الأحلام ببلاش

هل تعرف تلك الأحلام الصغيرة؟ تلك التي تبقى في الزاوية طوال الوقت ولا تتذكرها حين يسألونك: ما هي أحلامك؟، تلك التي لا تجرؤ حتى على ذكرها في نفسك، لأنها باهظة الثمن صعبة التحقيق؟، تلك التي حين تنام وتحلم تظهر ملامحها وتنهض مستغربًا منها وكيف جاءت إلى رأسك؟، تلك التي تتمكن من لمسها في لحظة واحدة؛ عندما ترى أمامك شخصًا حققها أو يكاد، لتشجعه وكأنه أنت؟ هي ليست صغيرة أبدًا، لكنها وهي في هذا البعد ستبدو كذلك، مثل رؤية بيت الحلم الخاص بك من على تلة القرية، أو منظر كوخ وسط غابة هادئة تراه من بطن طائرة ستحوم طويلًا وبمشقة كي تجد موقعًا تهبط بك إليه، صغيرة لأنها لا تزال طيفًا لم تُقطع إليه أي خطوة، ولأنك واقف مكانك تخاف الخطر في الذهاب إليها بأقدامك الضعيفة. ستظل أحلامًا صغيرة، لكنها ستنكأ ذات يوم، ستبدو لك قريبة جدًا، أو على الأقل ستخفت حالة الخوف لديك من التفكير بشكل أكبر فيها، ستحتل رأسك وكأنك الآن ستحققها، وأقل ما يمكنها إحداثه بك أن تتحدث بها، أن تكتب عنها، أن تجعل غيرك يراها أبسط أو ربما أصعب، أن تشاركها، حتى تجد الشخص الجدير بها.

ذلك هو حلمي الصغير الذي أفاق اليوم، وأحدث بداخلي ثورة وفورة، رهن نوم ما بعد الفجر بالتفكير فيه وكأنني كنتُ دائمًا أفكر به، أن أنشئ مدرسة، مدرسة داخلية للبنات، هنا، في المعلا، في إحدى البنايات المطلة على الميناء، ينقصها باحة مزروعة بالعشب والشجر، تقسيمها يحتاج تعديلًا بسيطًا للغاية، أنا لم أدخلها بعد ولكن منظرها يبدو مستعدًا ليكون مدرسة داخلية، ستكون المراحل هي الإعدادية والثانوية، سنحتاج ثلاث قاعات كبيرة، مكتبة، قاعة درس، قاعة الطعام، وربما نحتاج رابعة للمعيشة حيث تجتمع جميع الطالبات بعد صلاة المغرب ويتناولن الشاي والقهوة والبسكوت والكعك ويتعلمن التطريز والكروشيه والتريكو وربما الرسم أيضًا وأي ألعاب ذهنية كالشطرنج والكلمات المتقاطعة، ستكون مصلى أيضًا لا مشكلة، وستكون مطلة على الباحة بأبواب زجاجية مؤطرة بالخشب نفتحها كلما جلسنا فيها لنستمتع بهواء نقي ونسيم عليل من البحر، سنحتاج حجرة أخرى كعيادة، ستكون الغرف مشتركة لإثنتين اثنتين، وفي كل طابق دورتي مياه أو ثلاث، ثلاثة طوابق فهي إذًا ممتازة…

أعود في تمام التاسعة والنصف مساءً من بيت جدتي وأستأنف الكتابة؛ كانت أصغر التفاصيل حاضرة، بل إن وجوهًا وهمية بدأت بالتشكل في رأسي، الأمر مضحك ومدهش في نفس الوقت، عندما أسررتُ لابنة عمي بالأمر قالت بضحكة دَهشة: فيك شيء متغير، اش اكلتي اليوم؟! في حين أنها واستني بحلمها عن فيلا نسائية أشبه بعالم مصغر، فيه قاعة رياضة وقاعة تجميل وقاعة اجتماعات نسوية، قالت بضحكة: سأسميه “عالم زمردة”.. تربية سبيستون عندما تتحول إلى عقدة!

وجدتُ نفسي بتلقائية أحدث أمي بالأمر، قلتُ: أريد أن أفتح مدرسة!

قالت: هذا مشروع عماتك من قبل أن تظهر المدارس الخاصة في المنطقة ولكنه بقي مشروع على الألسنة ولم يُنفذ؛ إن لدى أسرة والدك أفكار رهيبة ولكن معظمها لم يُنفذ بل سُرق ببساطة أو دُفِن، والواقع أني أريد كذلك أن أفتح مدرسة.

وضحت: مدرسة داخلية، للبنات فقط.

قالت بشبه خيبة: لا ليس جيدًا، شيء غريب ولن تجدي طالبات.

قلتُ بإصرار: ولكن في كل مكان مدارس داخلية، في الخارج، في بعض الدول العربية. بدا أنها لم ولن تقتنع بكلامي فصمتت، تابعتُ أسرد التفاصيل، وأقول عند ملاحظتي لاتساع عينيها دهشة واستبعاد: دعيني أحلم يا أمي، الحلم ببلاش، وإذا حلمتُ فلا أحب أن يكون حلمي فقيرًا، يجب أن يكون ملموس وباهظ، هذه هي ميزة الأحلام. فتبتسم وتواصل الاستماع لتفاهتي وهي تقلب في هاتفها، قلتُ في النهاية: سأفعلها ذات يوم. وحين لمحتُ في عينيها شبه تساؤل؛ أجبتُ بسرعة: عندما أكبر قليلًا بعد. وضَحَكَت!

عند أختي، ولما فاتحتها بالحلم قالت بضحكة: طيب طيب، وأنا سآتي لأخرب عليك النظام.

بعد هذا كله، يبدو الحلم صعبًا إلى درجة التفاهة حين تكرره على اللسان، وأظن أن هذه هي الطريقة للتخلص من الأحلام التي لا تجيء على مقاسنا، الثرثرة بها؛ أعرف أناسًا لم يفعلوا أي شيء مُبهر طوال حياتهم، وأقوالهم كلها مبهرة، أفكارهم مبهرة، طريقة تخطيطهم مبهرة، لكن كله ثرثرة، كلام. الآن فهمتُ لماذا هي الأفعال الملموسة المبهرة قليلة جدًا في هذا العالم، لأنها مكلفة وصعبة.

ابن خالتي جامعي، قدم من المملكة، وفوجئ بظاهرة القات هنا، حاول اقناع صاحبه بأن القات مخدر، وأنه –وبطريقة لطيفة قدر الإمكان- يغير الشخص، لكن صاحبه لم يقتنع، ولكنه جاء بعد أيام من نقاشهم، قال له بابتسامة من اكتشف الحقيقة المريرة: أحمد، ذهبت مع صديقي للساحل لأنه عزمني على جلسة قات، فقلتُ في نفسي إن كان على حسابه فلا مشكلة، ذهبنا، وبعد أن استوينا وغرقنا في أفكارنا المحمومة، قال صديقي: انظر، لدي مشروع سيقضي على حر عدن نهائيًا، فقلتُ ماذا؟، فقال باستغراق تام: يُخرِج كل شخص جهاز التكييف الخاص به ونجمع كل الأجهزة ونضعها فوق الجبل ونشغلها وهكذا تصبح المدينة باردة!، وأصارحك بأني لم أستغرب كثير من نفس الفكرة في ذلك الوقت، بل استغربت فقط كيف يمكن أن يقنع الناس بأن يخرجوا أجهزتهم الخاصة، تخيل؟!، تحدثنا بكل زوايا الموضوع بكل جدية رغم أني لم أجرؤ على سؤاله عن كيف سيقنع الناس بفكرته، وبعد أن أخرجنا القات وبدأنا نستعيد وعينا وتفكيرنا الطبيعي، كنا في طريق العودة، ولم أستطع كبت تعجبي الشديد من جديتنا في مناقشة المشروع الفاشل الذي فكر به صديقي، فقلتُ بضحكة ساخرة: قلت لي مشروع ها؟!، فقال صديقي بإحراج: اصمت بالله عليك، لا أدري ماذا حدث لي!، فتذكرتُك يا أحمد، وتيقنتُ من أثر القات على آكله…

على كثر ما هي القصة مضحكة، إلا أنني فكرتُ بخشية: هل مشروع المدرسة نفس مشروع تبريد عدن هذا؟!

المضحك أنه في مسرحية “خبز خبزتيه” تحدث الفنان العونان عن مشروع يشبه هذا لدولة الكويت! اللهم خفف عنا وعنهم، الأمر مضحك ومستعصٍ على الحلول كلها تقريبًا، الأحلام الموءودة سأسميها!

7 Comments اضافة لك

  1. yasminhany كتب:

    ولما المدرسة الداخلية ؟
    الا تظنين انها مدارس قاسية قليلا ؟
    سمعة المدارس الداخلية سيئة بسبب القصص فما وجهة نظرك ؟
    كيف نعوض الاطفال عن مشاعر الام والاب عن طريق ابعادهم عنهم ؟
    شيء غريب اننا منذ صغرنا نبعد عن آبائنا سواء اردنا او لم نرد
    بداية من الحضانة وانتهاء بالعيش بعيدًا عنهم
    مقال جميل لطيف اعجبني
    مع كل تساؤلاتي ارجو من الله ان يقرب لك احلامك ويوفقك ويسددك

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    برأيي ليست قاسية كثيرًا، صحيح سمعتها سيئة ولا أدري لم فلم أرى بعيني هنا أي مدرسة داخلية من قبل، ااممم أنا لم أِجع الحضانة على العكس، المدرسة التي حلمتُ بها أن تكون ثانوية أو اعدادية وهي مرحلة قل من الوالدين من يقترب فيها من ابنته وخلاف هذا تحتاج هذه المرحلة العمرية اختلاط مدروس بالناس وبالأقران أكثر من الوالدين إلا من رحم طبعًا، ثم لا تنسي أنني وضعتُ عطلة اسبوعية هي الخميس والجمعة وهي كافية لبقاء الود والتفاهم بعيدًا عن الغرق الزائد الذي يعتبره المراهق انتهاك وتشدد، وبعيدًا عن الحرمان والبعد النهائي الذي يجعل المراهق يشعر بالإهمال، هذه فكرتي بالطبع وهي لا تزال حلمًا على أية حال.🤭
    سعيدة جدًا بأنك هنا ياسمين، آمين لدعواتك ولك بالمثل يا جميلة💖

    إعجاب

  3. رفاق كتب:

    ذكرتيني بحلم لي وهو أن يكون عندي بيت أحوله لفندق صغير أو كما يقال (B&B) Bed & Breakfast
    يكون يشبه الكوخ ومطل على البحر، أشرف عليه ويكون ضيوفه من العرب مش أجانب؛ لكنهم جايين من جميع أنحاء العالم. أجهز قائمة الفطور مع وجود أصناف متنوعة من المربى البيتي والخضار الطازجة. ويكون في فرصة لتبادل أطراف الحديث مع ضيوفي وقت تناول الشاي.

    حلمي من نفس نسيج حلمك، ومين عارف؛ يمكن يجي يوم تتحقق الأحلام.

    Liked by 2 people

  4. As.wy كتب:

    انطلاقة شاهقة للحياة تختزلها أحلامنا، دائمًا أفكر.. هل هي أحلام مُضرة؟!
    يا ليت تتحقق بالصورة الطيبة، التي تسامحنا على جهل التفاصيل المؤذية🤷‍♀️

    ومع هذا فلنستمر بالحلم💪

    Liked by 1 person

  5. Salma♡ كتب:

    ستحققينه بإذن الله .. ما أجمل مدرسة مديرتهم أنت😍 .. أمانة إن فتحتها رغم أنني كبيرة في السن أعطيني يوم كفرصة أكون فيها طالبة ..فقد سحرتني التفاصيل 😍😍.. دمت مبدعة يا أجمل أسماء ..💚💚

    Liked by 1 person

  6. As.wy كتب:

    يا رب؛ أكييد، أول طالبة، بس افتحها واناديك😅
    شكرًا لك سلمى💚

    Liked by 1 person

  7. Salma♡ كتب:

    هههه أنا في الانتظار 😜✌..💚💚

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s