الفرق.. أخيرًا!

هذا يوم جميل، لم ينقضي بعد، لا يزال أمامي موعد تسميع لم أراجع منه الكثير، لكن أشعر بامتنان لدوام اليوم، رغم اني متعبة، وصوتي مبحوح، وحلقي يؤلمني، ورأسي يحاول التوقف عن الدوران… لا بأس هذه أعراض يوم تعليمي بعد إجازة، يوم تعليمي طبيعي تقريبًا.

أوصلني اليوم أخي إلى بيت أختي قرب المركز، كنتُ سأعطيهم بعض الأغراض وأنطلق إلى المركز، لكن كانت لديهم أعمال عند المدخل مما جعلني فجأة أدخل وأجلس معهم لبعض الوقت، غرقنا في الأحاديث، وأهدتني نور مفكرة كبيرة الحجم كنتُ قد قلتُ أني أرغب بها قبل فترة فإذا بها تسبقني وتشتريها! شعرتُ بخجل كبير وقلتُ لها بعد عدة كلمات موبّخة: مرة ثانية لن أقول أن شيئًا أعجبني أمامك. وفجأة أذّن العصر، صلّيتُ عندهم وانطلقت.

فوجئتُ أول دخولي بحارسة عند الباب، وحمدتُ الله من كل قلبي، أخيرًا لن أقلق! يبدو أن الإدارة قدّرت الوضع. وفي الداخل استقبلتني المعلمة لول بقولها: ستستريحون اليوم منا، ستحظون بالمكيفات طبعًا، سنصعد للأعلى بأمر من الإدارة أنا وفاطمة. قلتُ بفرحة لم أتكلّف لأخفيها: حقًا! أخيرًا؛ هل هي الإدارة التي حدّدت من سيكون فوق؟ فأجابت بنعم. مرّ في وجهي طيف حسرة، قالت: هل تريدين أن تصعدي؟ قلتُ: نعم، لكن ليس عندما تقرّر الإدارة ذلك، أفضّل أن أبقى هنا حسب اشارتهم. قالت لي بحماس: سأخبر المديرة أنا، أريد أن أبقى هنا أصلًا. قلتُ: لا لا، لا أريد أن أظهر مثل هذه الرغبة، من الجيد الالتزام بما يُشار به، انسي الأمر، المهم أن كلًا منا ستحظى بالهدوء اللازم لعملية تعليم ناجحة. حاوَلَت قليلًا، لكني رفضتُ بلطف، صحيح أني أرغب بالهواء الطلق في ذلك السطح، لكن لم أجد خير من الرضا بصمت خصوصًا وأني لم أسأل عن رأيي. البعض من الناس، يجد في الرفض أو الطلبات المعاكسة نوايا مطوية غير سليمة، أو حتى ببساطة، بعض الناس يكره الاعتراض ولو لم يؤدي إلى شيء مختلف. على أية حال؛ عملية الفصل بين الفصول عملية فارقة منذ بداية الدوام، أستطيع أن أشعر بالفرق أخيرًا، وآمل عبره بالكثير من التقدم.

ومع ذلك فقد حظيتُ بيوم لطيف في ذلك الهدوء الذي شهده المكان المفتوح، وهو عبارة عن دور أول غير مقسّم، على شكل L مقلوب، اتخذت لفصلي أقصى اليسار، واختارت مها لفصلها أقصى اليمين، ونقل الفصلين الباقيين إلى الدور الثاني. جلس طلابي على الأرض، وجعلتهم مقفيين ظهورهم لفصل مها، وبدأنا نتعلّم بأقصى قدر ممكن من الهدوء والسلام، في غياب 50 طفل إضافي! كان فصلي وفصل مها يحتويان على الأقل 50 طالب وفي الأعلى نفس العدد تقريبًا. الأولاد هنا ليسوا مرفّهين، يجلسون على الأرض، ويكتبون على سبورات عالية، ويلتزمون بجلسة هادئة ويدين مكتفتين كي لا تبدأ الحركات البهلوانية التي يهواها كل الأطفال، نعلّمهم الحروف والأرقام مباشرة، ليس النشاطات أو البرامج اللطيفة لما تحت سن الخمس سنوات، هؤلاء الطلاب كلهم سيغدون ان شاء الله في العام المقبل طلاب المدرسة الابتدائية، متفوّقين أكثر من غيرهم لمنهجنا المكثّف، إنها عملية تمهيدية للطفل كي يدخل إلى المدرسة بثقة أكبر، حتى أولئك الأطفال الذين دخلوا الروضات يأتون هنا ليتعلّموا كيف يختلطون بأقرانهم. عمليتنا هذه تشبه العملية الشعبية المعروفة عندنا “معلامة” لكن بطريقة أكثر ضبطًا ومنهجية.

تقول معظم أمهات الأطفال ذوي الأربع سنوات والذين نرفض قبولهم: أريد ابني أن يندمج مع الناس أكثر من أني أريده أن يتعلم! وأقول لهم ببساطة: لكن منهجنا يهدف إلى إخراج أطفال ذوي أساس علمي ثابت، ومن الأهداف الثانوية أن يندمج الأطفال مع بعضهم؛ نمّي عند طفلك التركيز والانتباه وعلّميه كيف يتحكم بالقلم وينطق الحروف، ثم تعالي واتركيه هنا كي أعلّمه بكل سرور. اليوم طردتُ تقريبًا طفل ذو 4 أعوام، تركيزه ضعيف، ولا يكاد يمسك القلم، حاولتُ معه طوال أسبوعين كي لا أؤذي أمه برفضي له ولعل وعسى ينطلق معي، لكنه أتعبني وصار يضيّع الوقت فقط، إذ فجأة يلعب، ومرة يكلم نفسه، وتارة يختفي من أمامي، طفل صغير بعد، حاوَلت أمه معي اليوم، قالت: امهليه أسبوعين أيضًا. قلتُ بأسف: أعرف هذا السن، من المستحيل السيطرة عليهم، لقد حاولتُ بكل جهدي، سامحيني، وأحضريه العام المقبل وسأقبله من عيوني، بعد أن تكوني أطلقتِ لسانه، وضبطتِه بالتمرينات المنزلية طبعًا. لم تكن راضية، لكني لم أملك لها أكثر مما حاولت، وخالتي أكّدت علي أن أرفض أصحاب 4 سنين، لأنهم مضيعة للوقت فقط، خصوصًا إذا لم يقطعوا أي شوط مع ذويهم. وكنتُ أقول لإحدى أمهات طفل ذو 4 سنين: لماذا تستعجلين على طفلك التعليم؟ اتركي له أعوامه الخمس الأولى ثم احزمي امره، لا تقلقي، أمامه أعوام مديدة من التعليم في المدرسة ثم الثانوية والجامعة، وربما أكثر، لا داعي لاستعجال الأمر. هذه وجهة نظري؛ ما الداعي للعجلة؟ يمكن دائمًا تأهيل الطفل في المنزل، لكن ليس اقحامه في عملية تعليم جادة قد تعقّد عنده فكرة المدرسة كلها.

من جانب آخر؛ ترعبني الأمهات التي تأتي بكل بساطة بطفلها البالغ 6 سنين، لتقول بكل بساطة: لا يكتب ولا يقرأ، ولا حتى يمسك القلم. أنظر لطفل فمه مفتوح ولعابه يسيل وهو شارد اللب على الدوام، إنه حتى لا يدخل الحمام وحده، وإذا تحدّث لم تفهم لغته حتى تترجم له أمه وكأنه يبلغ 3 أعوام فقط. بعض الأهالي يستصغرون عملية الحديث مع صغارهم لكنها العامل الذي يجعلنا نحكم على طفل ما بأنه فصيح، وغير الحديث هناك اللعب مع الطفل، تسخير الوقت له، وضع مساحة خاصة له، وتعليمه كيف يعتني بنفسه. أنا لا أرفض أن يعيش الطفل طفولته، لكني أرفض أن يعيش طفولة مؤذية له عندما يكبر ويجد أنه واجب عليه أن يعتني بنفسه بدون أي مساعدة خارجية؛ هذا ما نسميه تنشئة والبعض يعرف وبعضهم لا يعرف، والبقية لا يهتمون سواء عرفوا أو لم يعرفوا وهذا هو الصنف المرعب.

جاء اليوم طفل جديد، أخته التي أتت معه لتسجيله ذات وجه مألوف لدي، سألتها عن اسمه فقالت: جاد. سألتها: ألم يدرس أخوه عندي؟ قالت: نعم، درس عندك، عبد الرقيب. ورغم اختلاف ثقافة أسماء الأخوين إلا أنني ابتسمتُ بسعادة وقلتُ لها: ألم يكن صغيرًا يريد أن يرافق أخيه في الصف عندما كنتُ أدرّس أخيه؟ فأجابت أن نعم، نظرتُ إليه وقلتُ له: كن شاطرًا مثل أخيك. وأتى يزن بصحبة أخيه يوسف الذي قد طال ولم يتغير من ملامحه شيئًا، ابتسم لي بخجل فابتسمت له بتواطؤ. هذه الدورة من حياة الناس، في هذا السنين الأولى من حياة الانسان، أمر يثير الدهشة كيف يكبرون، خلال عامين فقط، طالوا وكبروا وصاروا شبّان صغار يخجلون من أن يبتسموا لي حتى، بعد أن كانت رسائلهم المليئة بالقلوب والحروف الإنجليزية اللماعة المزركشة تملأ حقيبتي كل يوم، ويتهافتون على تقبيلي نهاية الدرس، لأصيح من بينهم: واحد واحد، دلا يا حبايب. ويشاغبون ليهربوا إلى منازلهم بعد أن زال من صدورهم عكر الدرس الثقيل أو المسألة الصعبة، وأعود أنا خائرة لكن فرحة وأشعر براحة عظيمة تجاه ما أنجزتُ، وما رأيته منهم؛ أريد أن أصل إلى هذه المرحلة مع طلابي الصغار هؤلاء، لكني أعرف أنها مرحلة متأخرة قليلًا، قد يمر عام كامل حتى أصلها، لكن لا بأس، سأتجلّد، وسأتصبّر وأجد العزاء في النهاية. من ضمن أهدافي التي لا يحكمها مدى؛ أن أجد نتيجة جهودي هذه في الأطفال يومًا ما وهم كبار، لكني لم أتصوّر هذا الكم كله من السعادة والفخر بعد عامين فقط إذ يشكرهم الجميع، وتثني عليهم المديرة التي خصصت لهم فصلًا في الظهيرة للفئة العليا وقالت أنهم رجال أكفّاء. الحمد لله، يا رب لك الحمد.

وهكذا إذًا، أنهيتُ دوامي، ومررتُ ببيت أختي لمجرد أني وعدتهم بالمرور، اعتذرتُ منهم على عدم قدرتي على البقاء عندهم ووعدتهم بالمكوث عندهم لساعات في الغد كي نتفق على ترتيبات ليلة السبت حيث سنذهب في رحلة ليلية إلى إحدى الاستراحات، وانطلقت مباشرة إلى الخط الرئيسي للمواصلات. وجدتُ في طريقي يونس أحد أطفالي، سألته هل عاد إلى المنزل فأجاب بلا، استغربتُ وخفتُ وقلتُ له أن يدلني على بيتهم فإذا هو قريب، سألته أين الحقيبة فقال أنها بالمنزل! فاستفسرت كي أطمئن بسبب اجاباته المتناقضة: هل ماما في المنزل؟ فقال: لا مهلّيش بس إيمان. قرّرتُ ألا أتدخل أكثر بعد سؤالي: وهل سمحت إيمان أن تخرج؟ فأجاب بنعم.. هكذا إذن، غريب، طفل صغير، في الخامسة من عمره، يأكل القلم طوال الحصة، ولا يتكلم إلا بطلوع الروح، يُسمح له بالخروج وحده! استودعته الله وتركته لما كان يريد الذهاب إليه.

وصادفتُ من جديد في نهاية المنحدر إلى الخط الرئيسي يوسف أحد أطفالي أيضًا، نظرتُ إلى امرأة تمشي بعيدة عنه قليلًا وسألتها: هل أنتِ أم يوسف؟ قالت: نعم، من أنتِ؟ قلتُ: أنا معلمة يوسف، كنت أريد أن أسألك. قاطعتني: من منهم؟ قلتُ: أسماء، المعلمة أسماء، يوسف يتعلم عندي. فلما فهمت أخيرًا رحتُ أسألها عن بعض الإجراءات التسجيلية لابنها فهي لم تحضر معه سوى أول يوم له، وتحدثنا عن مستواه قليلًا، ثم وقفنا بانتظار الباص، وصادف أن صعدنا باص واحد معًا. وحدث فيه موقف محرج، بعد قليل من صعودي ومسيرنا، وقف صاحب الباص لراكبة ففلتت من لساني: مليان! أقصد ان المقاعد ممتلئة، فقال: بتجلس جنب الحرمة وراء. نظرتُ عبر المرآة وخجلتُ من نفسي على تدخلي، فضحك وقال بفخر: أقلك أنا أطلّع الناس واعرف كم معي. أجبرتُ نفسي على ابتسامة متشنجة وبداخلي كنتُ أقول: اش دخلك يا أسماء؟ اش دخلك؟ اشتي اعرف! وقبل نزولي بقليل دفعت أم يوسف عني أجرة الباص دون أن أنتبه، وضربت كتفي بخفة قائلة: مُسلّم. التفتُ لها بسرعة وقلت: لا ميقعش، والله عيب!… وأردتُ أن أرفض من كل قلبي، لكن أكلني خجلي من زوجها الذي كان يجلس بجانبها، فاستسلمت بعد قليل، وطفقتُ أبحث عن حل لهذه المعضلة، ولكني لم أجد سوى كلمة: سامحيني. وأنا نازلة في محطتي! ليتني لم أقل شيئًا، في المرة القادمة سأحشو فمي بأي شيء، ولن أصعد مع أي أحد أعرفه ان شاء الله. آخ بس.

وبعد ضيقي بما حدث في الباص؛ وصلتُ المنزل المبخّر برائحة الخبز الذي كانت أمي تصنعه، خبز توست، تناولتُ منه بشهية مفتوحة، وسمحتُ لنفسي بكوب شاي رغم أن المغرب كان قد حل بالفعل، لكني كنتُ بحاجة لمنبّه وشيء يفتّح صدري للتنفس بعمق. وها أنا أكتب. وقد بلغني أثناء الكتابة تأجيل موعد اليوم إلى ظهر الخميس، خبر متأرجح بين كونه حلو وسيء، أريد الخميس فارغ، أريد أن أتنفّس فيه وأستمتع، لكن حسنًا، لا بأس، موعد حفظ سهل ولا صعوبة فيه.

الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه. الحمد لله بلا عدد، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s