“رمضان الصغير”

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنتم بخير صحيح؟ أتمنى من كل قلبي أنكم كذلك.

قهوة حَب بدوية

الحمد لله الذي بلّغنا هذه الأيام العظيمة، هذا الموسم السنوي المتوقد في تجارة الانسان مع ربه، وفي استيفاء حقوق هذا القلب المشحون بتناقضات وارتباكات وهموم. الحمد لله الذي أحيانا حتى هنا، أعطانا فرصة، وباب الرجاء لا يزال مفتوح، أبواب السماء متلهفة للانفراج على وسعها في يومين من أفضل أيام العام؛ عرفة ويوم العيد. كبروا حتى تبلغ تلك البيبان أشواقكم للجنان، حتى تنفرج في قلوبكم سحب الغمام، حتى تستنشقوا من جديد، بأمل جديد، وحلم جديد، وحتى عام جديد. ما دام هناك مواسم، إياك أن تجعلها تفوتك، أنت لست بحاجة للكثير لتشارك فيها وتربح، لست بحاجة لمبلغ ولا رأس مال ولا نفوذ؛ أنتّ أنتّ نفسك، الذي أخطأت مرارًا طوال العام، الذي كسلتّ وتكاسلت وكّسّر تعاقب الأيام والأحداث العدسة التي كنتّ تتطلّع منها إلى سمو نفسك في عالمين، أنتّ الرابح هنا، ما خسر من تاجر مع الله، أرباح تستلمها وأرباح تنتظرها وأخرى تنتظرك، ما الذي تنتظر؟ لم يفُت شيء بالمرة، (عفا الله عما سلف) انظر إلى العفو الإلهي والغفران، إلى الترغيب بالأوبة والعودة لكنف الرحمن، والله هو الغني عنك، وأنت الفقير المحتاج، ومع ذلك يفرح بعودتك إليه، يجزيك بالحسنة عشر، ولا يظلمك أبدًا. كبّر، ارفع صوتك، ذكر من حولك، أحيوا هذه الشعائر (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) والتقوى طريقك الأكيد للاكتفاء بما عندك وإيقاف الركض حول كل متعة، وهي ورقتك الرابحة كي تتقدم إلى الفوز المبين بدون أدنى شك، خافّه يحويك، وارجوه يؤتيك، احذر أن يعرض عنك، أو يكلك إلى أحد المخاليق، اطلبه ولا تتردد، ولا تنساه مع الغافلين، فإن الغفلة قبر، الخروج منه بعد أن هال المزيد منه عليك صعب عسير، لكنه ليس مستحيل أيضًا. أتدري؟ لا شيء مستحيل، إلا مع اثنين: مغادرة الروح أو شروق الشمس من المغرب.

نّفّس عميق؛ نحن بحاجة لمن يحنو علينا بهذا الشكل بين الحين والآخر، القرآن دائمًا معنا لكننا نتوه عنه أحيانًا، يصوّر لنا الشيطان الصعوبة في الفهم، يوهمنا باليأس من إيجاد إجابة، ثم ما إن نقرأ أكثر وأكثر، وتبدأ الكلمات بالانسياب إلى الداخل حتى ينفرج كل شيء. ما أرحم الله علينا! قرآن، مواسم خير، وسنن نبوية، وأوقات مباركة على مدار الساعة.. الطريق إلى الله لا يأتي من جهة واحدة، بل إن كل انسان له طريقه الخاص إليه، يجمعنا على الطريق الرئيسية الضعف والحاجة والتطلع للخلاص من هذا العالم الفاني.

لي ابنة خال صغيرة لم تتجاوز عقدها الأول، تسمّي العشر هذه “رمضان الصغير”. صحيح، لا يزال الله يجبرنا بانتهاء ذلك الشهر الذي يطير، خفيف، وهو على ذلك مليء بالأنس الروحي والبدني والاجتماعي، صورة بديعة من الراغبين إلى الله عن دنيا تروح وتجيء دون استقرار تام.

مر رمضان هذا العام سريعًا كالعادة، ومع ذلك لم يفُت تمامًا، استطعتُ أن أحقق بعض الإنجازات الصغيرة التي كنتُ منها في حبور، لكن وخلال هذه الفترة خاصةً ارتفعت مشاهدات الزائرين إلى هذا الركن الصغير في رمضاني الأول الذي قضيته هنا، ووثّقته بنشاط التأمل كل يوم، وزاد حماسي لتطبيقها قريبًا متأملة فيها الفائدة، وكنت قد أردتُ مرارًا أن أعيد تلك التجربة، لكني لم أستمر طويلًا، التأمل يحتاج عين بصيرة ونفس هادئة تستطيع أن تفكر بدون أن تطيش إلى أشياء لا علاقة لها بالصورة السامية للتأمل، وبالأمس فقط عزمتُ على فعلها خلال هذه الأيام من ضمن عدة نشاطات تبدو مثل برنامج لهذه العشر الفضيلة، سأذكرها لعل فيها الفائدة:

  1. قراءة كتاب مناسب لهذا الموسم. اخترتُ “تهذيب مدارج السالكين” الذي يرافقني هذا العام.
  2. التأمل. للوصول إلى نقطة فارقة في عجلة تفكيرنا الرئيسية، ولأجل إرساء معانِ جميلة في نفوسنا، وأخلاق نبيلة، ومبادئ بمثابة عمارة بيت جديد لأرواحنا التي تهيم في أواسط أيام خائرة باهتة حزينة بعض الشيء.
  3. برنامج عناية ذاتية. هذه النقطة غريبة عن أخواتها، لكن الحاجة إليها تدعوها إلى هنا، العيد قادم، وفرحة العيد مستحبة، عدا أن ترويع المسلمين بوجوهنا الشاحبة وهيئاتنا الفاترة أمر لا يُسكت عنه طبعًا.😁
  4. التكبير، والتركيز في الذكر كغذاء للروح إن تركته انطفأت وذوت. ذكروا أحبابكم بالتكبير، نحن لا نكبر طوال السنة، هللوا هذه الأيام واستمتعوا بذلك وتمعنوا.
  5. تجهيزات اليوم الكبير، يوم العيد. من زينة مبهجة، وهدايا وعيديات وملابس جديدة وأشياء مما منّ الله به علينا، لا داعي للتكليف، بل إن ذلك أمر بغيض، اضحكوا على مقاسكم، واستمتعوا بدون أن تدّخروا همّ جديد.

هذه برنامجي الرئيسي عدا بضع نقاط ونشاطات يومية سأجرها معي من أيامي العادية، مثل تنظيم النوم على نظام هذه الأيام، الصيام متى أمكن، العودة لأعمال الكروشيه، مواصلة الرسم، قراءة كتب حرة أو مقالات، المحاولة دائمًا لمعاودة الكتابة في القصة، مراقبة الغذاء، والانتباه على الاجتماعات العائلية وعدم التخلف عنها… وكل شخص له برنامجه الخاص بالطبع.

لا أطيل عليكم، أترككم في فسحة هنية من يوم فضيل مثل هذا، أسأل الله التوفيق والسداد لنا ولكم، وثبّتنا على الطريق المستقيم. آمين

سأشارككم تأملاتي إن شاء الله كل يوم هنا، كونوا في حفظ الله.

خلود جميلة حين كتبت: لقد وصلت إلى وجهتك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s