الوهن والوهم

لن أقرأ مجددًا لخالد حسيني إن كان سيكتب في كل كتبه نفس المحور، بكم اليأس الفظيع هذا، وعدم الثبات على مبدأ واحد يعرض فيه رأيه الخاص في وضع بلاده، وأنا أكره التزعزع، أو حتى اللا مبالاة، وأرى أنه من الضروري على كل مواطن أن يعرف موقعه من وضع بلاده، وأن يؤمن بمبدأ يجعله ثابتًا، ولأنني أسخر بشدة وبكل أريحية من كل من يلعن الحرب، وكل من يصيح بالسلام والأمن والراحة، لأن الحرب ما دامت قائمة وأنتَ ضمنها فلديك موقعين لا ثالث لهما: إما المشاركة لإنهائها، أو معرفة موقعك منها وولائك لمن فيها حسب مبدأ وقاعدة، أما أن تقف لتصيح: أوقفوا الحرب، وأنهوا الصراع، وأنتَ لا تدري من تريد ولا من على حق فهذا هراء أحمق؛ ومثله من يكتب المعاناة ليقول: أوقفوها فقط ويصم أذنيه عن فهم الموقف مدعيًا الإنسانية. انظر إلي، إننا حين نكتب المعاناة ننشد أمورًا محددة، مثل زرع الأمل، بيان أن مصيبتك أهون من مصيبة غيرك، بيان أثر الحرب للعدو لعله يعقل، ومع كل هذا يجب أن نوضح من الخير ومن الشرير، على الأقل بمبدأنا نحن، وبكل وضوح، كي يفعل القارئ بعدها ما شاء ولا يتلطم بسبب روايات صارخة تتحدث بصوت الإنسانية بدون مشاركة العقل والمنطق، باختصار؛ إن كل كاتب أمانته قارئه وعليه حفظها من التلف الذي قد يصدر منه، لذلك نحن نعرف كُتابًا أمناء ورعون، وآخرون باعوا أمانتهم للشيطان، وأقحموا قراءهم في تخبطهم، وللقارئ ربع المسؤولية.

أعجبني قلم خالد، حرفه سلس، وكلماته متناغمة، لكن حتى الآن كتابين من كتبه حافلة باليأس والضنك، ومعجونة بأحداث كثيرة ومتناقضة أحيانًا، غامضة في بيان الخير والشر، لو قيل لي أن أصفها بكلمة لقلتُ: متفككة. كأنه يريد إرضاء جميع الأطراف، وليسمح لي القارئ أن أقول: إنه خائف.

مع العلم أن التماسك في كتاب ما صعب غالبًا، ولا يظهر فقدانه إلا إن كان شحيحًا جدًا في تركيبة الكتاب، وهنا وجدتُ نفسي معلقة بين السماء والأرض، لا أعرف لي قرار، وكأن الأرض تحتي بحر.

أحب أن أقول بهذه المناسبة لنفسي ولكل كاتب ناشئ: دعونا نكتب لتزداد الأشياء ثباتًا وقوة حولنا، ولنترك كتابة الوهن والوهم.

بالأمس أنهيتُ “ألف شمس مشرقة” ولم أرى أية إشراق مذهل، مع أنني كنتُ متحفزة له وربما لهذا السبب كان سقف توقعاتي عاليًا وكنتُ أنتظر انعطاف مبهر ولكنني زدتُ تيهًا وقلقلة، وفي النهاية وجدتُ أن “عداء الطائرة الورقية” أكثر تماسكًا من هذه مع أنني ملتُ للقصة العامة فيها، وبالطبع هذه نظرتي الخاصة وليست نقدًا أو أي شيء آخر بل رأي وأحب أن أرى إن كان سيتغير أو أن أحدًا يشاركني فيه. المهم، عادة بعد أن أنتهي من القراءة أبدأ بالتفكير بما أعجبني وما لم يعجبني ولم هذا وذا، وبالأمس توقفتُ مع مصطلح واحد ردده الكاتب بانتظام في كلا الكتابين ولكن بطريقة سريعة وغامضة أو على الأقل ليست عادلة ولا مشبعة لفضول القارئ؛ طالبان. فئة ضالة.

ولربما هذا أكثر ما أزعجني في السرد كله، أن يشرحها على اعتقاد أصحابها من أنها الدين الحنيف، والأسوأ أن يرد عليها بسطحية بدت لي مواربة أكثر كي لا يبدي رأيه الشخصي ومبدأه، يقول: متشددة. والواقع ببساطة ليس كذلك، فحتى التشدد لا يكون هكذا، هذه فئة الدين بريء منها، هذه فئة إرهابية تتمسك باسم الدين، وتكتب على ويكيبديا بأنها سلفية والسلف الصالح يدينها، غرضها الأساسي أن تشوه الصورة العامة لديننا، وأن تقول بإرهابها: كل مسلم إرهابي مثلنا ونحن نفخر بذلك! قطع الله دابرها ولا أبقى لها قوة.

إن طالبان والقاعدة وداعش والحوثيين والإخوان المسلمين وأصحاب الدعوة والتبليغ وكل من شابههم من أصحاب الجمعيات وناصري الدولة العثمانية هم فئات ومنظمات (دعنا لا نقول متآمرة علينا بشكل عام، إزاحةً لنظرية المؤامرة التي لم يعد أحد متفرغ لها ذاك التفرغ القديم) تعمل على تشويه ديننا وعقيدتنا، سواء بقصد أو بدون قصد مثل أن يتبعها شخص قاصر أو جاهل أو حتى من دخلوا على نية تصحيح المسار فيها، وهم ليسوا منا، وقد تعلقوا بديننا كي ينجحوا في الوصول إلى أهدافهم أو أمراضهم مثل السلطة والمال والقتل والسلب وفعل كل الفواحش والجرائم، سموا أنفسهم بإسمنا وهم لا يفهمونه ولا يترجمونه، أطلقوا اللحى تشبهًا بوقار رجالنا ووالله إن نفسي تشمئز من رؤيتها على وجوههم، وأخيرًا فعلوا أعظم الكبائر وأجسم الخطايا ونصبوا أنفسهم على دين الله محاسبين ومراقبين، فقتلوا كل فاعل كبيرة بدون دليل شرعي، وصاروا مثل العابد الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال سبحانه وتعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ). ذلك لأن التعاظم هذا لم يقره ديننا، ولا تتقبله عقولنا أصلًا، وديننا سلام من الله السلام، وشريعتنا على عكس ما يدعون ويُظهرون سموحة ودائمًا أبواب العودة للصواب فيها مفتوحة، تمامًا خلاف ما يزعمون.

ومن عجيب الأمر وأكثره أسى، هو أنني لم أرى مظاهر الإسلام أصلًا في الأجواء التي أدخلنا فيها الكاتب، فالقتل ممن يدعون الورع موجود وبلا داعٍ، والقذف موجود، والقسوة واللا رحمة موجودة، والظلم موجود، والفحش والهمجية، أضف إلى ذلك الشرك وهو الشيء الوحيد الذي كانت فيه الشريعة صارمة ومتشددة تشددًا يهبك الولاء والانتماء ولكن –وياللعجب- الشرك موجود، زيارة القبور والتقرب لها، بدع شركية، عبادة الصالحين، القسم بغير الله والألفاظ الشركية المحضة، صلوات غريبة ومخترعة مثل الناماز التي لأول مرة أسمع بها، عبادات مبتكرة، سوء أدب مع الله وغيرها من فظائع اقترفوها بحق الله وحق الناس بحجة واهنة بريئة منهم، وحسبنا الله. أتساءل هل هناك من صدق بأن هذا الإسلام؟ إن كان هناك من صدق فأسأل الله أن يزيل الغمة من صدره وأن يفقهه دين الإسلام.

فكرة واحدة خرجتُ بها من التفكير بهذه الكلمة المقيتة: أن لا تفهم مشكلة ولكنها ستحل، وأن تفهم بشكل خاطئ فهي مصيبة لا خلاص لك منها بسهولة.

حتى بالنسبة للكلمات التي كررها الكاتب كثيرًا بدون أن يؤتيها حقها من الشرح وبيان موقعها منه، مثل الباشتون، والهازارا، والطاجيك. أقول؛ أنتَ لا تستطيع أن تتحدث عن قضية بدون أن تعرف أصحابها وتفهمهم وتميل إلى أي منهم تصديقًا وولاء، وعلى الرغم من أن الباشتون ظهر أنهم السنة والهازارا هم الشيعة إلا أن الأحداث كانت مضحكة بالنسبة لهذين الفئتين، فلا الباشتون السنة التي نعرفها، ولا الهازارا الشيعة الذين نعرفهم! كيف هذا؟ نصل إلى منحنى أحزنني بشدة وآلمني. إن الجهل هناك متفشٍ، وباتت مسألة العقيدة وراثية بغض النظر عن رسوخها لدى الشخص نفسه وتطبيقه لها، فبرأيي بدا –حسب سرد الكاتب- أن الهازارا أقرب للسنة من الباشتون! بل إن أبي أمير في “عداء الطائرة الورقية” شبه ملحد مع ان اسمه باشتوني! وتوضح لي مع بالغ الأسى أنها مجرد أسماء وشذرات شحيحة من الدين الحقيقي والباقي تأليف واختراع، إن كانت هذه حال حقيقية للدين هناك ونقلها الكاتب بأمانة فذلك مرعب، وإن كانت خيال وتصور فقط فهذا خيال بشع مع احترامي.

إنني أشكر الله بعد قراءة كلا الكتابين على أمن وطننا، ومعرفة اتجاهنا وبوصلتنا، وعلمنا بديننا بشكل عام، وولاة أمرنا الذين كانوا أفضل بكثير من تلك الفئات الضالة المُضلة؛ لقد شعرتُ بامتنان عميق على نعمة العروبة، ونعمة المملكة العربية السعودية دولة التوحيد، وعلى البلاد المسلمة حولي في الجزيرة العربية والتي تسعى لسلامة أبناءها وتطور شعبها وراحته حسب العقيدة والشريعة بدون مبالغة أو تفريط، وأحسستُ بكم النعم التي نعيشها، وبخزي فظيع من كل القانطين حتى الآن، باحثين عن اللا موجود دائمًا، عن البعيد، أولئك الذين فقدوا الانتماء للعروبة والدين، أولئك الذين سيظلون أبدًا موجودين يحاولون الزعزعة والتشكيك، سيخلفهم أجيال وأجيال، ومع قبح سريرتهم وسوء نواياهم لم يحاسبهم الرسول عليه الصلاة والسلام مع علمه بهم إلا بحسب الشريعة والدين قائلًا: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)، كانوا من وقت بعيد موجودين، ولا يزالون، ولكنهم قلة، وسيظهر الله الحق على الباطل دائمًا، ولن يجعل للباطل من الظهور إلا القليل ابتلاء وامتحان، ومن ظن أن الله سيظهر الباطل دائمًا فقد أساء الظن به سبحانه ويُخشى عليه من الشرك بظن الجاهلية هذا، فما علينا سوى التمسك بالحق والانتماء إليه قلبًا وقالبًا، عقلًا وشرعًا ومنطقًا، ومن صدق مع الله نصره ومكَنه، فالنية سريرة العبد بينه وبين ربه، يعامله بنيته، نصرًا أو خذلانًا أو بلاء ورفع درجات، وما كان الله ليترك مؤمنًا به إلى الضياع فوعده الحق يقول: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)

أحب أن أدعو كل إنسان إلى الحمد باستمرار، وإلى نسب النعم لله سبحانه والشكر له والعمل بها في طاعته ومرضاته، وأن يقدر النعم بين يديه من ثبات وأمن واستقرار وسلامة، لأن الله يحرم القانطين والجاحدين والذين يخفون في أنفسهم دسيسة خسيسة وتدبير شرير؛ فالحمد لله رب العالمين.

أخيرًا، فلنحذر من آثارنا، وخصوصًا نحن الذين نكتب، فإما نكتب ما يترك الأثر الحسن وإلا فلنحجم عن الأمر كله، والذي يكتم الحق محاسب بكتمانه، ومن يحاول تضليل الناس فسيضله الله وسيهدي كل طالب صادق للهداية ويخذل كل ضال. لم أحب محاولة تزيين بعض الخطايا في الرواية، لم أستسغ تركيبة الأحداث، بدا لي أن شعار الكاتب هو: العلمانية والسلام!

وكما قلتُ من قبل العلمانيون يغالطون أنفسهم إن كانوا مسلمين، فإن الدين ماضٍ على ركيزتين: الولاء والبراء، بحسب التوجيه الشرعي العادل.

أما السلام، فقد تحدثت عنه، لا يُستساغ أن يطالب الشخص بالسلام في حرب صادقة من خير وشر واحتلال ومقاومة، يجب أن يتعلم الصبر، وأن يفهم إلى من ينتمي ويدعو بالنصر فهذا ما بيده ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

ملحوظة: إن الشيء الذي يجب على الشخص أن يتوقف فيه وألا يخوض به هو أحد اثنين؛ شيء لا يعنيه ولا يمسه، وشيء مُشتبه عليه ولم يفهمه، هنا فحسب عليه التوقف، إذ أن عليه أن يهتم بشؤونه، وأن لا يبادر إلى شيء بفهم خاطئ أو قاصر، وعدم فعل شيء أهون بكثير من فعل شيء خاطئ.

3 أبريل 2021م

هذا كل شيء تقريبًا، سأرتاح فترة من الكاتب، وإذا عدتُ ووجدتُ شيئًا يستحق أو غير نظرتي فسأكتب إن شاء الله؛ قلمه كبير ومؤثر وقد حفزني على الرد، وإلا فالمتزعزعون كثار، وعلى فكرة، الأحداث تصلح فيلمًا أكثر من رواية، كمية هائلة، عدم وضوح، لذرف الدموع جيد.

One Comment اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    أحب وضوحك والروح التي تكتبين بها ..لم أقرء للكاتب قط .. لذلك اكتفيت بملاحظاتك وبدت منطقية وفيها من الحياد مافبها رغم ابدائك لرأيك .. أحييك واصلي النشر والقول الحسن ..😘😘..

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s