يومٌ عبق

السلام عليكم

يبدو أني غبتُ وقتًا طويلًا، على الأقل بالنسبة لي. والأمر لا يعدو كونه هرب من الذات، لا إلى اللذات لكن إلى الغفلة، شيء خطير أعرف، لكني لا أنوي إطالته، الآن سأطرقه مرة، وفي الغد مرة، حتى ينكسر. كنتُ سأكتب أني أعرف أن يقيني هذا مثير للريبة، لكني أعترف أن تبجحي بمعرفتي بالأشياء كثرت، وكلما كثرت المعرفة زادت احتمالية الخطأ، النسيان، لذلك أنا لا أعرف متى سينتهي هذا الشعور الثخين، الأقرب للخمول لكنه ليس هو، ربما هو الأسى، الاستسلام المُحبط، الوهن، على أية حال شيء ما هنا ليس طبيعيًا، إنه لو قسمنا المشاعر بكل بساطة قسمين فرح وحزن لكان حزن، مثلما يُعبر أي شخص بسيط جدًا في اختياراته، ينأى بنفسه عن دوامات البحث، يختصر الوقت ليقول لنفسه بعملية: هيا عالج الأمر أو احزن بجد.

الواقع أني لم أكن أشعر برغبة في الكتابة لولا خطاب عذب من صديقة الكترونية، مشاركتي الأحداث الحماسية تجعلني غضة مثل غيمة توشك على الهطل، روحي ترفرف مثل نورس، وقلبي يستكين بلطف بين أضلاعي وكأنه جنين توقف عن الرفس. ما أشبه الإشياء ببعضها! من النادر أن تدهش الطبيعة البشرية، إنها شيء مجرد، الظروف وحدها من تُدهِش.

في اعتقادي أن الجميع يعلم بهذا الشعور الذي يلفني، وفي اعتقادي الواعي أكثر أن من يعلم قليل وبسبب كثرة شكواي، أكره الشكوى كأي شخص في هذا العالم، وبغض النظر عن ادعاءات الكثير من المراهقين خاصة بأنهم يكبتون الحزن والمشاعر في صدورهم طوال الوقت فثمة هناك شيء دائمًا يفرغ فيه الانسان مشاعره، الشكوى أمر بغيض لمعظم الناس لكنها ليس الأقل بل يمكنني التأكد من أن كل انسان ثمة شيء معين يشتكي منه بصورة منتظمة أو على الأقل مرة واحدة في حياته، ليس لأن الجميع ضعفاء، فالضعف مُتفَق عليه أنه غريزة، لكنه النقص الذي جُبل عليه الناس، ولو ما اشتكى أحد لكان كاملًا، والكامل الله لا أحد غيره.

مزاجي للفلسفة عالي الآن كما يُرى، يمكنني أن أكتب لك دراسة الآن عن أي حالة نفسية ترغب، لكن لا تسألني عن صحة استنتاجاتي، إنها البساطة واقترابي الشديد من حدث صغير لمس أعماق أعماق روحي. وما أبعد مزاجي اليوم عن البارحة!

ففي حين أنني أشعر بأني متأكدة من كل ما أقول، كنتُ بالأمس على استعداد تام لأشك بأي شيء أقوله، حتى أن أختي قالت لي بأني قد علقت على قول “شككتيني بنفسي” أي أثرتِ الشك بداخلي، والواقع أنها تهمة بلا مبرر، كان مزاجي يجعلني أشك بأي شيء لا الآخرين من يفعلون. مزاج حقير صحيح؟ أقول الشيء وأضم شفتي بحزم مستاءة إن كنتُ قلته كما ينبغي أو بلا لطف ضروري أو احترام لائق، أقول الشيء وأحرك بؤبؤي بتردد هل ما قلته صحيح أم لا هل أخطأت، يبدو أنني تلعثمت أو ما شابه… حتى انقضى اليوم، نمتُ سريعًا هاربة من نفسي، وهذا هو الملاحظ كثرة نوبات الهرب مني إلى النوم، النوم الذي لستُ على علاقة رائعة معه لكنه يمكن أن يجاريني هذه الأيام كي يمكر بي عندما أكون على طبيعتي، متصالحة مع فكرة أن الأيام دُوَل. ولو بين مزاجي بين روتيني

في الصباح، استيقظتُ بصورة أقل ترددًا بكثير، لم أعد أتذكر الآن جيدًا ما فعلتُ وهذا خطِر! لكن يمكنني التركيز قليلًا، آه صحيح شاهدتُ فيلم انمي تافه لا معنى له وكنتُ قد استيقظتُ متأخرة ولم أركز كثيرًا على هذه النقطة فاللي فيني مكفيني. وفي منتصف خطاب كنتُ أكتبه تذكرتُ الصلاة فهرعت لألحق بها، بعدها قررتُ أن أكسر هذا الشعور وأصنع بسكويتًا متأكدة من مفعول هذه العملية على جسدي ومزاجي، حتى العصر متنقلة بين البسكويت والشاي وتنظيف المعركة التي أحدثتها في المطبخ، لكني خرجتُ بنتيجة مرضية، روح هادئة ومزاج مستقر نسبيًا. تجهزتُ وتعمدتُ لبس ملابس العيد كي أستعيد شيء من الشعور بالمسؤولية تجاه المرح أكثر، رسمتُ آيلاينر وهذه خطوة مذهلة جدًا في هذا المزاج الغير قابل لأي تركيز أو ما نسميه “فنق” وهو التفنن في فعل الشيء مع العلم أني لم أرسم آيلاينر من وقت طويل جدًا أظن من قبل رمضان حتى، وبالعيد كذلك لم أرسم سوى في اليوم السادس فقط، المهم كانت رسمة بسيطة لكن بشكل عام هل تعرف ذاك الشعور بالامتنان تجاه اصرارك على فعل شيء لأجلك؟ هذه حوادث نفسية دائمًا ما تحدث في الروح، البعض يعطي نفسه وجبات والآخرين رسمات والبعض نُزَه وربما رقص، أشياء بسيطة لكنها تجعلك ترى نفسك مُكرمًا ومعتبرًا لدى نفسك، نحن نحتاج أن نهتم بأنفسنا لا أقصد أن نطبق برنامج عناية بالبشرة ولا نحت للجسد، الواقع أبسط بكثير، الكوب الشاي يعتبر عناية فائقة والقطعة الجديدة والحيز الصغير والوقفات مع النفس تُعتبر عطايا منعشة، فقط تعلم كيف تكتفي بالأقل تجاه نفسك، أنتَ لا يمكن أن تتهم ذاتك بأنها رخيصة كما لا يمكنك أن تحترمها فتقول أنها غالية لأنك لن تدفع لها شيء ولن تبعها بشيء، لكن بكل بساطة يمكنك أن تشعرها بالفرق، فرق تذكرها والغفلة عنها، فرق اعطاءها والمنع عنها، فرق تدنيسها وتطهيرها، أنتَ تربي نفسك، والله من سابع سماء يقوِمك، هذا ما يجب أن تتفهمه، أما الآخرين فمهما أمسكوا بك من ذقنك ولقنوك الدرس فقرصوا اذنك أو ربتوا على رأسك فتأثيرهم لن يتعدى الوقت، لأنهم لا يمكن أن يلتصقوا بك، مُحتمل أن يُرافقوك طوال الوقت لكنهم لن يدخلوا رأسك، لن يشعروا بجسدك، لن يلمسوا أحقر خواطرك، أنتَ وحدك. لذلك تعلم كيف تكتفي بالأقل، ليس لأنك الأرخص والأدنى من حيث طبقات المجتمع، بل لأنك الحارس في حقلك، والحرس غلاظ أشداء مع أنهم خارج مبنى مراقبتهم لطفاء عطوفين، بكل بساطة أنتَ مع نفسك شيء ومع الآخرين شيء آخر، لا يهم إن كنتَ أكثر عطفًا أو أشد غلظة، ثمة فرق والجميع يعرف، عطفك وغلظتك تجاه نفسك هي من تُعرِفك، من تجعلك أنتَ. ما عليك أن تعرفه أن لا تنسَ نفسك من الحب والرفق، كي لا تصبح خشبًا مبلولًا لا يعرف عهد مجده بنشر الدفء ولَمِ الأهل.

يقول ميخائيل شولوخوف في الدون الهادئ:

لا بد أن تكون للمرء صلات ودية مع الناس، وإلا غدا جافًا كالخبز العسكري.

وأنا أقول أن الود يبدأ مع النفس ويمتد إلى الناس حولها.

قبل أيام، أو بالأصح أثناء أيام العيد كتبتُ هذا غصبًا عن شعوري بالفقر والعجز عن ترجمة ما أفكر به، قلتُ لنفسي: اسمعي، أنتِ تكتبين الآن لأنك تريدين التخلص من هذه الفكرة الملحة سواء صحيحة أو خطأ، مفيدة أو مفسدة، أكتبي ولن تنشري قبل أن تعقلي ما كتبتِ وترضين عن ذلك:

بينما أقرأ عن وفاة هناء الماضي، وفي كل مكان رهبة النسيان منتشرة، أفكر جديًا بأن الميت لا يهتم لمسألة تذكرهم له أو نسيانهم له، إن ما يهمه وهو في تلك الحال أن يكون قد أصاب خيرًا بهم حتى وإن أحدثوا به الشر، وأنه لم يكن سببًا في فسادهم كما يكن ولو دافعًا حقيرًا لصلاحهم بالأثر فقط. خلاصة الأمر أنهم لا يمتلكون شاعرية تجاه الناس، وحساسية تجاه ماضيهم معهم، إنهم مشغولون بما هم فيه من المقام، ولا متسع للتفكير والتحسر على حياة الدابين على الأرض فوقهم، فإن تحسروا ندموا على عدم تقديم المزيد من الخير أو على فعلهم شرًا مستطير وميلهم عن الطريق المستقيم.

ان الموت مفجع لأنه حقيقة، لكنه للأحياء عبرة أكثر ممن أخذهم فإنه لهم حسرة أو خلاص، نسأل الله أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وأن يثبتنا عند السؤال، ويرحم الموتى منا إنه أرحم الراحمين.

من الواضح طوال هذه التدوينات أني لستُ شخصية فخورة بنفسها عدا لحظات ومواقف بسيطة أشعر بها بذلك، لذلك بوسعي أن أقول بكل بساطة أن هذا الوعد جعلني أشعر بالفخر لأنني أولًا صرفته، ولأنني من ثم نفذته، ولا أنشره الآن إلا برضا تام. أقول لك؛ درب نفسك على الثقة بها، ربما لن تنجح بشكل نهائي.. كما يحدث معي مثلًا، لكن على الأقل ستستمر هذه الثقة لوقت لا بأس به، ويمكنك اعتباره من بعد ذلك ذكرى لعملية تستحق التكرار، حين يتوفر لك المزاج المناسب بالتأكيد، واحذر أن تجبر نفسك على الثقة بها، فلذلك عواقب وخيمة، يمكنك أن تدفعها دفعًا فقط، أو تدسها في الحالة الملائمة للثقة بها دسًا، لكن إياك والاكراه فلذلك آثار طويلة المدى مع الروح.

حين أرى أناملي تتحرك بهمة على لوحة المفاتيح الآن أبتسم حقًا، في الشارع الرئيسي شاب يغني بحماسة في مكرفون ويضرب له البعض ضرب شعبي، أتعجب كيف أني أكتب بهذه الراحة بعد أن كنتُ غير قادرة على الكتابة بالأمس فحسب، يبدو أنني مثل مشروب غازي مرجوج وفُكت عنه السدادة. لا أدري أهذا عرس أم أنه شغب شباب فحسب في الشارع، ولكن الجماعة منسجمين تمامًا مع أن الوقت هذا بالعادة يكون الشارع هادئ إلا من الساهرين على طاولة البليارد أو الدمنة وهؤلاء لا صوت يصلنا منهم سوى همهمة باتت تلازم ليلنا. أسمع شبه شجار أو على الأقل أصوات رجال صارخة أخمن بأن أحدًا ما زجرهم على الازعاج، بيد أنهم يواصلون التصفيق وضرب الرصاص والدق بصوت خفيف مراوغ. ها هم يعودون ولكن مبتعدين، ثمة صوت طائر غريب من الصباح وهو يطلق هذا الصوت الذي يجعلني أتصور غابة خضراء خامدة. بوسعي أن أطلق على اليوم وصف العبق، إنه يوم عبق، منذ الصباح أشم روائح عميقة، أولًا رائحة التونة والغداء الذكية، ثم من بعدها شاي ملبن لذيذ، بسكوت حميم، هيل مع الشاي الأحمر، عود عتيق مما أهدتني أختي، فيمتو منعش وليمون، بخور أمي، مكرونة الجبن، شاي ملبن مع النسكافية “طريقة جديدة من صديقة للعائلة”، جلابيتي الليلة رائحتها مطر يبدو أنه هطل وجف عليها، شعري معجون برائحة شامبو وسدر، الليل رائحته تراب و مواد بناء، الغريب أن أخذ نفس عميق منه يجعل رأسي تدور قليلًا، وكأنني أعبُ ماء بسرعة!

لا شك أني سعيدة بأني كتبتُ، لكني سأنهض لمتابعة هذا الصخب الذي يحدث في الشارع، إنهم رهط يلعب فحسب على ما يبدو، واتخذوا من العرس عذر ليقضوا ليلة عابثة كهذه. أنا أشجع كل الناس أن يصنعوا أشياء مثيرة للاهتمام للشباب دائمًا، انهم يجب أن يصرفوا هذه الحماسة، البدو في القرى يرقصون كل ليلة تقريبًا، يستهلك الشباب أنفسهم حقًا فلا يجدون طاقة لفعل أشياء أخرى؛ بالطبع لا أستثني البنات من أمثالي، زيارة خالتي لأمي بالعيد أكبر مثال، كبار السن لا يستشعرون _إلا القليل_ طاقة لابتكار أشياء ينشغل بها الشباب، وفي نفس الوقت يتساءلون عن سبب حماستهم ونشاطهم، ولا يجب أن نسأل هل كانوا مثلنا يومًا أم لا، لكن يمكننا أن نقول ولو بلسان الحال؛ إن لم تبتكروا لنا شيئًا آمنًا بحسب خبرتكم فسنجرب… ها هم يجربون التفحيط ويطلقون صيحات التحمس، خطِر بحق، بعد أن غنوا كل الأغاني، ورقصوا بالتأكيد كل أنواع الرقص، ما هو مُفرح بالنسبة لهم الآن أن يعودوا منهكين ويرتمون على المضاجع بدون فرصة لترك الأفكار المحَيِرة تتردد.

صرار الليل يصر، الشباب يبدؤون بتشغيل الأغاني المحفوظة في هواتفهم، كانت أصواتهم أليفة أكثر، أزفر براحة، أفكر أخيرًا؛ الشهيق الطويل يخنق، مثل أي مجهود صارخ تبذله لتحظى في النهاية بشيء رائع مثل الزفير، أرفق بنفسك.

3 Comments اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    عن جمااال الصور😍😍😍😍.. منشورك اخمد نيرانا كانت مشتعلة في واراحني بصدق شكرا لك اسماء ..😘😘😘

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    سلمى العزيزة💝🤗

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s