الدجاجة السعيدة

توست أمي

هذا يوم طويل وغريب؛ كعادتي الأخيرة، أنا الدجاجة السعيدة بحياتها، استيقظت عند الثامنة والربع كما نمتُ مع العاشرة مساءً، حكتُ قليلًا لشنطة كروشيه مخرّمة، ثم كتبت في القصة مسودة جيدة، ثم أفطرت فطور خفيف لأن الروتي لم يتبق منه سوى قرص نحيل هزيل رطب منظره يستدعي البكاء! لكني قلتُ أنني سآكل المزيد عندما يستيقظ الجميع فنشتري كمية منه، ولكن مع القراءة وكوب الشاي الملبن فقدت الشهية، وشعرتُ بالشبع. ولذلك استأنفتُ الحياكة وأنا أراجع سورة النساء التي أسردها حاليًا في حلقة نور القرآن التي تديرها ابنة خالتي، ولكن انقطع هذا عندما طلبت مني أمي شراء بعض الخضار والروتي بعدما استيقظتْ، فذهبتُ في ذلك القيظ واشتريت الحاجيات بسرعتي الخارقة! وهذا ما تفضّله أمي فيّ عندما تريد شيئًا للغداء، فوالدي دقيق في مواعيده وعندما تقرع الثانية عشرة ظهرًا يجب أن يكون طعامه جاهزًا على المنضدة دافئ وليس ساخن وأمي تجلس بجانبه بدون أن تنشغل بأي مهام إضافية، وأعتقد أن هذه عادة اكتسبها منذ وقت بعيد عندما كان لا يوجد في البيت إلا يوم العطلة فيرغب بتحليل كل دقيقة مع الأسرة، وعلى أية حال فلم أحرم نفسي من المرور بمحل الكشّي (العطار) وشراء الخزامى، وأيضًا محل الخيوط حيث اشتريت صوف أسود ينقص قطعة مكونة من مربعات الجراني أعمل عليها، ولكن أمي لم تحس بتأخري لأنني أطير حرفيًا، والدليل على ذلك زقاق انبثقت منه فجأة فقال أحدهم: دلا دلا، ما شاء الله. وضحكتُ في سرّي لأنني حرفيًا أشعر بالتعاسة والضياع كلما سرت ببطء.

وعندما عدت للمنزل، كانت أختي خارجة لدفع رسوم مدرسة لولو لأن لولو وأمها لا يزالون مسافرين، وعندما سألت عن أي شيء أريده من كريتر كدتُ أوصيها بشراء صوف أكثر ولكني تعقّلتُ بالكاد، وقلتُ لنفسي أنها ليست المرة الأخيرة بالحياة التي يذهب بها أحد أفراد البيت إلى كريتر، صحيح أنه مرّ وقت طويل لم نذهب إلى هناك بسبب سفر انتصار والأطفال، لكن سنذهب في القريب عندما يعودون. ويكفي هذا الشهر العبث الذي أصبته بالأمس عندما ذهبنا إلى السوبر ماركت واشتريت من القائمة ومن خارجها ومن الحصة المدّخرة ومن المصروف، حتى قلت لنفغسي ساخرة: يا سلام عليك! ألغيتي طلبية الكتاب الذي تتشوقين له وذهبتِ لتتسوّقي بدون ضمير!

المهم، بعد أن صليت الضحى، أغراني هدوء البيت فأمل في المدرسة ومها خرجت، عبد الحليم في العمل والبقية في الطابق السفلي، فقمتُ ونظّفتُ البيت بعمق. بصراحة لا زلتُ أجد شيء عذب في أن يعود المتغيّبون إلى منزل نظيف ورائحته جميلة ودافئة ولو منذ الصبح! وفي منزلنا لم نعد ننظّف يوميًا، فالبيت كبير، ونحن كبار، وبالتالي لا يتأثر البيت كثيرًا فيتّسخ، ولكن ننظف من يومين إلى ثلاثة، ولكني هذه الأيام أحس بنشاط كبير في الصباح وأرغب بالحركة والعمل، وهكذا فقد نظفت قبل يومين الطابق السفلي بعمق، وقبل أيام الحوش مع الدرج، واليوم الطابق العلوي، ومن يدري أن أنظف السقف في القريب العاجل، أو جناح الأولاد أو حتى جناح أبي، بالطبع أنا لا أفكر بهذا التنظيف على أنه واجب وإلا لما نظّفته أبدًأ! وعلى أية حال فالتشجيع الذي نالني بعد أن صعد الجميع كان أحلى جائزة ولكنه أضحكني أيضًا، لأنه لم يستطع أحد أن يكتم الدهشة من فعلي.

حسنًا وعندما حان وقت الدوام، كنتُ قد تأخرت قليلًا وأنا أقرأ من روايتي الحالية على اعتبار أني قد اغتسلتُ بعد التنظيف وأني سأذهب في السيارة، ولكن عندما كدنا ننطلق اعترف أخي بأنه لا يمكننا المجازفة بالذهاب بهذه الإطارات لأنها تحتاج التفقّد، وإذًا فقد رافقني عبر المواصلات. كنتُ أتذمر وأنا في قمة الغضب من تماطله، وكان قد بدأ يغتاظ من مشيي السريع فكدنا نتشاجر، أنا أقول له أنني تأخرت بما فيه الكفاية وهو يقول أن الناس ينظرون إلينا بسبب سرعتنا! وهكذا فقد هدّد بإخبار أمي فرميتُ بتهديده عرض الحائط وقلت له أن يخبرها، كنا كالعادة، في البيت أو في المنزل، نجد شيئًا نتشاجر بشأنه، وفترات الصلح بيننا لا تتعدى اليوم، وأخمّن أننا غدًا سنكون رفاق جيدون، حتى وإن رفض الرد على سؤالي القلق عن مفتاح السيارة في الباص، وحتى إن أعطيته فلاش يعطيه لابنة أختي فوافق! أحب علاقتي به، رغم أنها تمرّ شجارات لا أكون فيها أبدًا في أحسن حال. ولكني أنسى، وكلانا لا يحب الخصام. وأعتقد أن سبب شجارنا الأبدي هو أنني أراه ما زلتُ صغيرًا، وهو قد صار يراني صغيرة إذ طالني وصار رجل وبالمقابل صرتُ امرأة! وبكل الأحوال، حليم يجد سببًا للشجار والنقاش مع أي أحد، خصوصًا الذين يحبهم.

 كان اليوم لدى أطفالي اختبار قرآن في سور (الفاتحة، الناس، الفلق، الإخلاص) وكانت البداية متعثرة قليلًا، خصوصًا وأنا أشدّد على عدم نطق كلمة واحدة أو إصدار صوت أوالامتناع عن أي مشاركة بقصة هطلت فجأة كالتي تهطل على عقول الأطفال. ووصلتُ إلى أمير، لم يكن حافظ سورة الفاتحة، واستغربت فقد سمّعتها له يوم الأربعاء وكان فيها بلبل! وإذ انتبهتُ إلى أنه ينهنه، شككتُ بأنه مريض، أو متوتر فهدّأته وضحكت كي أخفّف الشدة، لكنه قال بكل بساطة: فيبي نوم! حسبتُ أنه يقصد أنه استيقظ للتو من النوم فأعدته لمكانه وضحكتُ عليه وقلتُ له أن يستيقظ خلال بعض الوقت فعاد بصمت غريب. واستأنفت أختبر الأولاد، فإذا بي أقع على يوسف الذي ينعس وهو جالس! تفطّر قلبي، سألته: هل عدت من المدرسة ولم تنم؟ فهزّ رأسه ببطء، فجعلته على ركبتي ونام! وتبادل الأولاد ابتسامات شريرة حسبوا أني لا أراها ولكني ضحكتُ في سرّي أيضًا، لأن هذا غريب على الشخصية الحازمة التي رسمتها لهم دائمًا، وما كدتُ أختبر التالي حتى قال أمير بفم مرتعش وحسد واضح على وجهه: أشتي أنام! فنظرتُ بتعجب وقلتُ: يا سلام! وسألته: إش ما نمتش بالليل؟ فقال: لا، بعيون جاهزة للبكاء، فجعلته ينادي أخته من عند الأمهات، واسمها أميرة فأنا أشكر الوالدين الحالِمَين! قالت أميرة أن أمير استيقظ لموعد أسري في المستشفى عند السادسة صباحًا ولم ينم منذاك! فقلتُ لها أن تأخذه وتجعله ينام، فوجوده بلا فائدة اليوم البته وشدّدت عليها بأن يحصل على النوم الكافي دائمًا عند حضوره. وطلبتُ في عمة يوسف الذي كان فخذي قد تيبّس تحته، وهي مشرفة الطابق، فجاءت وبعد نقاش قصير عن يوسف، قلتُ لها أني لن أوقظه لأن هذا عذاب حقيقي، وأجابت هي عن سبب عدم نومه في البيت أنه يعيش في بيت جدته الصاخب دائمًا لأن والديه منفصلين! وهناك في ذلك البيت لا يتسنى له النوم سوى ليلًا، وقالت أن أمه قد رمته على أبيه، وأن أبيه لا ينفق عليه، وأنه يعيش عند جدته لأمه. حزنتُ لأجله، وعرفتُ سبب شروده الطويل، وضعف تواصله مع البقية، والسبب الذي يجعله مستسلمًا دائمًا لأي شيء. لكني عجبتُ لاطمئنانه في النوم فوقي، رغم أنه لم يمضِ على دوامه معنا سوى أسبوع واحد، وعندما أعطيته وسادة وجعلته ينام عليها لم يبدِ أي خوف أو فضول، بل نام وديعًا ومستسلمًا وخائر القوى، حزنتُ عليه، حزنتُ عليه من كل قلبي وقلتُ هذه شظيّة أخرى من نفس القصة، قصة زياد، وأولياء أمور مهملين، والله على كل شيء رقيب.

جلستُ مع طالب جديد بعد صرف الأولاد، لأمكّنه من الحروف، وبالكاد جعلته يعرف حرف الألف، أكره أن يأتي طالب متأخر، إنه يورثني الإحباط والأسى ولكن إلى الله المشتكى، واليوم أيضًا سجّل طفل جديد بدون أن أراه بعد، الله المعين.

ثم مررتُ ببيت أختي لآخذ الفلاش، فأرادوا أن أبقى وقالوا أن أخي سيأتي بعد المغرب، لم تخبرني أمي بشيء عن ذلك، فرفضتُ البقاء وانطلقتُ بعد وعدهم بزيارتهم بعد أن تختبر أسماء اختبار القبول للجامعة يوم الثلاثاء. وفي الباص تحدث السائق وأحد الراكبين عما شاهدناه بالأمس في الطريق البحري ونحن راجعين، كان باص دباب يحترق بشكل مرعب، والمصاب طفل صغير لا أعرف مدى سوء اصاباته، ولكن المنظر كان رهيب أخافنا جميعًا، والأسوأ أن يقف البعض للتصوير أو للتأمل، هذه الدبابات تعمل بالغاز وبالتالي خطيرة جدًا، وفسّر الراكب الذي أظنه بنشري لكثرة ما تحدث عن السيارات ومنظره لا يبعد كثيرًا عن ذلك أن أحد أنابيب الباص انفجر لشدة حرارة البطارية وسرعة الباص وسطح الطريق والجو العام القائظ، لقد كان الباص يضطرم وهو مستقيم وبالتالي فقد كان واردًا أن ينفجر ويتقلب في الطريق ولكن الناس كان يتوقفون وينظرون! الله يجيرنا.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله أني لم أبقَ في بيت أختي وأستسلم لرغبتهن فأخي لم يذهب إلى هناك إلا بعد صلاة العشاء، وكان لدي موعد تسميع بالإضافة إلى أن المطبخ ينتظرني. هذا كل شيء، أشعر بأني (مقاطعة لاستئناف التسميع الذي قُصِم قبل ذلك بسبب ضعف الانترنت!) كنتُ أقول أني ِأشعر كما لو أني ألقيت حملًا ثقيلًا عن عاتقي، وأن أتنفّس براحة، صحيح أني لم أصلّ العشاء بعد ولم أنهِ تنظيف المطبخ، ولكني أردتُ أن أكتب، وسأظل اتجاهل المسودّات كما وعدت ولن أجعلها تؤرّقني، يوجد وقت فراغ بلا شك في الأيام القادمة وبالتأكيد حماسة لإنجاز ما تأخر، لا بأس نحن نحاول فحسب في هذه الدنيا السريعة، وتأخّرنا لا يعني الفشل دائمًا، هذا ما يجب أن أدركه هذه المرة، لا يعني كل تأخر فشل، ولا يعني كل إخفاق نهاية، إنها انتقالات يا أسماء انتقالات فحسب مثل جسور تُعبر، ويُتّكأ على سورها أحيانًا لتهدأ ضجة الخطوات وزحمة الخطط. أنا سعيدة لأنني أكتب في القصة من جديد، وأخفي فرحتي في صدري وكأنني أخشى عليها التّهتك، حتى وإن كان ذلك التقدم بطيئًا، لا بأس، لا شيء يحدث فجأة، كل الأشياء تتخذ لها مسارًا خلفيًا متواتر، وفجأة نصل، ونبتهج، كل ما علينا فعله هو الإفساح لهذا المسار قدر الإمكان، والمحافظة على مساعدته على المضي قدمًا.

سلام يا عالم

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s