(صُنعَ اللهِ)

لدى أخي الأكبر منحلة في سقف بيته، وعندما زرناه آخر مرة، وصعدنا إلى هناك لنرى مناحله، ظل يشرح لنا بحماسة وتركيز استراتيجية عيش النحل في المملكة، يقول: هل ترين هذه النحلتان؟ تقفان هكذا طوال الوقت على باب الجِبح (صندوق المملكة وهو المكان الذي تعسِّل فيه النحل) واحد عن اليمين والثاني عن الشمال، يتبادل معهما اثنان آخران الحراسة ليلًا، وفي الصباح تخرج الملكة على هذه اللسان الصغيرة من الكرتون، ويقف الأربعة الحراس على الجانبين منحنيين حتى تعود الملكة إلى الداخل، أما عن هذا، انظري إليه يظل يدور حول المملكة طوال الوقت تقريبًا للتأكد من الأمن، لا شيء يعكّر على هذه المملكة صفوها وحياتها الامنة سوى الدبّور، إذ يمكنها قرص كل من يقترب سواء فأر أو أي زاحف، لكن الدبّور يسبب فوضى عارمة، لذلك أتكفلُ بمعالجة أمره أولًا بأول. يشرح لي عن اختلافات دقيقة بين أفراد الحراسة، بين الاناث والذكور، شكل الملكة، يقول في النهاية: منذ حصلت على هذه المنحلة وأنا أراقبها، عالمها مدهش آسر ولا زلتُ أتعلم منه وعنه. بالأمس حصد منها، وأعطانا من شمعها والعسل، نظرتُ إلى الشكل الدقيق للغرف الصغيرة، المملوءة بالعسل، عسل مصفّى، ولم أملك سوى أن أقول “سبحان الله”، من يفكر بوجود عالم مثل هذا، عالم متكامل بالمعنى الحقيقي، دقيق، سبحان من سواه.

ما شاء الله، من مناحل أخي بارك الله له بها.

صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )

كرهت الكيمياء دائمًا، وكانت هذه الكراهية تتركّز أكثر وقت الامتحانات، ومهما تعاملت معها كأنها لعبة كي أحبها لم يجدِ ذلك نفعًا، ظللت أكرهها حتى وقتنا هذا، عدا درس واحد ظل دائمًا مُستثنى؛ درس “الذرّة”. كان الإسم جاذبًا لانتباهي أولًا، ثم تحوّل اهتمامي لهذا الكون الذي لا يراه أحد في أي وقت شاء، بل ركضت وراءه البحوث ورفعت الخيالات أهميتها في رؤوس أشخاص سلبت لبّهم فكرة أن العالم الذي نراه ليس مثلما نراه فحسب، وإنما هو سطح واحد لعدة أكوان مرصوفة بعناية وإبداع الخالق تبارك وتعالى في ملكوته العظيم. ظل ذلك الدرس المختصر البسيط سالبًا اهتمامي، وراقبتُ كل عام دروس الكيمياء لأجله، لعلي أجد درسًا آخر موسّع يرويني منه، ولكن خاب ظني، استمرت أسماء مركبات وأخلاط من أسماء عجائبية تملأ الكتاب ولا تعطيني أي معنى نبيل يمكنني أن أغرسه بداخلي، ونسيت الأمر مع مرور الوقت. لكنني بعد وقت طويل، أعتقد أن ذلك العالم بقي مثمرًا بداخلي ومُخضرّ، ذلك أن صدمتي بمعرفة حقائق الأشياء سواء الحلوة والمرة منها، تلك المختفية وراء منظرها وشكلها المتاح للجميع، تلك الصدمة كانت حلوة ومطمئنة، لقد علمتُ أن هذا العالم صورة حقيقية لذلك الدرس المثير لاهتمامي، هذا العالم المتحرك، المصقول أحيانًا والمبعثر أحيانًا أخرى، العالم المتفجر أحداثًا، الناطق بقصص لا تتوقف، المزدحم بالأشخاص، هذا العالم صورة وما وراءه عوالم وأشياء قد لا نعرفها قط، لكن بمجرد الايمان بوجودها سيبعث في أرواحنا الحب والسماحة والحكمة، وكلها أثمان غالية. انظر إلى المتأمّلين تجد لهم في السماحة مساحة، وإلى المتفكرين تجدهم في الحب قادة، وإلى الحكماء وستجدهم ذوي نبالة وسمو وخُلُق.

ولو أن كل انسان نظر إلى الأشياء بتجريد لعلم الخير والشر بفطرته وغريزته، وإن كان علم الانسان قاصر إلا أن كل علم يعلمه يفتح له باب آخر وما دام يسلك طريقه فإن السهولة سترافق عادته هذه، ستجعله يتعامل مع الأشياء بأبسط أسلوب وأوضح طريقة. وهكذا مهّد الله لكل طالب علم يبتغي فيه فلاحًا في الدارين طريقًا معبّدًا، وقد يراه بعينه المجردة وعِرًا ولكنه إذا ملك الهدف وحدد الوجهة فإن تلك الصورة السطحية ستذوب شيئًا فشيئًا، سيعرف أنه ما دام يسعى إلى الخير فالخير ساعِ إليه وما دام يبحث عن صلاحه فلا شك أنه يلتمسه بمجرد رغبته، وهذه رحمة الله الواسعة. جاء في الحديث القدسي: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقْد آذَنْتهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)

والسائر إلى وِجهّة يطلبها في عادته يرى الأشياء حوله أشباح وظلال لهدفه، ولو أنه تلمس الطريق فإنه سيلتمس فيه الانس ورَوح مما يسعى إليه، فينمو إيمانه بصحة طريقه ويتفتّق قلبه عن لهفة وشوق أكبر يدفعانه إلى الجد في السعي والهرولة. وهكذا طريقنا في هذه الحياة…

بحر الأماني لا ساحل له فلا تخُض فيه بدون مخزون توكّل على الله محقق الأماني، ومنطقة الراحة لا سبيل لمعرفة ركودها إلا بتركها إلى العمل، والهدف الذي نسعى إليه كبشر هو عالم وكون من الطمأنينة والرخاء، بعيدًا عن الهم والنكد والفشل، وما دام هناك هدف فتحديد وجهة أمر يبسّط الطريق إليه ويجعلنا أكثر تماسكًا وإصرار على بلوغه كما قالت خلود، إذًا حدِّد وجهاتك الخاصة لبلوغ هدفك، في القرآن حدّد التدبُّر وجهة، وفي الصلاة ركّز على وجهة الانصهار بين يدي الله، وفي الصدقة فتّش عن صدق النية مع الخفاء وِجهة… واجعل التجريد رفيقك في كل رحلة، وستجد كل مرة أنك تجد أعلامًا ترفرف واشارات تخبرك أنك في الطريق الصحيح، وأن تيارات الحياة حولك منساقة معك، ولو عكس كل العمليات الحسابية والطبيعية.

في طريقنا إلى الله لنا منازل، ولكل منا مسلك يتبعه، لكننا في النهاية لنا نفس الهدف، نريد الطمأنينة، وبدون تجريد الأشياء حولنا ستكون المهمة صعبة عسيرة، وفي التفكر حياة أخرى لنا، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنّ في الدينا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. جنة العيش إلى الله، ومع الله، وبالله. يقول ابن القيم رحمه الله: فليست الحياة الطيبة إلا بالله. حيث تبدو العلائق رمزية مثل حبال يسهل أن تنقطع أو تذيبها الحرارة، وتبدو الأشياء أعمق وأحوى لحيوات دفينة تستحق التأمل، والناس يبدون في غاية البساطة ووراء كل شيء يفعلونه يسهل التفكير بسبب أو قصة أو حتى تفسير.

يا إله الأكوان بصّرنا وعلمنا وانفعنا. آمين

(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s