نيجاتيف

نهار جميل، هادئ وبسيط، ذكرني بعصريات زمان.

عربة المثلجات تتمشى بأغانيها منذ وقت، مزعجة بعض الشيء لأن صوت مسجلها عالٍ جدًا، تهب رياح بين الحين والآخر، كان الجو قبل العصر مغيمًا، لكنه الآن صافٍ قليلًا. بالأمس فاتني العصر، لأني بقيتُ في المطبخ طوال الوقت تقريبًا، كانت النية أن أصنع بسكوت برتقال فقط، لكني حين علمتُ أن أختي ستزور صديقتها فكرتُ بعمل بسبوسة التمر بسرعة، وبعد أن وضعت المكونات فوق بعضها تذكرتُ أن الكهرباء مقطوعة، فكيف إذًا سأطحن التمر وأخلط المكونات؟ الأمر الذي استدعى ذهابي لغرفة أخي واستعارة محول احتياطي على البطارية، مما جعل من صنع البسبوسة اللطيفة السريعة مهمة شاقة ومتعسرة، المهم، في النهاية أخرجتها من الفرن بعد أن تأكدتُ من نضجها بثقبها، لكن بعد التقطيع تبين أنها ليست مستوية تمامًا، لم تكن سيئة أبدًا وأعتقد أنه لم تبقَ منها إلا قطعة واحدة في الثلاجة، لكنها بشكل عام ثقيلة ومُشبعة جدًا مثل حلى مُعتبر. لحقتُ بأختي وأوصيتها بالأخذ منها، في حين ذهبتُ لأخذ حمامًا منعشًا وارتديت ثوب العصر، ومن جديد لبستُ مريلتي ودخلتُ المطبخ لأحضر البسكوت. لحسن الحظ أن والدي نقل الفرن إلى الأعلى، مع ذلك لم يعد مطبخ الطابق الثاني سريعًا، بل مطبخ كامل، وهذا له مساوئ الازعاج وكذلك بصراحة فسد منظر المطبخ بالازدحام، حاولتُ اقناع امي بالتخلص من بعض الاشياء مثل أدراج زائدة وسلة نظافة وما إلى ذلك، لكن لا فائدة، قالت بأنها لا تريد السقف يمتلئ بأشياء جيدة لكن مُهملة. ألاحظ أن حاجتنا للاحتفاظ بالأشياء تزداد كلما كبرنا أكثر، ربما لإثبات أننا عشنا مراحل مختلفة، فالجمادات ليست باردة كما يخيل للجميع، انظر لأي ذكرى من ذكرياتك وستجد عنصرًا جماديًا فيها، يشير إليها ويدور حولها ربما.

بمناسبة الحديث عن الذكريات، بعد المغرب أمس، كانت أمي تنظف علبة صغيرة، لكن شيئًا فشيئًا وجدت نفسها تتولى إعادة ترتيب أدراج منضدة الزينة كلها؛ لم أكن مهتمة كثيرًا، لكن حين وصلت إلى مرحلة تذكارات والدي وحجتهما معًا وألبوم الصور هرعتُ لوضع الحاسوب في الغرفة وعدتُ لأتابع معها تأمل الصور التي لا أمل منها، والتي أسمع قصة كل واحدة منها بشغف، صورة لأخوالي وهم يلعبون الشطرنج تقول أمي: كانوا يلعبون وأختي تلِد طفلها الوحيد، كانت ولادة مفاجئة حتى أن هؤلاء في الغرفة المجاورة لم يعلموا بها! صورة لأبي بين مجلات وكتب وهو يرتدي قبعة زنجباري وفوطة وقميص تقول أمي: هذا قبل أن أتزوجه إنظري لهذا الصائع! صورة لأختي الكبرى وهي في فصل فارغ وغريب الشكل بدون نوافذ ترتدي فستان سكري اللون وتضحك بخجل، في السادسة من عمرها تقريبًا، تقول أمي: هذا يوم كرموها في صفها الثاني. صورة لأخي الأكبر مع مسدس لعبة يتظاهر بأنه يقنص شيئًا، خلف الصورة كُتِبَ بخط أمي: محمد وهو عسكري! صورة لأبي في جنيف بيده مجلة انجليزية ويبتسم بهدوء غريب عليه الآن، خلف الصورة مكتوب بخط أبي: كيف أنا طنه ولا لا؟ طنه بتشديد النون المفتوحة تعبير عن الشخص المتألق ونحو هذا. صورة أبي مع عمي المرحوم الذي لم أره في حياتي قط. صورة عمي الأصغر بين شجر كثيف، أقول لأمي: وسيم للغاية! صورة لشيماء وهي تقبل محمد وهي في ربيعها الثالث تقريبًا. صور بيوت كثيرة، أكواخ، فرنسا وأبي يطبخ الخبز الفرنسي، أبي والفنان محمد عبده، أبي في شقة من شقق الشارع الرئيسي في المعلا، أبي في مكان نائي مثل قرية، بيوت سيئة، ألبوم يجمع شغف أبي بالآثار، قالت أمي عن الصور التي بلا تعليقات: معظم الصور هذه لأبيك والأعمال التي تنقل فيها.

في كيس جانبي، رقدت صور النيجاتيف أو ما نسميه “كوبي”، مثل حاجز منيع بين الولوج إلى تلك الذكريات الدافئة. أمي، تحتضن إخوتي، واحدًا تلو الآخر، أمي وأبي يوم الزفاف، أمي مع جدتي لأبي وأعمامي، أبي قبل الزواج، أمي وهي تسمع المذياع، أمي وهي تجلس إلى السفرة، أمي أمي أمي… لن تعود تلك الأيام لأنها مثل الأعداد السالبة، انقضت، فقط، نحن الآن نقطع أشواطًا عبر الصفر، حين يأتي جيل جديد، سينظر إلينا كأننا صور غير محمضة. لا شيء يتوقف. إنها الساعة تدق

كنتُ جذلى بهذا التأمل، لكن بعد قليل أصابني بعض الإحباط لا أدرِ لمَ أو ربما أدرِ لستُ متأكدة. إنه الأسف على مرور تلك الأوقات كلها قبل أن أولد، أوقات البريد السريع والصور الورقية الملتقطة خصيصًا للأحباب، وجدتُ تعليقًا ينفلت مني: هذه ضريبة من يلد أبناء على فترات متباعدة. ضحكت أمي متعجبة هذا القول مني. لقد عاش إخوتي الكبار حياة مختلفة تمامًا عن حياتنا نحن الثلاثة الأخيرين أو بالأحرى الاثنين الأخيرين. لا أقول أن حياتنا نحن كانت الأسوأ، لكنها بعيدة مثل فجوة بيننا. إنهم يتذكرون جدي، وعمي الأثنين، يعرفون بيوت كثيرة سكنوها، يعرفون مدارس كُثر، يعرفون أشياء غريبة ومعلومات عتيقة من تلك التي كان يتداولها الناس قديمًا ويستفيدون منها غالبًا، ليس كما يحدث الآن، أغلب المعلومات إما خاطئة أو شاطحة في المبالغة أو حتى صحيحة لكن لا تفيد أحدًا. أحيانًا أفكر بأنه لو ضمنت السوشال ميديا تعليمنا معلومات عن الأشياء حولنا أكثر قيمة من المعلومة عن فلان وعلان وكلهم من طينة واحدة وهي حب الشهرة والأضواء المصوبة، بدون هدف غالبًا… أقول لو علمتنا هذه الأشياء المفيدة أظننا كنا سنكون أفضل حالًا ولا نعيش هذا التشتت الرهيب.

اسمع. أنا لا أقول أن حياة الألفية الأولى كانت جنة أو ما شابه، لكني كما أظن وحسب ما أسمع وأقرأ من الجيد والسيء أنها كانت أقل احتضانًا للمشتتات، كان ربما هناك فقر، ربما حرب أو جهل أو عجز، لكن لا يزال كل امرئ منهم يعرف ما يريد وبطريقة واحدة فقط. ليس مثل الآن، الجهل يمكنك أن تكسره بضغطة على زر بحث، والعجز يمكنك أن تسكته بزر اتصال، يتبقى لك ربما الحرب والفقر هذا إن لم تكن إنسانًا عمليًا فتهجر بلاد الحرب عبر حجز من البيت، وتشتغل أي شغل حتى ولو من شاشة هاتفك عبر إعلانات أو ربما تسرق وتنهب وتدخل في عمليات غسيل أموال، الخيارات كثيرة إلى درجة تجعلك مشتت بينها، وينتهي الأمر بضغطة على موقع يوتيوب أو نيتفلكس أو ربما مكتبة الكترونية، وتبدأ المشاهدة أو القراءة متنهدًا بين الحين والآخر ومتسائلًا بتعجب عن حيرتك هذه ولم لا تستطيع أن تفعل حيالها شيئًا!

ليلة الأمس، فتحتُ رواية “لغز الكاريبي” لاجاثا كريستي، وأنهيتها اليوم صباحًا، وتحسرتُ بشدة على الوضوح الذي يكتنف الشخصيات في تلك الحقبة، وضوح الهدف، وضوح الطريقة الوحيدة أو الطرق المعروفة. وإلا فآنسة مثل ماربل العجوز ماذا كان سيحدث لو كانت موجودة الآن؟ إنها تحسرت على الطريقة التي يرقص بها الشباب أيامها ووصفتها بأنها “انحناءات غريبة وكأنهم يتألمون” واستنكرت الطريقة التي أصبح بها الخونة من المتزوجين يظهرون علاقاتهم بكل بساطة وكأن شيئًا لم يكن؛ إذًا ماذا كانت ستقول وهي ترى مشاهير السوشال ميديا وعلاقاتهم المفتوحة بشكل مقزز؟ ماذا كان سيكون رد فعلها وهي ترى أنواع الرقص والتمثيل العجيب الهجين على تيك توك مثلًا؟ إلى آخر هذه الأمور التي يرتجف لها داخلي اشمئزازًا. آنسة ماربل هذه ليست حقيقية، ولكن الكثير من الآنسة ماربل على أرض الواقع.

بمقابل اجتيازنا عقبة العجز عرفنا طعم الشتات الحقيقي الذي باجتيازك له بشجاعة ستصل إلى أحد اثنين متناقضين الفشل أو النجاح، بالطبع كل انسان وجد هذه المسألة تنتظره منذ قديم الزمان، لكن الفرق الوحيد أنه كل ما جاء زمان آخر كثرت الطرق والاختيارات والاغراءات كذلك بمقابل ثمن أعلى من الخسارة والفشل. إنها لعبة، مثل لعبة الأكواب المقلوبة على قرش واحد، كان في القديم كوبان اثنين إما فشل أو خسارة، الآن غدا هناك ثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة وأكثر فأكثر. أو مثلما قال احد فناني المسرح الكويتي (أشك في أنه مبارك المانع) في برنامج “علي ونجم”: إمكانية نجاحك موجودة بشكل أكبر الآن، لكن ليس إمكانية استمرارك على النجاح. تلك هي المشتتات.

في حين أن المرء لا يستطيع نكران الأشياء الجميلة بالطبع، أو بالأصح لا تستطيع إلا الاعتراف بأن هناك من عرف كيف يخدم الناس عبر هذه المشتتات، كالعادة بالطبع الخير والشر موجود دائمًا، وسينتصر الخير أخيرًا ولا شك. قبل قليل كنتُ أشاهد على سناب شات الإعلامي حمدي الفريدي في مسابقته الجميلة “سجن الخصم”، استمتعتُ حقًا بالمسابقة برغم أن الفريق الذي شجعته فشل، وهو الفريق المصري. بيد أن نوايا أهل الكويت الطيبة جعلتني أشعر بحب بالغ للناس، للمسابقة، للإعلامي وجهوده وللشركة التي نظمت الجائزة. الشيء الذي لفت نظري وربما أثار فكري حول المشتتات هو الأسئلة، أسئلة مفيدة دائمًا في كل حين، والتنوع فيها جعل اهتمامي يتضاعف بمتابعة الأحداث في المسابقة، فذلك يبدو شغوفًا بالرياضة ولكن لديه بعض المعلومات الأخرى، وذلك متخصص في الدين ولكنه يعرف عن الأشياء الأخرى بشكل طفيف وكافٍ، وذلك باللغة الإنجليزية، ومنهم “الدافور” الشااطر جدًا جدًا. بالواقع أنا أحب التنوع، أن يكون الإنسان لديه من كل شيء معلومة، ليس ليتباهى ولا ليتشتت بل ليكون على معرفة ولو ضئيلة ولا يبدو كالمبهوت أمام هذه الأشياء، المعلومات في النهاية لا تضر بل تزيدك قوة وثقة، الشيء الخاطئ هو أن تتقفز بين الاهتمامات بلا قرار، هذا يجعلك مشتتًا وفي النهاية تجد نفسك خالِ الوفاض، افعل شيئًا واحدًا بأفضل ما يمكنك، لكن اعرف الكثير ولا تتردد. أذكر أني دهشتُ للغاية حين كنتُ أتابع فلونة، لأن أبوها يعرف أشياء عديدة مع أنه طبيب فقط، يعرف مثلًا كيف يصنع الشمع وكيف يستخرج السكر وكيف يبني بيتًا بسيطًا وكيف يصنع منضدة وكراسٍ بدائية، وبعد كل هذا هو طبيب ماهر، إن الذي يعرف لا تضيع معرفته هباءً فإما يفيد أحدًا أو يستفيد منها حين يقع في المآزق، اعرف الكثير، لكن كن ماهرًا في عملك الخاص قبل أي شيء. الخلاصة

أبي شخص كثير الاطلاع، لكنه لم يستطع الاستقرار على شيء واحد، يرى نفسه ضائعًا في أحيان كثيرة، مع أنك إن استمعت إليه وجدت عجبًا عجاب، فترى فيه فنان على المسرح في بداية حياته، وترى تاجر صغير مغامر، وتراه يتخبط في أحط الوظائف، وتراه فجأة يسافر، بعيدًا، بلا مكان محدد، تاجر، موظف، وكيل عقار، سكرتير، يدرس لغات فجأة، يتعلم الطبخ والخدمة، ضابط إلى مرتبة العقيد… تستمر القصة، لكن حين تراه أينه بعد كل هذا يكون هنا، في عدن، بالتأكيد ليس لأنه فشل، بل لأنه استغل كل فرصة أتته، كثرة استخدامه للفرص جعلته شغوفًا بأي شيء جديد، أي شيء غريب ومُلفِت. يريدنا أن نكون عارفين بكل شيء، لكنه لا يريد لنا نفس حياته التي تقبلت كل الفرص، مثل كثير من أمثاله يقولون: نخشى عليكم ألا تتحملوا، ألا يناسبكم الأمر أو لا تصمدوا كفاية. هُم؛ اعتادوا على أن يؤمنوا بأن في كل نفق يدخلونه سيجدون ضوءًا بعد وقت، لكنهم عرفوا أيضًا واستسلموا بأن هذه الضوء قد لا يكون صادرًا من النهاية، بل ربما مشعل آخر لنفق جديد، وهم بدورهم بعد كل هذا من النادر أن يقولوا نريد أن نخرج من هذه الانفاق ونستريح، إن المغامرة الواحدة غالبًا ما تثير حماستك للثانية، حتى وإن وجدتَ نفسك تقول أنك لن تدخل مغامرة أخرى، معظم الناس لا يمكنهم التوقف بكل بساطة، إن المغامرة تشبه الإدمان. أبي أطال الله في عمره إلى اللحظة لا يمكنه الاستسلام والخروج من النفق، بل لا يزال يريد المزيد من التجارب، يذكرني بتوبنس بيرسفورد حين تتنهد قائلة: أتمنى لو أن شيئًا يحدث! وتوضح الأمر أكثر: إن “الملل” ليست هي الكلمة الدقيقة التي تعبر عن الحال. كل ما في الأمر أنني اعتدت على النعم التي أعيشها، تمامًا كما لا يفكر المرء بنعمة قدرته على التنفس من أنفه حتى يصيبه الزكام! تقول: فكر في أيام الخطر التي مرت علينا ذات يوم! هذه نِعَم ولا شك، ولكن من طبيعة الانسان حب الاثارة وحدوث الأشياء، حتى إنه لو لم يجد تراه يُقبل على النميمة بقلب متلهف، والمغامرة والخطر تُصبح ثمينة إن فقدها الإنسان، مع إنه قد يمقتها من كل قلبه حين يقع فيها. بكل اختصار، حاجتك للإثارة وظفها في المكان الذي لا يسيء إليك ولا يُضيعك في هذه الحياة، اتزن.

الآن يصلون المغرب، سأذهب للصلاة، لقد أطلتُ التدوينة، كما أن لدي موعد تسميع بعد نصف ساعة، كونوا بخير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s