نفضة ذاكرة مهلهلة

صباح الخير يا رفاق.

بين يدي صينية فطور من ساندوتش بالفاصوليا، وكوب شاهي ملبن بالنعناع، تبدأ الأيام العادية بعد صيام دام من خامس أيام العيد، نظام النوم كالأغلبية فوضوي، ولكني أعمل جاهدة على إنقاذه، فالاستيقاظ عند العاشرة والنصف أمر جميل حتى الآن، عدا أن موعد النوم لا يزال مرتبكًا وشاطح في منتصف الليل، سيكون كل شيء على ما يرام بإذن الله، حدث الكثير، وترك بصمته علي خلال كل هذا الوقت، لم أستطع الظن باني سأكون بهذا الحال الطيبة حتى الآن! فالحوادث النفسية أشد وقعًا من الحياتية المحسوسة، على أية حال، أنا على أهبة الاستعداد لتخطي الأزمة بحول الله وعونه، مهمتي هي البدء دائما ولو حتى بافتراس لوحة المفاتيح الباردة، ثم ستجيء الأشياء تباعًا، هكذا هي القاعدة.

ملحوظة صغيرة كي لا تسول لي نفسي أن أتوقف في المنتصف: دائمًا ابدأ، مهما كان الوضع مستحيلًا أو يائس، شحن البطارية 17% والكهرباء مقطوعة، ولكني أبدأ بإصرار، كي أتخلص من شبح الكتابة اليومية قبل النوم كل ليلة، تلك الهواجس التي تقظ مضجعي، تتركني تائهة مرمية على أعتاب فكرة لفظتني منذ دقيقة فحسب، أحاول تذكرها بدون أية نتيجة، كي أتخبط في قاع مركبي مثل سمكة تخلت عنها الخطاطيف التي رمتها هنا. إن الكاتب مثل المطارد، مثل المحقق، يتتبع الخيوط جاهدًا ليصل إلى فكرة بسيطة جدًا، ولكن الطريق إليها حافل بالصعاب والتضليل، أتذكر حالة هنريتا في رواية “الأجوف” أو “جريمة في المسبح” لأجاثا كريستي، حين بدت مثل شبح إنسان، باحثة عن فكرة لم تتبلور في مخيلتها بوضوح، ثم تركض لاهثة خلف وجه أصم أعمى غزير الكلام، كي تأخذ من ملامحه السطحية شيء عميق لم ولن يلتفت له الكثير، وهي ما بحثت عنه إلا لأنه هاجسها الليلي، وسبب الدوائر الرمادية تحت عينيها، والجاني على لمعة الهستيريا في مقلتيها، ذلك البحث المحموم، عن شيء غامض يتحارش مع عقل الفنان كلما طلب السكون، يقاومه الفنان بيأس، ثم لا يلبث أن يهرع كالمجنون مفتشًا بدون خارطة عن شيء لا يدرك جوهره ولكنه يحس بعبثه في داخله؛ تلك هي عقدة الفنان، وهذا ما أودى بكثير منهم إلى بساطة الجنون بالشغف.

كوب الشاي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثمة إضافة رهيبة من البهار يجب أن يجربها كل من يهتم بالنكهات، بودرة النعناع المجفف، الإضافة منها على الشاي وعلى الكعك والبسكوت والفطيرة، وحتى تتبيلات الدجاج واللحم، أظن أنها من أهم ما يميز المطبخ التركي، غير أنني في الحقيقة جففت النعناع وطحنته على سبيل التجربة والمغامرة، ثم وجدتُ أن بعض الوصفات التركية تتميز بإضافته، فابتسمتُ للفكرة؛ بالأمس جربتها مع صينية البطاطا وكانت منعشة لذيذة.

لقد انقضى رمضان، وها هو العيد يصبح ذكرى وكأنه لا يفصلنا عنه سوى أيام معدودة، ما أسرع ما يمر الوقت! ولولا الصور وبقايا الذكريات من ذاكرتي الواهنة كنتُ سأشك في أنه بشكل عام انتهت العطلة، وأن رمضان لن يجيء مجددًا إلا في السنة المقبلة، وأما العيد فيعزيني عيد الأضحى، ولا زلتُ أعد نفسي بأن أترك كل شيء خلف ظهري وأعيش بهجته وحده، وأن أنغمس تمامًا فيه، وأن أنسى القلق لبعض الوقت.

كان رمضان العام ودودًا، عريقًا، وأنا أستشعر بأن رمضان غُرة السنة، وأن العيد وجنتها، بهيج، لطيف، وبسيط قدر المستطاع، تركتُ فيه الانترنت بدون خطة، ولم أفتح الجهاز بأكمله سوى مرات معدودة، وجدتُ حميمية عميقة تجاه الدفتر الأسود والتأملات اليومية التي تعدت الثلاثين تأمل وصفحة، تأخرتُ بعض الأيام، ولكني كنت آتي وأصبُ الكثير من خواطري بخشوع تام وسكينة، مثل يد امتدت إلي بمدد الخير والعون، مثل صلاة يومية قد نسهو فيها ولكنها تمد حبال الوصل بيننا وبين الرب الرحيم بنا، فيها قلق اللحظات ووهن العبرات وفيها صدق الشعور وتعري الرغبات والرهبة، كنتُ أستحضر دائمًا: (ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار) “استسلم الجهاز، أستأنف الكتابة عند عودة الكهرباء في الساعة الواحدة والنصف تقريبًا” وكان يلوح بين خواتم الآيات غفو لذيذ، وتحليق حُر بين المعاني، وحتى رسم الكلمات، فكرتُ في نفسي: من الرائع أنني سأدرس هذا العام “علوم القران” كي أجيب على كل التساؤلات والدهش التي استولت علي.

جربتُ طبخات عديدة، وجعلني المطبخ أكتب تلك الشهادة على مذكرة جانبية: إن الطبخ وهبني ما لم تهبني إياه نشاطات أخرى كُثر، الصفاء والسكينة.

وهذه قصة أخرى:

كان يا ما كان، كنتُ أود أن أعود للتدريس هذا العام، وشحنتُ نفسي بالتحمل لأجل هذا الوعد، وشحذتُ في قلبي شعلة الأمل هذه ومضيتُ عليها، بيد أنه على ما يبدو سيغدو حلمًا ووعدًا مُؤجل، عرفتُ هذا قبل انتهاء العام، ولكني كأي معاند رفضتُ الاعتراف، كانت خالتي تسألني: هل ستأتين هذا العام؟ فأقول بأمل: سأرى إن شاء الله، وتقول صديقتها مديرة المركز: ها، ماذا قلتِ؟ نحن بحاجة إليك، سأقيل جميع المعلمات غير المرضيات، الطلاب كثار، والمعلمات المتمرسات قليل، ستأتين؟. أتلعثم، أردُ بحرج وبكلمات مخفوقة بأملي: أنا على أهبة الاستعداد، لكنني سأرى جدولي مع الإدارة قبل ذلك.

وفي رابع أيام العيد، ذهبنا إلى بيت خالة أمي، ولقيت ابنة خالة أمي مديرة الدار هناك، لم أستطع الحديث معها طوال الزيارة لشدة خوفي من الإجابة، وفي الأخير بعتُ حرجي واشتريت الخيبة حتى من قبل أن أجري الحوار، هجمتُ عليها فجأة، سألتُ بدون مقدمات: كيف ستكون السنة القادمة معي؟

بهدوئها المعتاد أجابت: ثلاث مواد، سأنسق لك مع أختيك الجدول، ستحضرون ثلاثة أيام في الأسبوع.

شعرتُ بحرقة طفيفة في صدري، قلتُ متشبثة بآخر أمل: هل ستستمر المواد هذه طوال العام أم ستنتهي بفصل؟

استغربت السؤال ولكن لم يظهر على ملامحها ذلك، قالت بلهجة دائمًا تشعرني بالخزي: لماذا؟ هل ستتزوجين؟!

أجبتُ بضحكة شاحبة: يمكن! –واستطردتُ فور رؤيتي لملامح الابتسامة الكبيرة في وجهها- أمزح أمزح، حسنًا، إن استطعت أن لا تكون أيامي مع أختيَ فذلك أفضل، لا نريد أن نأتي بسيارتنا.

تناولت الموضوع مع أختيَ، وانسللتُ من المجلس والأمل قد تجمد في قلبي، ردد لا وعيي بخيبة: لن تذهبي للمركز، لن تعودي للأطفال؛ ورد وعيي ساخرًا: ولكن لا تندهشي، كنتِ تعرفين حقًا، وكنتِ تحاولين أن تعادلي بين ضرورة إنهائك هذا الدبلوم، وعودتك الملهوفة إلى الأطفال والتي يمكن أن تؤجل ببساطة، فما دام الناس لا يزالون يتزوجون وينجبون فلا يزال باستطاعتك أن تدرسي دائمًا، وفضلتِ أن تدرسي حتى إن لم تستطيعي تقبل الأمر ببساطة، لذلك تشبثت بأمل تعرفين أنه واهٍ، وأنك ستصابين بالخيبة بدون أن يكون لك مبرر عدا هذا الأمل الضئيل.

ولذلك كان علي أن أقر بالأمر ببساطة، وأكرره كل يوم في عقلي كي أتقبله: ليس هذا العام أيضًا. وفي نفس الوقت، أتمنى أن تنساني خالتي، ولا تسألني مجددًا: هل ستأتين هذه السنة؟ لأجيب برغبة موؤودة: لا أستطيع، ثمة مواد عالقة.

لا شك أن الموضوع درامي، ولكنه يمسني عميقًا حقًا، والحديث عنه ليس سهلًا بالمرة، ولكن ثمن صعوبته يمكنني من إدراكه شيئًا فشيئًا، ليجيء الأمل مجددًا ليقول: لا يزال هناك أعوامًا مقبلة، وإن مُتِ قبلها، فحسنًا ذلك هو القدر، وهو لا شك خير، بيد ان ما لا أريد التفكير فيه بالمرة، أن تيأس خالتي وصديقتها ويعلنان إغلاق المركز، حتى تحصلان على المعلمات المطلوبات، وقتها يصعب علي التفكير بما سيكون عليه وضعي وقتها، ليس لأنها الوظيفة الجاهزة حاليًا (فإن إمكانية الحصول على وظيفة بسهولة ستكبر بعد استلامي شهادة الدبلوم في نهاية العام بإذن الله تعالى) بل لأنها الوظيفة التي تحتاجني وأحتاجها، ولأنها حالة الحب الواعية التي أعيشها، ولأنها تجمعني بالشيء الذي أحب، الأطفال، والقرب اللامحدود منهم، عقليًا، وجسديًا، وفكريًا.

وإذ قالت أختي الكبرى تشاكسني: بصراحة، من يبقى بين الأطفال وقتًا طويلًا، يغلب عليه العقل الطفولي، يصبح بعيدًا نوعًا ما عن الفئة الناضجة!

أيًا كان، لو كان يهبني تعليمهم والبقاء بقربهم تلك الخفة والرغبة في الحياة، فلأبتعد ما شئت عن عالم النضج، تكفيني الحالة الواعية للأشياء، الصافية في معرفة الأمور، بلا ضبابية، تلك التي يتميز بها عقل الطفل وتكوينه.

لم يعد بإمكاني مواصلة الحديث عن هذه النقطة، سأدخر باقي ما لدي إلى الغد، يوم نذهب عند جدتي، فتسألني خالتي نفس السؤال لأجيبها بنبرة صامدة قدر الإمكان أنني لا أستطيع، وأنني قد خذلتهم حقًا.

كأي شخص في هذا العالم، لدي تلك النزعات الغريبة لإقامة مراسيم جادة لأشياء بسيطة جدًا، وأنا أقدر هذه النزعات، بل وأنصبها كواجبات يجب أن تُنفَذ، ففي أواخر رمضان شعرتُ بتلك الحاجة لتجهيز زينة العيد والخطط الشخصية لي فيه، وقد كنتُ قديمًا آخذ ورقة وقلم، وأكتب بحرص ماذا سأرتدي في كل زيارة مقررة للعائلة، بل وما النشاط الذي سأجريه لأطفال العائلة في الزيارات، وكانت هذه القوائم لحظية، إذ تنطبع في ذاكرتي ولا أنساها طوال العيد، وأمضي عليها بكل وفاء، بعض من تلك الخطط بات عادة سنوية عيدية يعرفها الجميع عني، مثل اللوحة الأبدية المكتوب عليها “من العايدين” كل مرة على الحائط الذي يستند عليه سريري، والبالونات الموزعة بترتيب في الغرفة، بأعداد هائلة أحيانًا وبأعداد محدودة أحيانًا أخرى بحسب القدرة، وكذلك “فولة” بيت جدتي في اليوم الثاني من أيام العيد، وهي كومة من النعنع والحلوى والبالونات غير المنفوخة ألقيها على أطفال العائلة كي أراقبهم بضحكة وهم ينطون ويتزاحمون ليجمعوا أكثر، قبل أذان المغرب بالضبط، ثم بعد أن يهدؤوا نقف أمام الأطفال الأصغر حجمًا والذين لم يحصلوا على حصة معتبرة لأجعل الكبار منهم ممن أخذوا كميات كبيرة أن يتصدقوا عليهم ببعضها تجنبًا لارتفاع أصوات البكاء والحنق، قالت ابنة خالي هذا العيد في الصباح بضحكة متحمسة: أسماء الوحيشي بتفول بعدين. وابتسمتُ لحماستها، كم أحببتُ ان تصبح مباهجي مشتركة، خصوصًا مع صغار قلوبهم نقية طاهرة.

ومن ضمن تلك الخطط التي أصبحت عادة ضرورية في كل عيد، أقوم بها مهما كان الوضع مزدحمًا، بل إنني لا أسمح له أن يزدحم وقتها، هي احتفالي الخاص ليلة العيد، وفي هذه المرة كان يبيت عندنا أخي وأسرته الصغيرة، بقيتُ مع الجميع حتى انتهينا من صنع الكعك الذي هو ويا للغرابة ليس من خططي العيدية المنتظمة، فلستُ شغوفة بصنع الكعك بل البسكوت، ولكن أختي وزوجة أخي تحبان هذه الفقرة، فساعدتهم قليلًا ثم انصرفتُ إلى البلكونة لأبدأ احتفالي وحدي؛ شراب بارد وبطاطس وأكياس فوفل كثيرة، كتاب، صوتيات مختارة لا يجب أن تكون مفرحة أو عيدية، المهم أنها تروق مسمعي، حُرة من أي التزامات في ذلك الوقت الذي يتزاحم فيه الجميع على تختيم ما نقص من التجهيزات، شعري مبلول وتلفه المنشفة، وأرتدي ثوب العيد البارد والذي نسميه هنا “جلابية” ولكن بتصميم غير تقليدي، في كفي ما راق لي من اكسسوار العيد، وفي قلبي سكينة وأفكار كثيرة، مع أني أعترف أني حاولت الولوج إلى الإنترنت عبر شبكة خارجية بكرت ولكنها لم تسمح فأزحتُ الفكرة فورًا وبدون خيبة، حتى ارتفعت تكبيرات العيد قبل أذان الفجر، انتهيتُ من الجلسة، دخلتُ الغرفة لأجد الجميع كما تركتهم، واحدة تحاول استغلال الوقت الضيق بالنوم عبثًا، وأخرى تضع الحناء على شكل فراشة في كف لولو الصغيرة، وأخرى منصرفة لبشرتها، وأخرى تحاول أن تنفخ كفي لولو وتوقظها كلما أوشكت على السقوط نائمة، ضحكتُ منهم، وجهزتُ ثوب المصلى، وما لبث أن ارتفع أذان الفجر حتى قام جميع من في البيت وبدأت فوضى ذلك الوقت، وكأي عيد: كنتُ أول من جهز وبعد أن صلينا الفجر وبانتظار أن يجهز البقية شغلتُ أناشيد عيد كي أنعش لولو المترددة بين فوضى العيد وبهجته وحلاوة النوم في ذلك الوقت، ثم خرجتُ لالتقاط بعض الصور التي قررت في ظهيرة نفس اليوم أن أكف عن تحصيلها بتلك اللهفة، ثمة آراء خارجية لهذا القرار، ولكن بشكل عام، كان يجب أن أفعل هذا منذ وقت طويل، أن أحكم قبضتي على لهفة التصوير هذه، أن أعتاد أن أعيش بدون توثيق زائد، أو على الأقل، حتى أستقل بكاميرة. كان قرارًا قاسيًا ولكنه ناجع، موفر لكثير من الجهد، لحفنة من الرضا، ولمساحة من التفكير والمقارنة.

وفي حين أني كنتُ أفكر بادخار بعض ما أملك لشرائها بتلك الرغبة الجارفة، فقد صرفت العيديات التي جاءتني بذلك التفلت الرهيب، عندما أفكر الآن بكم صرفت أشعر بالدهشة، وبالأمس صارحتُ أمي بفقري الحالي في معرض حوار لتقول مصدومة: هل أنهيت على ما لديك؟ لأجيب بضحكة مذنبة: كله يا أمي. وقبل أن أتلقى محاضرة في شؤون التدبير والادخار بررت: الدنيا عيد يمه، عدا أنني لا أحتمل بقاء المال في حقيبتي أيامًا كثيرة، تصيبني حكة في يدي!. قالت بنظرة باردة: مُبذرة. ضحكت

كانت باقي الأوراق المالية في حقيبتي تشعرني بتلك الحكة، في ثاني العيد، حين أردتُ ركوب السيارة لننطلق إلى بيت جدتي، وقبل أن ينزل أحد، سمعتُ صوتًا مذعورًا أجفلني قبل أن أغلق بابي، نظرتُ فإذا هي عجوز ترتدي جلابية خضراء باهتة، رأسها ملفوف بعمامة ربما، أسنانها ناقصة، وعينيها متسعتين بشيء من هستيريا هلع، كان فمها المرتعش يقول شيئًا ما لم أفهمه للوهلة الأولى، فنزلتُ إليها لا أدري ماذا سأفعل، قلتُ وقلبي ساقط في بطني من الإجفالة: مالك يا خالة؟

كررت نفس الكلام بنفس الوقع الأقرب للهذيان، ولكني فهمتُ ما ترمي إليه هذه المرة: أولادي، ضربوهم.. أخذوهم يا بنتي، خذوني معاكم إلى شارع…، شلوهم.. كنتُ عارفة انهم بيشلوهم “سيأخذونهم”.. ما رضاش أحد يوصلني هناك.. وصليني يا بنتي.. عيالي عيالي!

قلتُ مرتجفة لرجفتها المذعورة: طيب، اهدئي يا خالة، تعالي، نحنا مش رايحين الشارع اللي انتي تشتيه “تريدينه”، تعالي برويك من فين تآخذي باص مواصلات يوصلك هناك.

وقفت دون أن تتزحزح وصاحت بيأس وعيونها لا تزال تلمع بصورة مفجوعة: ما يرضوا يطلعوني، يقولوا مجنونة.. بيقولوا مجنونة يا بنتي.

قلتُ بإصرار وأنا أسمع أخي يسألني عن القصة من باب البيت: ما بيقول أحد انك مجنونة، قوليلهم وصلوني وبيوصلوك، تعالي برويك المواصلات.

قالت بجزع: من فين لي يا بنتي؟! محد بيرضى. وعادت تكرر نفس الكلمات، وفهمت المغزى ففتحت حقيبتي ودسست في يدها النقود ومشيتُ معها إلى تقاطع الحارة كي أريها باصات المواصلات، كان أخي يصيح متوجسًا غير فاهم مشيي مع هذه المرأة الأقرب للمجنونة، وتجاهلته بكل ما لدي، وحاولتُ أن أشرح لها، لكن يبدو أنها لم تكن تسمعني جيدًا، واثقة أن لن يسمح لها أحد بالركوب، يائسة في أن تصل لأولادها، وفي وسط تأكيداتي بأنهم سيأخذونها ما دام لديها نقود بشرط أن تهدأ قليلًا صاحت في وجه سيارة مارة: خذني معك. وقصت القصة، شعرتُ بالعجز، بالجزع في نفس الوقت، وبالغضب من تساؤلات أخي البليدة وعدم رضاه عن تفهمي لهذه العجوز الغريبة، جاء أخيرًا وأرادني أن أعود للسيارة، جعلته يوضح لها طريق المواصلات وعدت وفي قلبي وهن وعجز. وبعد قليل كان الجميع يتحدث عن هذه القصة الغريبة في الطريق، صمتُ طويلًا شاعرة بعجز حقير، ولم أتمالك نفسي حين صحت في وجه أخي الذي لا يزال يؤكد أنها مجنونة: اسكت، مافيش معك قلب؟!، الحرمة طبيعية، عيونها واعية، مش مجنونة، بس انها مرعوبة مفجوعة. وصمتُ إذ وجدتُ قلبي يدق بعنف، وصوتي يهتز في النهاية، كاد أخي يرد، بيد أن أمي أنقذت الوضع وغيرت الموضوع. في بيت أختي في اليوم الثالث من أيام العيد، قُصت القصة مجددًا، لم أشترك في الشرح ولا التبرير، كانت أمي متأكدة من أن المرأة غير طبيعية، وكنتُ بنفس القدر متأكدة من أنها طبيعية بعيونها الواعية لكن المرعوبة، قُلن بنات أختي بعد سرد مواصفاتها لهن بأنهم يعرفونها بأنها عجوز مجنونة، لم أصدق، ثمة شيء في هيئتها وكلامها مجنون، ولكن نظرتها كانت لامرأة تدرك ما تفعل، وتشعر بواجب هي عاجزة عنه، أستطيع أن أقسم بأن كلماتها حقيقية، حتى وإن كانت هذيان خارج من ذكرى قديمة لها.

ثم لما شعرن البنات بأن الموضوع جديًا عندي، صرفوني بمبادرة لطيفة منهم إلى رؤية تحضيراتهم للعيد، نور الوسطى منهن خطاطة ولديها مسحة فنية، أرتني التوزيعات التي صنعتها هي وأخواتها، البالونات اللاتي علقنها على الحائط، توزيعات خاصة من كل واحدة منهن، أي أنني عدتُ وحقيبتي ممتلئة، هذا كله عدا لعبة البالونات الصغيرة (التي هي في الحقيقة بالونات الماء، لكن استخدمتها لغرض آخر) حيث تفجرها لتخرج ورقة مكتوب بداخلها هدية تستلمها من الصندوق، أفكار رائعة لديها، لكني كنتُ شاردة طوال الوقت، أتساءل: هل وجدت أولادها؟ هل سمح لها أحد بالركوب؟ هل هي ذكرى غائرة في قلبها أم وقعة حاضرة لم يستطع تصديقها سواي؟ كيف جاءت إلى حارتنا؟ وماذا تفعل الآن؟. قلقتُ، ولم أستطع ترجمة هذا القلق لكل سؤال موجه لي من قِبل البنات: ما لك؟ لماذا أنتِ مختلفة اليوم؟ واهنة. وكنتُ أقول الإجابة المعتمدة في مثل هذه الحالات: لا شيء. إن الناس لم يتقبلوا قلقي على تلك المرأة، فكيف سيتقبلون ذعرها الصادق الذي واجهتني به؟. سجل يا قلم؛ ندبة.

وقفة لتحضير كوب عملاق من القهوة.

أدق الزنجبيل، وأفكر بأن أوقات كهذه من رنين القصعة والتفكير المتواصل بذكريات العيد القريب، مثل غفوات ساكنة، من التشبث بأوقات لن تعود، ولكن يحلو الوقوف معها، مع أدق تفاصيلها، وأشد المواقف فيها حقارة، ربما لأخذ الدرس، وربما لأخذ شهادة الاجتياز سواء بفشل أو بنجاح لا مشكلة.

في خامس أيام العيد أخذت لولو وحمودي إلى الحديقة التي بالكاد انتهوا من ترميمها، رائعة، بهية، مثلما كنا زمان نذهب إليها كل عصر، مع زيادة في مصروفنا اليومي، تلك الزيادة لشراء الماء إذا ما تعبنا، تذكرتُ الحذاء الزلاجة الذي كنتُ فخورة به بأنه هدية من أخي المغترب أبو لولو وحمود، أتذكر نظرات الفتيات إلي، وكنتُ سعيدة بأنني أمتلك هذه اللعبة الرهيبة، كنتُ ماهرة في اللعب بها، وكنتُ أرتديها في كل خروج لي ولو كان لشراء حاجة من الدكان، وكان أبي يأخذنا إلى الكورنيش خصيصًا كي ألعب بها في ذلك المكان الفسيح، ولا زلتُ أذكر ابن خالتي الذي جاء من المملكة في عطلة وذهبنا معًا إلى الكورنيش ولما بدأتُ باللعب كالعادة ولم أكن مختلطة معهم كثيرًا، صاح مدهوشًا من مهارتي، فسقطتُ مباشرة على الأرض لينفجر الجميع ضاحكًا، فيقرر أبي أن يشغل جميع الشباب في أي مهمة، ثم وفجأة نجدهم ينظفون الكورنيش وهم يتمتمون بجميع الشتائم والسباب، وكنَ الأمهات يضحكن متشفيات، وكان أبي جادًا في المهمة، كان يحب أن يشغلنا في هذه النشاطات وكنتُ أتحمس معها، بيد أنني لم ألحق من طاقة أبي الكثير، لقد كبر والدي، وكبرتُ أنا، ولم يعد لديه من الصبر الكثير كي يأخذنا لمغامرات عجيبة ونشاطات محرجة ولكنها تبقى في الذاكرة، خرجنا يومها من الكورنيش وهو يلمع، أذكر أن والدي كان يحتفظ بصندوق الباص بمكانس ومجرفة، كان عملًا متقنًا، وصار ذكرى جميلة مضحكة. ماذا كنتُ أقول؟ كنتُ أتحدث عن الحديقة، المهم، عدتُ هالكة لأنني كنتُ صائمة، وكانت الشمس في ذلك اليوم رهيبة، ما إن أدخلت الأطفال إلى البلكونة الكبيرة حتى تهالكتُ على السرير بدون أن أرفع شيئًا من ملابس الخروج، كان الدوار فظيعًا، كان كل شيء أخضر قاتم، وكان صوتي يجيء من عالم ناء، بقيتُ كذلك حتى أفطرتُ فتحسنتُ قليلًا، وأظنها كانت نوبة من هبوط في الضغط. كالعادة

أما سادس أيام العيد فقد كان يوم زيارة العائلة لبيتنا، كان المطبخ من حصتي، لذلك لم يحدث الكثير وأنا في تلك الثكنة التي لا تتوقف عن الحركة ما شاء الله؛ كنتُ فقط سأخلع سنًا لابنة خالي (بالمناسبة هذه ممارسة قديمة لي، كسرتُ لجميع بنات أختي أسنانهن تقريبًا؛ يغيظني أن أجد سنا مهزوزة، وكنَ يثقن بي) لكن لما عرفتُ بأن المجلس بأكمله يتحدث عن الموضوع بتهويل قررت التوقف، أعطيتها حلوى، وجففت الدم، وعادت بسن مهزوزة تثير الغيظ، حاولتُ ألا أنظر إليها، أكره الشهرة. حافظتُ على فقرة الرقص، جعلتُ الأطفال جميعًا يستأذنون من أمهاتهم أن يفتحوا شعورهم المضفورة، رقصوا حتى تعبوا، كانوا مثل الزهور، مبهجة أشكالهم، وهم يميلون رؤوسهم يمينًا وشمالًا مثل زهور تداعبها هبة رياح دافئة.

في بيت خالتي، يوم الثلاثاء، الزيارة المؤجلة، قررتُ أن أصبح طفلة، دخلتُ حجرة الأطفال ولعبتُ معهم حتى هلكت من التعب، عدتُ بألم في الظهر وكومة شعر منكوشة، دائمًا للعب مع الأطفال ضرائب، لكني كنتُ راضية. بقت زيارة وحيدة من زيارات العيد لا أحد يعرف متى ستكون، زيارة خالتي الأخرى، لكنها مُتعبَة حاليًا، فهي مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

قلتُ لأمي: هذا العيد مخيف! رمقتني بنظرة دهشة غير فاهمة، شرحتُ بدون جدوى: أقصد أنه لطيف لكنه يذكرني بأعياد زمان، لما كنتُ أخرج مع قافلة المعايدة، ولما كنتُ لا آبه لأي شيء عدا كم سيمكنني الوقت من اللعب مع البنات، ولكنني الآن كبيرة!. أن تشعر بالشيء الذي كنتَ تعيشه من قبل بهيئة أخرى لم يعد ممكنًا لك أن تكونها، فبعض المعارف تصبح مآزق لا جدوى من الخروج منها، واجبات لا تستطيع التملص منها، شيء متزامن مع العمر، لذلك لم أعد أطالب بشيء، أحاول أن أدخر أكبر قدر ممكن من المعارف ومن الرغبات التي يمكن تأجيلها، لعلها لا تناسب سني الآن، أو على الأقل سأحتاجها أكثر عندما أكبر أكثر! معادلة عويصة بصراحة، فبعض الرغبات عصية على التراجع من القائمة مهما كان الداعي مهمًا.

لا أصدق، ثلاثة ألف كلمة، ولا زلتُ أكتب!

المعذرة يجب أن أنهي هذه القصة، أظنني لا أفعل شيئًا أكثر من إفراغ أفكاري هنا، متأملة أن تترك متسع لأفكار أخرى جديدة، فهذه الذاكرة المهلهلة يجب نفضها كل مرة، سعيدة لأنني كتبت، ومحرجة من هذه الكومة الهائلة، تلك عاقبة تسويف كتابة اليوميات، مثل العاصفة تصبح.

كونوا بخير وعافية.

3:14 عصرًا، الخميس، 15 شوال 1442هـ

سألقح التدوينة بالصور فيما بعد، الإنترنت كئيب الآن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s