صفحات حارة من الثلج!

بالفعل أفضل ما كُتِب في الحرب، (الثلج الحار)

أيها الفاشي القذر؛ كم كانت خسارتك مُربِحة!

إنها البداية لهزيمة الجيش النازي، إحدى النهايات للحرب العالمية الثانية.

في عيني بريق تأثر، وأشعر بجسدي خفيف كالظل، أكاد أصدق الشعور الذي يقول بأنني خارجة من حرب، وأني لا زلتُ أشم رائحة البارود والثلج وفظائع المعركة، وأن في أذني صرير رشاشة وفرقعة قذائف وشرار نيران متبعثرة في أرض الميدان، رماد يملأ الجو، والشمس تشق طريقها عبر الأفق، والثلج يلتمع بعد كمده ولونه المكتئب، نياشين كثيرة موزعة، وقلوب واجفة لا تكاد تصدق سير الأحداث من صبح إلى آخر؛ إن للنصر رائحة وصوت، إنه يورث القلب هرولة، ويخلف على الخدود خطوط دمع دافئة حُلوة رشيقة، إنه يردم فواجع الحرب والمعركة، مثل تراب أهيل على قبر، ثم تبقى تلك الرائحة عميقة، تلمس جدران الذاكرة على عمى كل مرة، مثل فكرة فيكتور ابن الجنرال بيسونوف، سينجح المرء في إزاحتها دائمًا، على أنها ستبقى في حيزها السحيق مُثقِلة، ضريبة لكي يكون للنصر حلاوة و مذاق .

هذا هو النوع من الروايات التي تجعلني أقف دهشة من دقتها، وأسهو أثناء انتهاء فصل منها بالتساؤل نفسه كل مرة: كيف يمكن لشخص أن يكتب كل هذا؟ بهذه الدقة المنعشة، بدون تفاصيل لا معنى لها؟ بهذا العمق الذي يجعلك تتنقل في موقع القصة مخفيًا لا يشعر بك أحد ولكنك تشعر بالجميع، ليس على حدة، وإنما في وقت واحد، تقف منتبهًا لدخائل هذا وذاك، ثم تتأكد بأن هناك مفاجأة، حلوة، تدخرها لك الأحداث البائسة، بدون مبالغة شاطحة بالخيال، مثل مَن يُفاجأ بقارورة ماء باردة في حقيبته وهو تائه في قفر قاحل شاحب مكفهر، أو كما يجد المرء في حال الشدة بعمق جيبه دنانير كان قد ألقاها بإهمال في نوبة رخاء، شيء كان مُدبَرًا ولكنه نُسي في خضم الفوضى. كي ترتفع هامة النصر مع شروق الشمس الديسمبرية.

إن كنتَ مهتمًا بأدب الحرب، فلا تتأخر في قراءة هذه الرواية رجاءً.

ذكرتني بتلك الروايات التي كان يستعيرها أخي من المدرسة، وكنتُ أقرأها بنهم وأختفي أيامًا من أرض الواقع كي أستلذ بالأجواء المشحونة التي تمتلئ بها، عنيفة ببساطتها وربما حتى بمستوى الحياة المتدني جدًا في الجبهات وميادين المعارك، تلك الروايات التي حرتُ كيف أصل لما يشابهها ويئستُ من أن أجدها، حتى باتت مثل أحلام قديمة أنشأتها ذاكرتي الفقيرة من خيالي المهزوز، لكني اليوم وقفتُ منذ الساعة الثانية عشرة ظهرًا تقريبًا وحتى الحادية عشرة والنصف مساءً في أجواء المعركة، تمامًا مثلما كنتُ أغرق من قبل في تلك الروايات، شاعرة بأنني لستُ هنا، وعقلي كله يحاول إيجاد طريق لإنقاذ المعركة، وفجأة قبيل أن أبدأ الفصل الثاني والعشرون، انتبهتُ لعجلة النزول والصعود في الكتاب الإلكتروني، وأصبتُ بغصة، إذ لم يعد هناك الكثير من هذا العالم، وفي نوبة حقد لا مبررة تمنيتُ لو يقتل الكاتب كوزنيتسوف أو بيسونوف، حتى ولو بطلقة غير معروفة (بالطبع كي أنتظر تفسيرًا وقصة أخرى من ذلك العالم المحموم!) ولكن لم يمُت أحد منهما، على أنني حين أنهيتها وشعرتُ بنشوة النصر وحزن المغادرة؛ عفوت حتى عن درزدوفسكي، فلقد نجح الكاتب في استدرار شفقتي عليه، آمر البطارية منهوك القوى ومتناسٍ العجرفة، معقوف، يجمع شتات قصته بنياشين ستذكره دائمًا بسرغونبنكوف، وزويا تحت المشمع الذي يصدر هسهسة كلما هبت الريح، في المشكاة المكتظة بالقتلى.

إنني أتأثر بشدة، لا.. بالضبط ليس هذا هو التعبير، إنما شيء مثل: أبقى تحت وقع الأحداث الخيالية وقتًا واقعيًا!، ففي العصر وحين أجبرتُ نفسي على ترك المعركة لتحضير صينية بطاطا للصائمين في البيت، كنتُ ساهمة طوال الوقت في الأحداث، أفكر بجدية وكأنني سأغير شيئًا ما في قصة، أو سأتوقعه مثلًا!؛ وبدا لي أن صوت الفرقعة الصادر من الصوص الذي تغلي فيه البطاطا ما هو إلا صدى رشاشات المعركة من ذاكرتي القرائية للقصة، وحين تركتُ القدر مغطى وأخذتُ أنتظر نضجه في الشرفة خيل إلي أنني أشم رائحة بارود وثلج، وطفق عقلي على حين غفلة يتساءل ما الذي يجعل أشخاصًا ما يمشون بسلام في الشارع ولا يخافون غارة، وحين قبضتُ على هذه الغفلة كدتُ أضحك دهشة وامتعاضًا في نفس الوقت، قلتُ لنفسي بأنني ما إن أتناول إفطاري حتى أستأنف القراءة، قبل أن أصبح مهووسة، وضائعة في وسط أحداثها الغائرة في ذاكرة التاريخ، وخيال كاتب مُبدع. كان ذلك رهيبًا ومجفل، أن أجد نفسي بعيدة عن الواقع، في ثنايا صفحات حارة من الثلج!

الغرفة غاطسة في شحوب، واللمبة الاقتصادية الواهنة تنيب عن إضاءة الكهرباء المقطوعة، جو الغرفة البارد من جهاز التكييف الصامت الآن بدأ في التسرب، وحدي هنا أكتب آثار هذه القراءة، في يدي فنجاني العملاق ممتلئًا بالمياه المعدنية، ولازلتُ أتساءل كلما شربتُ منه عن مذاق الثلج إذا ما استخدمه الظمآن في مقام الماء، وأتصوره حادًا شائكًا جارح، مثبط لأي عزيمة، تاركًا خلفه خواء مرتبك بين الزمهرير والحميم، وتتشكل في مخيلتي كوزنيتسوف وفصيلته وهم يغرفون من الثلج ليبتلعوه وهم يحفرون برتابة ولكن بإصرار؛ خنادقهم التي يتوسدها أكثرهم فيما بعد، تمامًا مثل من يحفر قبره على نية أن يكون بيته الآمن.

من أعمق ما استوقفني في هذا المعترك، هي فكرة الجنرال بيسونوف: لماذا نريد دائمًا أن نعرف عن الشخص بعد وفاته أكثر مما كنا نعرفه في حياته؟

2 Comments اضافة لك

  1. Remas كتب:

    وصفك للرواية ساحر وجميل! وضعتها ضمن القائمة

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    أتمنى أن تروقك يا لطيفة🌼😅

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s