(خيرٌ وأبقى)

يقول الله تعالى: (ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه) وهذا العالم قائم تقريبًا على حياة المشاركة والتمعّن فيما لدى الآخرين، حتى إن البعض أصبح يغضب إن لم تخبره بما عندك ومن أين أتيت به وكيف، وإن كان الأمر بداعي المعرفة المجردة فلا بأس، لكن الأدهى أن يمدّ الناس أعينهم إلى بعضهم البعض بطمع، ومن طمع إلى طمع لا ينتهي هذا أبدًا. ولو أن كل منا انتبه إلى حقيقة ذلك العطاء لالتزم جانب الحذر (لنفتنهم فيه) الفتنة لا تأتي في المصائب فقط، بل هي كل ما أعطاك الله ويسره لك ورضاه فهو فتنة لك أتصبر أو تشكر ولا سبيل غير هذين لك. ثم يعيدك الله إلى اليقين والطمأنينة، فاسمع: (ورزقُ ربِك خير وأبقى) سواء في الدار الدنيا أو في الجنة الآخرة؛ رزقُ الله خيّر ومبارك وأبقى وأثرى كلما نمّيّته بالشكر والحمد. إذًا فطريقك مع الحياة يتلخص في الفرح بنعمة الله وشكرها، والصبر على المصائب موقنًا بالحكمة راغبًا إلى الله هاربًا منه إليه لاجئًا به مخبتًا إليه. والشكر والصبر فتيل حياة مليئة بالطمأنينة واليقين، وبهما تترفّع النفس عن التمسّك العنيف بدنيا زائلة أو علائق سرعان ما تبلى أو تجفى، وليس معنى هذا أن تفقد الفرحة أو الحزن أو السلوك الانفعالي الطبيعي لك كإنسان، بل إنك تعيش هذا مدركًا له موجّهًا إياه لما ينفعك في الدنيا والآخرة.

هذه صورة من وسط تجهيزي لأساور العيد؛ بهجة الألوان!

يقول سفيان الثوري رحمه الله: الزهد في الدنيا قِصر الامل. ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء.

صورة الزاهد التي عرفناها هي شخص ذو ثياب بالية ويتناول الرغيف اليابس، حياته خالية فقيرة وهو مبتسم رغم كل ذلك، وطبعًا لا يبتسم دائمًا كي لا تسقط الهيبة! لكن حقيقة الزهد لا تشبه هذا بالمرة، إنها قصر الأمل، ألا تؤمّل نفسك بالكثير حتى تنسى اعداد شيء لك في الاخرة، ألا تجعل زهرة الحياة الدنيا وزينتها تسلب كامل لبّك وتصرفك عن نعيم القلب الذي فات الكثير منا في العيش مع الله وإلى الله. الزهد ليس أن تكن خالي القلب، على العكس، الزاهد قلبه مليء بحب الله، وينعكس هذا في حياته كلها، حيث يتخذ الرفق سلوك واللطف أسلوب والتواضع خُلُق له، الزهد مختلف عن تلك الغلظ وتلك الشدة وذاك التعنيف الذي يمكن أن يصوّره الجهلة. ورغم كل هذا فالزهد ليس سهلًا، وليس الجميع زاهدًا، حتى أن الزهد نفسه له درجات يتفاوت فيها الناس، فمنهم الزاهد بترك الحرام لله راجيًا ثواب تركه وهذا زهد العامة، ومنهم الزاهد بترك الفضول من الحلال فلا يشغل به نفسه حتى يفتر يقينه وهذا زهد الخواص، ومنهم الزاهد بترك ما يشغله عن الله أيًا ما كان وهذا زهد العارفين. وفي كل زهد هناك فرح ورضا وصبر، بل إن الزاهدين أكثر الناس تمتعًا بنعم الله عليهم وأعظمهم شكرًا لها، الاختلاف الوحيد أنهم راغبين عن ما يحيد بهم عن الطريق المستقيم مهما كانت زينته أو حلاوته، عارفين أن ما عند الله (خير وأبقى) وهذه المعرفة تورثهم طمأنينة حقيقية، ورضا في مراحل متأخرة، وعقل صافٍ يتبصّرون به كما لو أنه جوف بحر مليء بالكنوز التي غفل عنها الغافلون وتاه عنها الراكضون الطامعون بلا ملل ولا كلل.

ومع كل ذلك؛ يطمئننا الله، يقول: (ولسوف يعطيك ربُك فترضى) وسورة الضحى نفسها فتحٌ عظيم لمن فتح الله عليه من العلم.

رسالة اليوم هي: استمتعوا بما وهبكم الله واشكروا، واصبروا على حكمه فإن في هذا النجاة، ومن ظنّ بالله شيئًا كان الله عند ظنه.

في هذا المقالة نرى بوضوح كيف يتحول الأمل الطويل أحيانًا إلى مولد للاكتئاب، وهذا هو الوهن الذي نراه في أناس كثير استولى عليهم طول الأمل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s