خاطر دؤوب

الشمس الرائعة الشمسُ

قد طلعت فالدنيا عرس

والفرحة في الأرض انتشرت

والبهجةُ حلّت والأُنـسُ

عالقة في رأسي، وتظهر بدندنة خافتة بينما أنهي آخر مهامي قبل الجلوس للكتابة، في هذا الأصيل الذهبي، أفتح ستائر الصالة السفلى، أترك الباب الخشبي مفتوحًا على مصراعيه، أجهز كأس فيمتو بالثلج، يدق الباب، يجيب صوت صغير لطيف: أنا، يفتح أخي الباب، نصيح جميعًا: حمودي. اسرة أخي في مرور خفيف.

وبعد قليل، أحمل تفاحتي وكأس العصير وحلوى من دولاب أمي، أستوي هنا، في البلكونة، حيث يأتي هدير أجهزة التكييف كسولًا جافًا، ويتواصل نعيب الغربان المتنقلة بلا ملل، يتناهى إلي صوت أختي تداعبان حمود من الغرفة، وأصوات بائعة الورد وزوجها وعصافيرهما، وهمهمات السيارات المارة من هنا، وحتى ألعاب نارية لا أدري من الذي يشعلها في الضياء!، أستقر بمقعدي، لدي الكثير من الثرثرة ولكني كالعادة أواجه بعض الصعوبة في البدء، ولكني سأبدأ من حين توقفتُ آخر مرة، من الوقت الذي طرأ لي فيه خاطر واستمر طوال هذه الأيام، من يوم الثلاثاء، يوم ذهبنا عند بيت خالتي في منطقة تدعى “صلاح الدين”، وهي بعد عدن الصغرى “البريقة”، منطقة قد تبدو للذين يعيشون في المدن الكبيرة قريبة، ولكنها بالنسبة لنا تعتبر سفرًا نظرًا لأن عدن بكلها أصلًا صغيرة وملمومة على بعضها مثل أم وأطفالها، وعلى أننا نراها بعيدة برًا، إلا أنها قريبة بحرًا نوعًا ما، بل إنه يمكن رؤيتها من ميناء المعلا أو من ميناء التواهي، حتى أنني مازحتُ أمي قبل أن نذهب وقلتُ: دعونا نتصل بزوج أختي ونسأله أن يوصلنا بالتاج الذي يديره بما أنه “مستر تاج بحري”. والتاج سفينة سحب السفن أو ما يسمى بـ” زورق القطر”.

هذا هو الفرق بين الطريق البري الأطول من البحري نسبيًا؛ من المعلا إلى صلاح الدين.

وبالطبع رفضت أمي الفكرة، ففضلًا عن مخاوفها من البحر هناك سببين يجعلان ركوب القارب أو السفينة عند أمي حكاية مخيفة، الأول رحلة قديمة ذهبت فيها مع أهل والدي إلى جزيرة من الجزر التابعة لعدن وفي طريق عودتهم حدث ما يحدث في الأفلام والقصص من هيجان البحر وقيام عاصفة على المركب الصغير الذي وصل إلى الشاطئ بأعجوبة، والثاني أن الطريق البحري هذا لا يحمل ذكريات جميلة مع الأسف نظرًا لأنه المكان الذي هرب منه الكثير من الناس في الحرب من هذه الضفة إلى الأخرى، بل وحدثت جرائم من قذائف الحوثي على مراكب النازحين ومات الكثير منهم؛ وبعد هذين السببين يصبح الركوب على قارب شيء مرعب للبعض، وكنتُ منهم إلا أنني تغلبتُ على الأمر في آخر رحلة إلى المنتجع حيث ركبنا هناك مع الصغار قاربًا أنا وأختي الأكبر مني بقليل وأولاد خالتي الذين بنفس عمري، وقمنا بجولة حول خليج عدن، ومع أنني خفتُ كثيرًا في البداية، إلا أنني ما لبثتُ أن اطمأنت نفسي واستمتعتُ، وعدتُ لموال: خذونا إلى جزيرة، نريد رحلة بالقارب… وحتى الآن لا مجيب، وفي هذا الحر، أظنني لن أطالب حتى يهدأ، لأن البحر والرمل مع الجو القائظ يحتاج أعصاب من جليد، وليس لنا هذه الأعصاب في بيتنا!

أما الخاطر الذي زارني من زيارة بيت خالتي الجديد والبعيد، فهو منشطر إلى اثنين، الأول وهو على صيغة تساؤل وفي سياق دهشة: كيف تبدأ المدن؟ أو بطريقة أوضح، كيف تدب الحياة في مكان قاحل؟ وما هي نوعية الأشخاص الذين يريدون بدء حياة جديدة من الصفر في مناطق لم يعرفونها من قبل؟ وهل يأتي الناس بعد السنين الطوال ليثبتوا انتماءهم لمنطقة كانت صحراء أو محطة عبور؟ وهل هكذا بدأت حلقة الانتماء الدؤوبة؟

بيت خالتي في بداية منطقة “صلاح الدين” التي أحب أن أصفها بأنها منطقة جميلة حزينة، لأن الحزن له جمالية ما (تذكرتُ! لم أنشر بعد النص الذي سميته “بائع الحزن!”)، والمكان حولها مهجور، هادئ، فيه بقالة عادية ومسجد ومحل للثلج “وُفِق صاحبه في اختيار مكانه بصراحة” ومنازل متناثرة مغطاة بالإسمنت، بيت أو اثنان مطليان، أحدهما بيت خالتي الذي أشارت _بعد وصولنا عبر الموقع في جوجل ماب وحيرتنا بين البيوت المتشابهة_ إلى لونه الذي تحب “خربزي” ولم أسمع باسم اللون هذا من قبل وفي النهاية ظهر أنه مثل السكريمي أو من درجات الوردي، بيت كبير، ولم أتوقع الرقي الذي وجدته في تصميم البيت من الداخل والأثاث فيه، ولكن هذا التناقض أشغل بالي، ففي حين أنه بالداخل مكان راقي وعصري، إلا أنك حين تفتح النافذة ترى بيوتًا اسمنتية عادية مترامية في المساحة، شمس قوية، رمال ناعمة من نوعية رمال الشاطئ القريب من المنطقة، وفي أحد الاتجاهات من حوش المنزل تجد جبلًا شامخًا أمامك، من نوع الجبال البنية، تلك العارية من العشب والشجر إلا من بعض نباتات جافة مناسبة لطبيعة الجو الساحلي؛ حين شاهدتُ غرفة ابنة خالتي فوجئتُ بالأثاث الفاخر والستائر ثلاثية الأبعاد التي تنزل بسحب خيط لطيف، وحين نظرتُ من النافذة اختل توازن المكان بالنسبة لعيني، وشعرتُ بحسرة طفيفة من هذا التضاد، سمعتُ تعليقات خالاتي وخالي عن المنزل وموقعه: لن يلبث المكان أن تدب فيه الحياة، إن المناطق هذه ستمتلئ عما قريب، وستصبح الأراضي والمنازل هنا بأسعار خيالية ووو… ؛ولكني بقيتُ أتساءل: حتى ذلك الحين، يمكن إنقاذ المكان هنا، كي يحاول شخص ما الموازنة بين بساطة المكان ورفاهية هدوئه. في الواقع أنا أريد أن تُعمَر المناطق الجديدة بنفس طريقة عمارة مناطق عدن القديمة مثل المعلا والقلوعة وكريتر، ولكن أخشى أنها إرادة لن تكون إلا إن قام الجيل القديم من المقبرة ليقوم بإعمار هذه المناطق على نفس الطريقة القديمة، وهذا لن يكون، لهذا طوال مشوار العودة من بيت خالتي كنتُ أردد: الله يحفظك يا عدن. وأزفر: والله ان عدن نعمة، جنة. وتساءل من في السيارة لم أردد ما أردد، ولم أكن أملك هذا التفسير الدقيق الذي تمخض الآن لأجيب!

لأنني أكره الشعور بالغربة في أرض تحضنها عدن، أكرهني إذا ما شعرتُ بهذا التحفظ الصغير في منطقة من مناطقها ولو كانت جديدة، لأنني أعرف أن هذا خطر، أن تصغر دائرة انتمائي على الدوام، يطرأ عندي خوف أن أخنق نفسي به يومًا، ربما تأثرًا بتذكير أمي الدائم لي: مش حلو هذا التعلق المجنون، ليس صحيحًا. وربما بالموقف الذي استحضرته ذاكرتي الآن، في إحدى زفراتي في طريق الذهاب وتعليقي: لو كنا ذهبنا بالقارب كان أحسن.

وتذكير أمي لي بأنها لا تحب ركوب القارب، سخرت أختي: المرة القادمة سنذهب بالطائرة كي لا تطول عليك المسافة.

ضحكتُ وقلتُ: زمان كنتُ أتمنى أركب الطائرة، أما الآن ففضلًا عن خوفي من الفكرة، لستُ أثق بصيانة طائراتنا.

قالت: وإذا سافرتِ يومًا إلى الخارج؟

أجبتُ بدون تأخر: لن أسافر، لا أريد مغادرة عدن. وتعجلتُ بدعاء صادق من قلبي ألا أركبها قط!

أوقفتني قائلة: لا تتسرعي، تخيلي أن طارئ قسري استوجب ذهابك، أو حتى حجًا وعمرة قُدِرا لك، لا تتعجلي.

قلت بتفكير: طيب، أتمنى ألا أضطر لركوبها، وأما بالنسبة للحج والعمرة فسأذهب برًا.

علقت على الشطر الثاني: وكيف وأنتِ تخافين الجبال والصعود فيها؟

زفرتُ مستسلمة وقلتُ بلا حيلة: طيب!

ابتسمت: تعلمي ألا تتعجلين بالدعاء.

 قلتُ بتنهيدة: يا رب انني ما اتأخر على عدن.

ضحكت من قلبها: قد سافرتِ!

مجرد الفكرة تبدو لي مرعبة، بدون مبالغة؛ لهذا فكرتُ بجدية عند مرورنا بـ”انماء” و”الفرسان” وعدة مناطق أخرى من هم الأشخاص الذين كانوا شجعانًا كفاية كي يبدؤوا حياتهم هناك، وكيف كان شعورهم وهم يرون المنطقة الخالية تمتلئ تدريجيًا حتى باتت مدينة كاملة حية، فيها المدارس والجامعات والفنادق وكل ما يحتاجه المواطن، وعندما فكرتُ بخالتي التي بَنَت أرضها في تلك المنطقة الخالية، وجدتها امرأة عائدة بعد اغتراب، تريد استيطان أرض من البداية، تشابه المنطقة التي اغتربت فيها وناسبها فيها الهدوء وقلة السكان، لديها شاب جامعي وولد وبنت في الثانوية، الجامعة قريبة من المنطقة، والثانوية يمكن أن تختار أقرب ثانوية في صلاح الدين المدينة، زوجها يعمل على التقاعد، وهي امرأة كبيرة تحب الهدوء والعزلة قدر الإمكان. كنتُ أتساءل: هل شعر أي من أفراد هذه العائلة الصغيرة بالخوف من الهدوء الصارم هناك؟ أو مثلًا بالغربة من قلة السكان هناك أو عدم وجود معارف يتزاورون وإياهم؟ أم انهم اعتادوا شعور الغربة؟ في الواقع، وجدتني غير متعجبة من رغبتهم ببدء حياة جديدة، الاغتراب اثنين، واحد يعيدك إلى أهلك شغوفًا بالانغماس بهم، وواحد _وهو تعليل مرجح لهم_ يشعرك بالغربة خارج غربتك!

أما الشطر الثاني من هذا الخاطر فهو؛ كيف يمكنني عندما أستقل أن أنشئ البيت الذي أتمنى؟ الذي يجمع بين بساطة البيت العدني وبين بعض الإضافات الطفيفة التي أطمح بإضافتها ككاتبة تريد أخذ أكبر مساحة من الجو الملائم لنشاطها! ليس صعبًا بل متوائم بشكل خيالي، فالأجواء العدنية التقليدية فيها لمحة من الفن بدون مبالغة أو على الأقل احترام للفن وتقدير له، لكني وجدتُ نفسي قلقة بشكل مضحك من أن يصبح هذا صعبًا في وقته، فهيئة الكوخ الذي أردته قد تجعلني أنتقل من المعلا وهذه مشكلة، وطريقة حوض الزرع الذي تخيلته قد تتعرقل بسبب الملح والصيف هنا، والطراز الخشبي في البيت سيحتاج وقتًا طويلًا لتجميعه بالهيئة المناسبة، وبضع أشياء قد أجد صعوبة في الحصول عليها هنا مثل الآلة الكاتبة التي أتوق لامتلاكها، وصندوق البريد الذي أنوي إحياؤه، وشتلة الخزامى التي أريد الاعتناء بها، والكاميرا التي أريد الحصول عليها؛ كل هذه أمور تجعل الخاطر ينام معي ويستيقظ في ذهني مُلِحًا ومتفتقًا كل مرة عن مخرج، وكأنني سأستقل الآن بعالمي، لذا أستشعر خوفًا يخدر أطرافي، وأكرر في رأسي: لا زلتُ هنا، وعلي الاهتمام بما أعيش لا بخطط مستقبلية لم أتخذ نحوها خطوة جادة سوى التفكير، لا زلتُ هنا. وأزفر براحة!

ألم أقل أن البداية دائمًا صعبة؟ ولكني لم أقل بعد أنني كلما تخطيتها شعرتُ بعصبية ونفاد صبر، لأنني أعلم أن النهاية لازمة، وبالرغم من أنني أعرف أنه يجب أن أحسن التصرف لأن الوسط هو الذاكرة غالبًا، إلا أنني أتوتر كثيرًا، وتلك حقيقة الطبع السيء في: العجلة، نفاد الصبر، والذي جعلني أتخلى عن أشياء كثر أحبها أو أستمتع بها، خلال الأيام الماضية كنتُ أطبخ طبق واحد على الأقل، أو أقضي وقت معتبر في المطبخ، فقط لأنني حائرة كيف أبدأ الكتابة، ومع أنني أبدأ بتحضير الوجبة بهدوء وروقان إلا أنني أجد نفسي مسرعة متعجلة، أسأل نفسي: لماذا؟ فلا أحد يعاجلني! وأجيب على خجل: إنها العادة، أن أتعجل، لأنني لا أريد الانتهاء لكنه شيء لازم، فأنكل بنفسي وبنفاد صبري وأنهيها؛ أؤكد أن العجلة مرض، مرض عجيب، مربك، يجر خلفه طباع سيئة جدًا، أهمها العصبية، ونفاد الصبر، وحتى الحسرة بطريقة ما.

أتوقف هنا، وأستعير من أسماء عبارتها: كيف تختم تدوينة بلا تكلف ؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s