زقزقة

إنها إحدى المرات المعدودة على أصابع اليد الواحدة التي أجمع فيها بين كتابين في وقت واحد، وجل المرات إن لم تكن كلها كانت جامعة بين رواية وكتاب مقالات أو فقرات متفرقة، وهذا يجعلها ألذ، إذ أن قراءة مقالات كثيرة ولو من كتاب واحد في جلسة واحدة لا تجعلك تستمتع كثيرًا، بالإضافة إلى أنه لن يبقى في رأسك الكثير منها حين تنتهي. من قبل فعلتُ هذا مع كتاب فقاقيع لأحمد خالد توفيق حيثُ جمعته مع رواية أخرى. أما الآن فأجمع بين “اعطِ الصباح فرصة” لعبد الوهاب مطاوع بترشيح من بسمة الجميلة، و”شقة الحرية” لغازي القصيبي الرواية التي أوصلني إليها تعليق في تويتر يقول: أريد أن أسأل غازي القصيبي هل احداث الرواية وقعت له أم أنها تأليف! وبطريقة ما تجاوزتُ توجسي من العنوان، ومرة أخرى تجاوزتُ تاريخ الرواية بأنها “مُنعت فترة من العرض في المملكة العربية السعودية” بطريقة ما أيضًا. أكتب هذا لأذكرني بعد حين بأنني لو استأتُ منها في النهاية فسيكون الذنب ذنبي فعلًا ولا عذر لي لأن خبرها وصلني.. لكنه الفضول، عندنا مثل عدني يقول “الشجن قتل العجوز” يعني الفضول قتل العجوز، ولا شك أن من ورائه قصة، لكنها غير معروفة كثيرًا.

مشيتُ اليوم مشيًا صحيًا بحق، حيثُ أسرعتُ في المشي “وهو الصحي” بالرغم من أنني اضطررتُ إلى الإسراع اضطرارًا كي لا أتأخر على الدوام أو على الوصول للبيت بعد المغرب، اشعر الآن بخفة كبيرة رغم بعض آلام عضلات الأكتاف والذراعين في عودة مختلفة للرياضة اليومية، عشر دقائق بعد الاستيقاظ وعشر قبل النوم. بالإضافة إلى المشي الذي يستغرق في المتوسط 40 دقيقة ذهابًا وإيابًا، أراه شيء مرتب، مثل حمية للحفاظ على صحتي وصحة عضلاتي ومفاصلي أيضًا، فكما ألاحظ أن آلام ركبتي تقل مع ممارستي للرياضة إن لم أكن مخطئة بملاحظتي.

في باص العودة إلى البيت، استعدتُ فكرة كتابة سلسلة ظريفة عن قصص المواصلات، عن أحاديث الركاب، عن غرابة البعض، وعن أعجب القصص والمواقف التي يتبادلونها في الباص، بالأخص كلما كان الباص صغيرًا كلما كان أقرب لمنتدى عجيب، فإذا بدأ أحدهم يقص شيئًا بصوت مسموع أنصت له البقية وشاركوه في آرائهم، يتصادمون، ويتفقون، ومنهم من يتحدث بوادٍ ويجيب عليه آخر من وادٍ آخر. باختصار عجب العجاب.

واليوم ركبنا في باص متوسط الحجم، جلستُ وأختي في الصف الثالث لأن الصف الأول فيه ركاب رجال والثاني فيه راكب واحد ويبدو أنه مصاب بشيء ما فاستحيينا من طلب كرسيه وجلسنا في الخلف، وبعد قليل ركبت فتاتين وتحرك المصاب إلى الخارج مفسحًا لهم المقعدين، جلس في مقعد منفرد في الصف الثاني، وبدأ يكلم رفيق له في الصف الأول، الفتاتين استغرقتا في حديث جانبي غير مفهوم وهن يشربن قهوة خارجية. في البداية طلب الرجل المصاب من صديقه أن يرافقه في الغد صباحًا ليجري الكشافة لإصابته، ووافق الصديق أسامة “عرفنا اسمه من الحوار” وقال مبتسمًا: تمام، أنا تلاقينا 7 الصبح صاحي _سكت قليلًا ثم قال_ 6 الصباح صاحي أنا، أقوم مع الطيور، تلاقينا أزقزق “أغرد”معاهم! قال ذلك بطريقة مضحكة، فضحكتُ بخفة.

فجأة تحول الحديث إلى ارتفاع أسعار المواصلات، قال الرجل المصاب بتفكير عميق: كيف يسووا عيالنا عشان الجامعة؟ دحين ألفين يالله تكفيهم روحة ورجعة! (كيف يفعلوا شبابنا للذهاب إلى الجامعة؟ أصبحت 2000 ريال بالكاد تكفيهم ذهابًا وإيابًا)

أسامة يقول: ألفين بدون مصاريف قُرع وحاجة خفيف. (2000 ريال وحدها للمواصلات بدون وجبة إفطار ولا أي شيء خفيف)

استمر النقاش، نزلت الفتاتين ودفعتا السعر القديم، يقول السائق: أربعمائة!

تدفعان له أجرته، يمشي الباص ويلقي الرجل المصاب تعليقًا متفاجئًا من دفع الفتاتان السعر القديم بعد أن سكب هو وصديقه تاريخ الأسعار كلها قبل قليل. أبتسم وأتذكر كيف كانت الفتاتان مهتمتان جدًا بترتيب مستلزمات الرحلة غير منتبهات لحديثهم!

يقول أسامة: إلى كريتر مئتين فقط.

يستنكر عليه المصاب، يؤكد أسامة بثقة أنه يدفع حين يركب إلى هناك 200 فقط ولا يهتم بالسعر الجديد 300!

يرد السائق بحدة: صاحب الباص الذي تركب معه يسمح لك وليس معناه أن السعر الجديد غير مطروح بشكل جدي.

يشرح أسامة: والله أنا أقول لهم “عندي 200” تريدها وإلا الله معك سأمشي! مرة ركبتُ مع واحد وحين نزلتُ دفعتُ له 200 وعندما كاد يعترض قلتُ له: خذ هذه وإلا سأذهب!
يبدو أن أسامة هذا نكتة، أي تهديد في عبارته، كان مقتنعًا بأنه قال شيء مرعب ومخيف. لم يرد أحد، فاستأنف: يا جماعة ماذا تريدون من الشعب؟ طيب ومن ليس لديه إلا قليل ماذا يفعل؟ يمشي إلى مراده على قدميه؟!!!

كان مصدومًا من فكرة المشي إلى حد قريب من الشهقة، في الواقع لقد كان بدينًا. حين لم يرد أحد، عاد ليقول بنبرة حانقة وكأنه سيبكي: اللي مافيش معه يـموت يمشي.

يمشي هذه بدل “يموت” لكن المشي على ما يبدو أن دماغه ترجمه بالموت. عاد ليقول بنبرة جادة الآن: المفترض أن تجتمعوا أنتم أصحاب الباصات وتذهبوا إلى مديرة النفط وتطالبوها بخفض أسعار البترول ونعيش بسلام…

في الواقع لم يكن أحد يعرف من هي مديرة النفط التي اخترعها هذه، لكننا أحسنا الظن بأنه يقصد وزارة النفط. رد السائق أخيرًا: لسنا نحن أصحاب الباصات فقط من يرفع، هل أنتم راضون عن أسعار المواد الغذائية؟

آه، تبين أن الباص بأكمله مركبة من المخرفين، أريد أن أعرف ما شأن المواد الغذائية بارتفاع سعر النفط؟! فقدتُ تشوقي للحوار. وهم لم يخيبوا ظني فيفرحوني، لأن كل هذا انتهى بقولهم كلٌ بطريقته: بلاد خربانة. لحسن الحظ أني نزلتُ وقتها، خطوت بسرعة إلى الحارة غير مصدقة كيف يمكن أن يبدأ حوار وينتهي بهذه العجائبية واللا ترابط والأقسى من هذا كله القناعة بأنهم قالوا شيئًا حقيقيًا ومدروسًا بعناية، هذا ما أسميه زقزقة حقيقية، كلٌ في عالم. ما أفظع الجهل المركب!

في النهاية خلص المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى حقيقة حرص على تأكيدها والدفاع عنها معظم سنوات حياته وهي: أن كل مجتمع يفقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة له في التفكير، أو في السلوك أمام أفكار الآخرين، وبالتالي فإنه يتقبل أفكارهم دون مراجعة أو تدقيق، ويقلد سلوكهم دون تروٍ أو اختيار.

_أعطِ الصباح فُرصة، عبدالوهاب مطاوع.

في طريقي، تذكرتُ مقالة المدون أبو إياس التي يتحدث فيها عن ضرائب الأشغال الخاصة، أردتُ أن أقول بصدق: ضريبة مدروسة ومنظمة خير من عشوائية الأشغال هنا، كل واحد يفتح له مجال، ويبدع في الأسعار، ومنها المواصلات. أتذكر مرة ركبنا باص، وركب عسكري معنا، كان وقتها السعر الجديد لتوه طلع، وحين أخبره السائق بالسعر اعترض العسكري ونشب بينهما شجار بالحديث، لسع العسكري بكلماته السائق لسعًا، قال: أنتم أصحاب الباصات، أسوأ مخربين في البلاد، ما إن يرتفع الدولار حتى ترفعوا السعر، وإذا هبط الدولار لا تهبطون أبدًا، هذه مشكلة والثانية أن أغلبكم لا يمتلك تراخيص، والثالثة أنكم مخالفون دائمًا، ووو… حين نفرغ للبلاد سنجعل عيوننا عليكم والله!

وكما يقول الإمام: خير لي أن أنام تحت حاكم ظالم

والنظام خير طريق تتوصل به البلاد إلى الاستقرار، اللهم ارزقنا الاستقرار وعليك بكل المخربين الأشرار.

بالمناسبة، أعاني من زغللة في العين اليمنى منذ يومين على الأقل، إن كنتَ تعرف شيئًا عن الأمر فقل لي. جوجل يقول: اجهاد وقلة نوم! لكني أنام مثل الطبيعي “عدا البارحة فقط” ولا أجهد كثيرًا بالنسبة لأيام أخرى…

سلام

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s