك تعملين أشياء مهمة لك، لكن ساعديني بالفوز في هذه اللعبة حين تنتهين.

أقول: فيما بعد، ثم إنني لا أعرف كيف ألعب هذه، أعرف لعبة الفروقات فقط.

نصمت قليلًا لأكتب بسرعة، فتعود تقول: أسماء، ألعبي لي لعبة الفروقات!

_فيما بعد، فيما بعد يا حبيبتي.

تعود للعبتها وهي تلقي التعليقات بانتظار تفاعلي معها.

حسنًا، مرت الثلاثة الأيام على نفس الوتيرة، ربع ساعة من تمارين بعيدة عن منطقة الكتف التي لا تزال تؤلمني، لترين ونصف على الأكثر من الماء، ازدحام رهيب وخواطر غريبة ومثيرة للاهتمام.

بالنسبة لكتفي، عملتُ له أشعة يوم الاثنين، ثم اكتشفتُ أن الطبيب لن يحضر قبل السبت القادم أي ثلاثة أبريل، وفي عيادة أخرى لن يحضر الطبيب قبل أسبوع لإجرائه عملية في العين، فأخبرتُ أمي أني لا أريد الذهاب إلى عيادة أخرى، فعدنا لصاحب الأشعة وسألته إن كان هناك خلع أو شيء خطير معللة بأن الطبيب غائب من عيادتين حتى الآن، فطمأنني بأنه لا خلع بحمد الله، ولكن ربما يكون هناك التهاب أو تمزق وأوصاني باستخدام مرهم مهدئ للألم أو حناء ومُر، بالطبع نصائح بسيطة لأنه ليس اختصاصه، ولكنني اطمأننتُ بعض الشيء ورجعنا إلى البيت، بعد نقاش مشاغب مع أختي، أقول لن أستخدم حناء و مُر لأنه قال بلهجة عدنية ضاحكة: استخدمي حناء و مُر حق العجاويز.. أي العجائز.

و تقول أختي: ستفعلين؛ و أقسمتُ ألا أستخدم  هذا ولا ذاك، متمنية أن يصمت الألم لنفسه، للأسف، الألم حتى اللحظة موجود، يمكنني تحريك الكتف، لكنه لا يزال موجودًا، لا أنوي الذهاب إلا إذا تفاقم، ترعبني المستشفيات، أشعر بحزن عميق يغتالني، أتذكر كل الذين قضوا، كل الذين سمعتُ حكايات مرضهم الطويلة، عذاباتهم التي أتمنى أن يجعلها الله لهم تطهير، وكل الغائبين في المعارك وفي الجبهات، مكسورين، البلاء ينزل عليهم من كل مكان، يعودون، ولا يعودون، تبقى الأحزان في قلوب الرجال ندوب، والفقد في قلوبهم قروح أبدية، لا أزعم أنني أعرف كم عمق الشعور في نفس الرجل صاحب الفرصة الأقل في التعبير، لكني أعرف أنها مثل الحمم، تغلي، تصهر شعوره حتى تحوله رماد، كي يظهر للآخرين أقوى من كل الظروف، ما يفضحه نظرة،  وربما عبور مكسور تحت أنظار قلب مُبصر؛ لا أزال على نظريتي، للرجل شعور لربما يفوق شعور المرأة، ويبقى التفاضل في أن هذه لديها القوة للتعبير وربما الصبر على تفكيك الشعور، وهذا لديه القوة على سحق الشعور، وتفتيت التعبير إلى قصص أزلية قابعة على شكل ندوب في روحه التي تفضحه إيماءاتها كل لحظة، و أما التكامل فقد احتضنه الدين في نطاق الإفضاء والقوامة، فبينما تلك تُبدي ذاك يحاول التلطيف حتى تستعيذ، وبينما ذاك يخفي تلك تجرب التخمين حتى تصيب ويستكين.

لدي في جعبتي الكثير من الحديث، ولكن اجتماعهم في الغرفة يجذبني، يجعلني أقول لنفسي بابتسامة: والحب ظل، تحتمي الزمر أسفله، وذلك أسمى سفل.

وبالنسبة للعبة الكلمات التي لا تستخدم إلا للرداءة أو السوء، فقد فكرتُ بأنه من الطريف أن تكون الخسارة معظم الوقت مريعة وحزينة، إلا في مقام خسارة الوزن، تُصبح كلمة باذخة في العطاء وكأنها لم تكن دومًا بخيلة شرهة.

تلك هي حصيلة التأمل، لا.. أقصد الاصغاء، نسمع في اليوم الواحد آلاف الأصوات، بأشكالها وأنواعها ومقاماتها، نسمعها ونمضي بأفكار على نفس الوتيرة، لا تفز، لا تنعطف، دهشتها ضئيلة، فرحتها قصيرة، أيامها فاترة، تبدأ المتعة بالانتباه والتفكيك، انظر إلى الإنجازات المذهلة وستجد مبتدأها تيقظ وقبض على محتوى الفكرة ثم تشكيلها لتنطلق إلى الأذهان باذخة ثرية جدًا.

لذلك أقول: لننظر حولنا من جديد، ولنصنع من الملل والرتابة دهشة صغيرة، كما يبدأ التغيير بخطوات قصيرة، تمامًا كما بدأ الانسان يزحف ثم يحبو، ثم يتعثر حتى يقوم، المتعة وليدة الأب ملل لكن بتربية الأم أمل، عائلة غريبة، كما عادة العائلات التي لا تتشابه كثيرًا، ولكن تجمعها مسحة العيش معًا.

كونوا بخير، أظن أن هذا يكفي، بائع المثلجات يمر بصفارته المدهشة، تقول لولو: أسماء نحن في الصيف الآن؟

أقول بحذر من أي ورطة معها: اممم دعيني أفكر.

تقول بحماسة: صدقيني اليوم صيف.

انتبهتُ لمقصد الحديث فقلت: لا، نحن في الربيع الآن.

عبست: متأكدة؟

: كل التأكيد إن شاء الله.

يأست: كنتُ أظنه صيف، لنشتري سكريم.

: لا، تفتحت الزهور حتى، هذا ربيع.

بتفكير: لم أرَ أي زهرة متفتحة!

: في مكان ما، ثمة زهور كثيرة متفتحة، ليست بالضرورة جوري مغرور المنظر، ربما زهور ملونة بلا اسم تعيش في أرصفة الشارع ولكنك لا تنتبهين لها.

: عندما نخرج إلى الدكان، سأنتبه..!

شكرًا لكل من سأل عني، أنا بخير، عميق الود لكم💌

One Comment اضافة لك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s