بدون صحبة!

on

ليل الشتاء طويل، فكيف إن كان بدون صحبة؟!

هذا ما فكرتُ به، وأنا أقرأ آخر فصل من كتاب “خلف الأسلاك الشائكة” لياسر البحري، السجين الكويتي الذي حاول أن يقول بلهجات متعددة ومؤلفات، للعربي الذي ما يزال مخدوعًا بأميركا: هاك انظر إلى أمريكا الحقيقية!

مع أنني لستُ ممن يحتاج إلى هذه النظرة للتأكد مثلًا، وباعتقادي أن العرب الذين يحتاجون إلى هذه النظرة المقربة هم قلة؛ مع أنني من ناحية أخرى مختلفة تمامًا، لا أحب أن أشغل رأسي برؤيتي تجاه أمريكا أو أي من عوالمها السحرية، عندي مبدأ وعقيدة تخالفهم تمامًا فلم أشغل نفسي بالتصحيح لهم ووضع علامة؟ كما أن عقيدتنا لا تكلفنا بتصحيح الخطأ بخطأ آخر مثلما فعلت قوات الطالبان أو الدواعش أو أي صنف من الإرهابيين الذي يرفضهم ديننا أصلًا، وما هم إلا متشبثين بالاسم سواء لأغراض تشويهية أو تضليلية أو أيًا كانت… لدينا شريعتنا التي توضح لنا الطريق إن كنا راغبين بالفعل وابتداع طرق جديدة ينتهي غالبًا بالفشل لأن عقل الانسان قاصر والشريعة كاملة لأن مشرعها هو الله علام الغيوب.

بصراحة الكتاب لم يكن على القائمة، بل لم أكن أعرفه أصلًا ولا الكاتب ولا قصة سجنه الطويل في أمريكا، بل حدث أن ذكره أخي الصغير في حديث لنا عن مجرم أمريكي قرأتُ عنه ثريد في تويتر. قال أخي أن ياسر البحري أجرى مكالمة مع السجين السعودي في أمريكا خالد الدوسري قال فيها ياسر أنه نفسه كان نزيل سجون أمريكا، والحق أني لم أكن أعرف كذلك قصة خالد الدوسري وإنما سمعتُ باسمه فقط، وعندما أخبرني أخي بقضيته لم أستطع الاطمئنان لكافة التفاصيل بصراحة، وقلتُ لأخي: ليس الأمر أني أتهمه ولا أني أصدق الأمريكان، ببساطة، القضية غامضة بعض الشيء، وأنا بشكل عام لا أتعاطف مع الذين راحوا بأقدامهم ورضاهم إلى هناك، لكن إن كان بريئًا فأسأل الله أن يفرج عنه، وإن كان داعشيًا أو ما شابه فأسأل الله أن يهديه أو يأخذه، وفي النهاية لن يجعل الله للكافرين على المسلمين سبيلًا.

تضايق أخي من رأيي، وأعترف أني لم أكن مرتاحة حتى وأنا أقوله، أنا لستُ معتادة على سوء الظن أو على الأقل لقد حرصتُ على أن تعتاد نفسي حسن الظن بالناس عمومًا ما لم توجد قرائن تدينهم فعلًا، لكن بقي سؤال ضخم معلق فوق رأسي: لماذا لم تتدخل الحكومة السعودية بالقضية؟ رغم كل ذلك الترند والضجة؟

أجاب أخي عن سؤالي بأن الأمر لم يعد قابلًا للنقاش مادامت القضية بيد الـfbi، لكني لم أقتنع كثيرًا، على أية حال، الموضوع ككل جعلني أتذكر الدعاء لكل المظلومين في أي سجن في العالم، وهذا مريح ومُطمئن.

الشيء الثاني الذي جعلني مترددة “في أول الأمر” في قبول تصديق ياسر البحري لبراءة خالد الدوسري هو قوله أنه نفسه كان سجينًا لدى أمريكا، ونتيجة لذلك وجدتني أبحث في قضيته وأنقب، حتى وجدتُ كتابه هذا متاحًا فحملته بدون تردد وبدأتُ القراءة وانسابت الحروف والصفحات، ولولا عطلة الأسبوع التي قضيتها في بيت أختي وتوقفت بسببها القراءة لكنتُ أنهيتُه قبل اليوم نظرًا لبساطة لغته وانسياب السياق وفكاهة الكاتب السجين الذي أهنئه بحق على قدرته من السخرية من الألم والعذاب الذي قاساه.

الكاتب يكتب قصته من الحبس الانفرادي في سجن اسمه بالواقع “المقبرة”، يكتبها من الألف إلى الياء، مارًا بتؤدة على بعض النقاط مركزًا عليها من ناحية أثرها فيه أو على قصته، ومبدئيًا قصة مثل هذه، حقيقية وواضحة هذا الوضوح أعتبرها فائزة بحق، بغض النظر إن كان القارئ اقتنع بحقيقيتها أم شك في واقعية بعض الأشياء، في النهاية القصة مركبة تركيبًا أقرب بكثير للواقع، حيث معظم الأشياء تحدث بدون تعليل واضح في وقتها ثم يتبين فيما بعد، أو أن بعض الأشياء تفوت لأن الذهن انشغل بشيء ربما أتفه قليلًأ.. في كل الأحوال، أعتقد أنني أصدق الحكاية.

لكن؛ بغض النظر عن تصديقي للقصة أو لا، ثمة صعوبات واجهت ياسر البحري (حسب قصته) هو من تسبب بها لنفسه ولم تكن عن براءة تامة، لكن أعتقد أن عالم مثل السجن لا يترك الانسان نزيهًا تمامًا وهذا ما قاله الكاتب نفسه: فلولا ذلك اللقاء، لما أدركت بأني اليوم مجرد نكرة! فقد اعتدت على ذلك أيضًا! على سبيل المثال: حكاية ريتشيل، وقصة الإمامة، ولكن من ناحية أخرى، حين أنظر إلى الأحداث الصعبة بعد كل هذا أقول في نفسي أن الله يربي الإنسان كثير الميل، كما يجعل مع العسر يُسر، وأحمد الله على خروج ياسر البحري وبقائه صحيحًا مجددًا عارفًا أكثر مما كان يعرف حامدًا أكثر على ما وصل إليه…

أعتقد أن العنوان للكتاب غريب ومناسب، مثل من يقول “وراء كل تلك الأشواك التي نصبتها أمريكا في كلامها الرافض بعنف للعنصرية، انظروا ماذا يحدث!”، وأنا عندي قناعة غريبة ربما، وهي أن جُل من يُكثر من التنديد بالشيء وتنزيه نفسه منه هو في الواقع مرتكب له، ربما لأنني أرفض الفوضى وأنا أعيش بفوضوية؟ من يدري! على أية حال، أمريكا معروفة منذ وقت طويل بأنها مرتع العنصرية مهما شنعت عليها بالرفض والعقوبات، وعلى قولة الكاتب: مجرد كلام!

وكعادتي عند قراءة كل كتاب لأدب السجون ترافقني مشاعر إيجابية طوال الوقت، هذا غريب صح؟ في الواقع أشعر بالرضا بما أنا فيه من النعيم، وبالقناعة بما لدي، وبالتفاؤل “هذا إن أُطلق سراح السجين صاحب القصة”.. وأردد طوال الوقت عندما ألمس كل شيء يفقده السجناء أو غيرهم من المُعدَمين: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم أدِم علينا نِعَمك. وبإجازة العطلة ونظرًا لأثر بدايات الكتاب التي كنتُ قد قرأتها، تطرقتُ للحديث عنها مع بنات أختي في سهرة الجمعة، وفجأة وجدتُني أحكي لهن عن حياة السجون بحسب ما قرأت، وكنتُ أشعر بشعور أقرب للأسف وأنا أرى دهشتهن من بعض التفاصيل، مثل من يبلغ خبر سيء، لكن في الصباح كان الأثر طيبًا عليهن، فقد كانت براءة على وجه الخصوص، تقول لكل شيء تفعله: يا رب الحمد لله! حتى عندما جلست تحت نور الشمس الذي يغمر الصالة، وحين ارتدت ثوبً نظيفًا، وشربت ماء بارد كان تلتفت علي وتقول باسمة بشيء من الامتعاض: شوفي الحمد لله! وفكرتُ حينها بأن الإنسان مهما كان، يحتاج دائمًا لأن يخبره أحد كم يملك من النعم قبل أن يجرب فقدانها فيندم، وكما قال المدون مينا ماهر: ماذا لو كنتَ في أفضل أيامك؟

من نزهة الجمعة مع بنات أختي، حديقة النغم في حافون.

انقضى أكتوبر، وإلى اللحظة لم أقرر بعد هل سأدخل تحدي نوفمبر أم لا، لدي أفكار لكنها ليست متبلورة بعد، إن كنتَ تريد المساعدة فسيُبهجني رأيك.

بالمناسبة تحدي نوفمبر اسمه نانوريمو، وهو عبارة عن تحدي كتابة رواية أو جزء منها “لم يُكتب من قبل” خلال شهر نوفمبر ومن المفترض أن يصل عدد الكلمات فيها 50 ألف كلمة، يعني 1667 كلمة في اليوم تقريبًا، ما رأيك بالإنضمام؟ إن كنتَ ستفعل أخبرني فأنا بحاجة لبعض المؤانسين هذه المرة بالفعل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s