القوقعة

ها هي عطلة الأسبوع تبدأ. بعد “الحمد لله”؛ لا أريد هذه العطلة! أنا بحاجة للانشغال هذه الفترة، الوساوس تتطفّل على لحظات فراغي، وتنهش مني قوتي.
كان أسبوعًا طويلًا، مكثّف وصعب، ومع ذلك لا أريد للدوام أن يتوقف لثلاثة أيام، أراها سنين طويلة الآن، إنه المهرب الوحيد لي، للخروج من رأسي والتفكير بأشياء أخرى مثل كيفية رسم الهمزة وما الطريقة الصحيحة لكتابة رقم “2”، وكيف أجذب انتباه الأطفال وأكوّن معهم علاقة وطيدة خلال وقت وجيز…
كان يوم أمس يوم طويل، رغم أننا لم نكتب في الدفاتر شيئًا، بل ركّزت على العمل على السبورة، وتوطيد علاقتنا ببعضنا، وكيف أحكم سيطرتي على الفصل. ومن يراني في ذلك المكان، مع الأطفال، فلا شك من أنه سيراني مريضة فصام، لكن هكذا هو الطريق الأمثل للتعامل مع الصغار؛ في اللحظة التي يجب أن تصرخ فيها وتوبّخ صغير على عدم انتباهه، اضحك مباشرة بعدها كي لا يراك مجرد تنين! وهذا هو ما صرّحت به مرات عديدة مهدِّدة: متخلونيش أتحول وحش دحين! يتقبل البعض قولي هذا على أنه مزحة فيضحك، والبعض الآخر ينظر إلي بخوف ويهدأ تمامًا.
عامر المشاغب، الذي يرفض إلا أن أناديه “عمّوري”! يشرد كثيرًا ويحلّق في عالمه الخاص، نبّهته مرات عديدة، وخلال ذلك استخدمت تقنية النظرة الحرَّاقة! قال لي فجأة وأنا محملقة فيه كي يشعر بالحرج ويركّز: عيونك كبار يا ست. وبصعوبة زممت شفتيّ كي لا أنفجر بالضحك.
ناولني صالح عصا، نظرت بذهول، وقلت: آخر مرة تأتي بها إلى هنا، أنا لا أحب العصا، أنتم مهذّبون بدون أي تهديد، والمشاغبين دائمًا عندي عقاب لهم. أعادها بخيبة أمل!
التشجيع يفوز مع الأطفال، عندما أطلب من أحد الصغار أن يقرأ شيئًا، ويبدأ على خجل أصيح بحماسة قبل أن يشرع في الحرف الثاني: واااااو! بارك الله فيك يا بطل! ويسري مفعول ذلك بسحرية، ينطلق الطفل الخجول بصوت يودّع الارتجاف ببطء، أصيح إذا ما تردّد: أحسنت، أحسنت! لا شك أنك أشطر واحد في الفصل! وعندما أتلقّى نظرات حزينة من البقية، أقول: أصلًا فصلنا فصل الشطار المؤدّبين أكيد. وتنبسط الوجوه. حياة سهلة جدًا، نحن فقط من لا نستطيع فهم كل ذلك من أماكننا، علينا أن ننحني قليلًا.
في يوم الثلاثاء، ضاع أحمد، كان من المفترض أن أسلِّمه لمعلمة الفصل الثاني كي تعيده معها إلى بيته بما أنه جيرانهم، لكن وعندما صرفت الأولاد كنتُ مشوّشة، واختفى هو بينما أتحدث مع أولياء الأمور. ونحن خارجين، سألت فاطمة “معلمة الفصل الثاني” عنه، وكان ذلك مثل التعرض لتيار كهربائي، صرتُ أركض في المكان مثل مجنونة، ارتدينا على عجل وأغلقنا الباب الرئيسي ونحن نهذي برعب، نركض في الشارع، أرافقها لحيث لا أعلم بالضبط، وأمشِّط الطريق بنظراتي راجية أن ألتقيه، نتبادل كلمات مرتجفة عن ما حدث. قالت فاطمة في منتصف الطريق: يكفي إلى هنا يا أسماء، لا ترافقيني أكثر، لا جدوى من ذلك، أتمنى أن أجده في الطريق، سأطمئنك بالتأكيد، عودي الآن. كنتُ مشوّشة للغاية، مضطربة، كان يشغلني ضياعه وتأخري المفاجئ الذي صدف أن مدّدت الدوام فيها يومها الإدارة لنصف ساعة، تردّدت قليلًا، لكنها أصرت، فعدت، أفتش كل زقاق في القلوعة أمر به، لعلي ألتقي طفل صغير، منطلق، يختفي بسرعة الريح ما شاء الله!
لكني لم أجده في طريقي، مررت ببيت أختي حسب الاتفاق بيني وبين فاطمة أنها ستطمئنني عبرهم، لكن لم تكن سيارتهم موجودة، ولم يفتحوا الباب بعد طرق صاخب ومزعج، فجأة وجدتُ نفسي وحيدة، في منتصف الطريق، أمي تنتظرني في البيت، وعندي طالب ضائع على مسؤوليتي تقريبًا، طفح غضب ما وقررت أن أذهب للبيت! لم يكن لدي أي حل غير هذا أصلًا، لكنه بدا لي غريبًا في ظل تلك الظروف.. مباشرة، نزلت شبه راكضة إلى خط سير المواصلات، وصعدتُ باصًا كسول، ظل يمزّق أعصابي بسيره البطيء حتى وصلت للمعلا. دخلت البيت متجهّمة، لا أعرف كيف سأقول ما حدث معي، لكن لم أتردد كثيرًا في كيفية فعل ذلك؛ كان منزلنا ينتظر ضيوف.
صعدت لسريري، ورأسي لا يزال ينسج أسوأ الاحتمالات والأفكار السوداوية. لكني لم أستطع استعادة هدوئي سريعًا؛ الضيوف كانوا لأجلي تحديدًا، في الوقت الخطأ.
سلمتُ عليهم بشرود وخرجتُ بسرعة، لا شك أن تصرفي كان فظًا، لكني كنتُ شبه مهروسة بالتفكير. وفجأة قررت التنازل عن عزلتي، وأخذت رقم فاطمة، اتصلتُ بها، وبادرتها: هل وجدتيه؟ بدون حتى أن أقول من أنا ومن أين أخذت الرقم. أجابتني أن نعم، فاعتذرت بسرعة عن اندفاعي، وبصوت مرتعش سألتها أين؟، قالت: الحمد لله، وجدته في التقاطع، يبكي من كل قلبه، لا يعرف البيت. وبعد حديث قصير اتفقنا على أن نواجه الأم في الغد “يوم الأربعاء” ونعفي أنفسنا من هذه المهمة الصعبة، مع طفل يختفي في غمضة عين. وبالأمس، تحدثنا عن ذلك مع أمه، بعد اتصال أخبرتها فيه فاطمة أنها غير قادرة على اصطحابه معها في العودة للبيت، قالت الأم: عرفتُ ذلك اليوم فحسب! عندما اتصلت فاطمة، وعندما سألت أحمد “لماذا بكيتَ؟” قال: “أجا لي البكاء!” في ذلك الوجه الأبيض الصغير، والشعر المقصوص كعشّ، وجدتُ طفلًا لم يتأدّب مما حدث، وحمدتُ الله أن الحادث توقّف على هذا، وأننا تملّصنا من هذه المسؤولية بحمد الله.
بيد أن يومي الطويل بالأمس لم ينتهي، سمعتُ فجأة ونحن مغادرين صوت ينادي بإسمي، تجاهلتُه للمرة الأولى متّهمةً إياه بأنه وسواس، لكن عندما عاد يلحّ اكتشفت أنه البراء، ابن اختي، قال: بسرعة يالله، جدة وعبداللطيف ولولو وحمود عندنا! سقط قلبي في بطني، صحت: ماذا حدث؟ البراء لا يشرح الكثير، وكنتُ قد وعدتُ فاطمة بمرافقتها لبيت أختي لفرز الأطفال وبعض المهام، لكني طرت لليوم الثاني على التوالي، مثل المجانين، وفي الطريق وجدته مرتاح البال فزجرتُ نفسي عن القلق الزائد، لكني لم أفهم لم حضروا جميعًا، شعرتُ بأحدهم يمشي خلفنا، وكانت فاطمة، اعتذرتُ لإخلافي بوعدي وحدّثتها عن الفوضى التي تحدث هذه الأيام في حياتي من كل النواحي. في البيت، اكتشفت أنهم خرجوا للتسوق وأتوا ليصطحبوني، لا شيء مخيف ولا مرعب، لكن أسلوب البراء أرعبني ولم أكن ناقصة رعب أكثر. في البيت جئن بنات أخي الثاني وامتلأ البيت بضجة الأطفال ولم ينتهي اليوم حرفيًا إلا عند الساعة الثانية عشرة تقريبًا، وقتها قلتُ لمها بسخرية: أخيرًا انتهيت من عمل المطبخ اليوم، احتاج تورتة أحتفل بها بهذه المناسبة العظيمة!
وقرأت حتى الواحدة صباحًا ثم نمتُ مثل ميّتة، وهذا صباح جديد، أقصد يوم جديد، لكني أشعر بالأسف لأنني لن ألتقي بالأطفال اليوم، لقاؤهم مريح، ويخرجني من القوقعة التي أنحبس فيها تلقائيًا في عالم جدّيّ مثل عالم الكبار.

4 أفكار على ”القوقعة

  1. “حياة سهلة جدًا، نحن فقط من لا نستطيع فهم كل ذلك من أماكننا، علينا أن ننحني قليلًا” ❤️️

    أحب تدويناتك وأتابعها بإخلاص، خلال الأيام القليلة هذه التدوينة الثانية التي ينقبض بها قلبي معك -ولا أظنه معدل صحي لكلانا- 😂
    أتمنى أن تبحثي مع الإدارة عن حلول فعَّالة لانصراف الأطفال، حتى وإن كانت روضة غير رسمية فلابد من وجود شخص بالغ يحرس البوابة ويشرف على الأطفال طفلًا طفلًا، ويكون لديه معرفة مسبقة بوضع كل طالب (يذهب مع من وهكذا)، كل التوفيق في رحلتك معهم ❤️️

    Liked by 1 person

  2. ألمس متابعتك أيضًا وأنا مسرورة بها للغاية؛ لذلك أعتذر حقًا على الأثر السيء🤦🏻‍♀️ 💐
    بصراحة هذه الحوادث لا تتحفنا إلا في بداية السنة الدراسية؛ عندما يختلط الحابل بالنابل من أولياء أمور وأطفال جدد وقدامى. وما إن ينتهي التسجيل حتى يعرف كل طفل ما عليه فعله وكل أم كيف تترك طفلها، وبالتالي نرتاح ولا نصادف مثل هذه المواقف إلا بالنادر، لأن كل معلمة فصل تحفظ طلابها وتركز فيهم وكيفية مغادرتهم بعيدًا عن فوضى التسجيل والأطفال الخائفين من المكان الجديد.
    لا أعتقد أن الإدارة ستستسيغ الفكرة، إذ أن هناك مشرفة في الدوام الصباحي للبنات لكن وجودها مثل عدمها، لأن المكان نفسه لا يدعو للخوف فهو صغير ويقع في حي حيوي ونشط وهو أشبه بالبيت منه بمدرسة معزولة وكبيرة، لكن بالنسبة للأطفال المنطلقين الذين تغفل أمهاتهم عنهم في الأيام الأولى يكون خطرًا لأن الأماكن المجاورة معظمها أزقة والبحث عنها يرهق الأعصاب.👌🏻
    وفقك الله، وشكرًا للتعليق المبهج، جاء في الوقت المناسب🙏🏻

    Liked by 1 person

  3. عالم الأطفال ممتع ومرعب في آن معا ً ، لم أجرب الاحتكاك بالأعمار الصغيرة خارج نطاق العائلة لكني جربت الصفوف المبكرة من عمر ٦ وحتى ٩ سنوات وكان الوضع ممتع غالبا ً و مرهق أيضا ً ..
    أعانك الله ويسر أمرك لا أعرف مصادر قد تفيدك لكن هناك رسوم الكرتون قد تفيدك ببعض الأفكار البريئة المناسبة للصغار ..
    ابحثي باليوتيوب عن أصدقاء المدرسة و كذلك عن بيت الصيصان عندهم أهازيج حلوة مثلا مرة يغنون ” نحنُ نرتب .. نحنُ ننظف.. نحنُ نحترم النظام ”
    أيضا ً هناك حسابات في تويتر قد تفيدك في عالم رياض الأطفال منهم منيرة عبدالله الحقباني و منيرة أبالخيل بالتوفيق يا أقدع معلمة ❤❤

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s