ضباب

هل جرب أحد غيري، الليمون بالملح؟. أنصحك بتجربته إن لم تفعل من قبل؛ فعدا أنه سهل التحضير، فهو ذو مذاق لاذع معبِر جدًا، آه وهذه تنبيه لمن لا يحب الأشياء الحامضة.

صديقي العزيز:

لم يعد لدي الكثير مما أنا متيقنة منه تجاهك، ألم تعلم أن اليقين السمك، وأن الماء إشاراته المؤكدة له والمراجع التي تؤوب إليه والإيحاءات التي تتناوله باستمرار؟

إن هذه خسارة فادحة يا صديقي، إنني أتحدث عنك بحرج، عما يتصل بك بتردد، بشك كثير وقلق؛ إن ما بداخلي لك لم يعد يتعدى نطاق كيانك أنت، قلبك وملامحك وبصماتك وكلماتك وماضيك، وأخشى أن أمنياتك لم يعد يمكنني تناولها بتلك الدقة والثقة، لقد حال بيننا الحاضر.

كنتُ دائمًا عاجزة عن فهم الوقت، وكيف يمضي متفرقًا بكل بساطة وبدون تعجل، إذا غادرنا الأشياء، وغادرتنا، مضى الوقت ولم ينتظرنا، وعندما نعود نجده قد قطع شوطًا لا يُستهان به ولم يتوقف مطلقًا بمغادرتنا، أحبابنا على الضفاف الأخرى مهما بلغ منا ومنهم جهد الفقد وعطش الغياب إلا أن الوقت يمضي ونحن نمضي خلفه بتثاقل ووهن؛ أما أولئك الذين ما عاد بهم القوة للمضي، ولا يملكون بصيص أمل آخر، ولم يُكتب لهم من صبر وجَلد، يسقطون صرعى، يعبر الناس عنهم: مات من خضة الفاجعة، وقضى بجرح هائل. يقولون: توفي؛ لم يحتمل.

ومع أنهم يقضون، إلا أنهم قليل؛ يهبنا الله تلك القوة من حيث لا ندري، وقد جُبِلنا من قبلها على حب البقاء والتشبث بالأمل، ومع أننا نفعل، إلا أنها تبقى ندوبًا غائرة، دوائر فاغرة فاهها في صفحات الذاكرة، وحش خامد، يكبر كلما اشتدت الفواجع وينفجر، ذات مرة، بعد أن يفنى الفؤاد ولا يبقَ فيه متسع لندبات جديدة، تتسرب أشلاء الأمل كلها، تتمزق شرائط الذكريات الملونة، يُقبل جرذ كهل ويقرض بقايا الفاجعة بعد رحيل المفجوع، وتستمر، حوادث حتمية، وفيها روعة الجَلَد، ورهف الاستسلام. ثم إن كل ذلك الألم لا يمر ببساطة وكأنه لم يكن، ثمة صُحف أكبر من صَفحات الذاكرة وأمتن، تحسب كل شيء تقديرًا وتفضيلًا وتحقيرًا، ثم يأتي اليوم الذي تصبح فيه الفواجع والصبر عليها شعارات ومنازل، يوم يكون للصابرين حسن نُزُل، وحال طافحة بالرخاء، عامرة لا تنفد، سرمدية لا يعقبها نسيان ولا يتخللها قلق ولا وهن؛ فيا وكيل الصابرين، كن لنا خير مولى وامنحنا الصبر والجَلَد.

صديقي، وقصيدي:

أحمل كوب قهوتي وأشتم منها طيف أيامٍ خلت، ذاكرتي فيها مهلهلة، ولكنك بقيت ثابتًا في قلبي كوعد لا ينفك، وعندما أستمع لصدى الذاكرة أكاد أسمعك تلهث، وأجد الضباب يلهف كل الصور، أتمتم لنفسي بحزن: لقد بدأ يهترئ، إن السحر يتلاشى بدون سبب، مثل إحراق ورقة سحر بتعجل فلا يُبطل أبدًا، إن في حوزته أيامي، وأحلامي، وشظايا مني، وهدايا ولُعَب؛ إنني القديمة أترنح تحت وقع الغياب والضباب، إنني أذوب في حمى الغروب وبُعد الشفق، يتراءى لي الفلق مقلة، ويتماهى لي الغسق هدب، ويتبدى لي الأفق دموع كبيرة سقطت من وجنة غيم مختبئ، إن الصبح في عيني شغب، وإن المساء في وجهي نعار وصخب، دُلني على كرسي لقاء، وامحُ من قلبي طلل الفراق وذاكرة اليباس والقحل، كُن فكرتي، وكن مهنتي، وكن أنتَ المستند؛ إن كان بقي شيء ما فيَ منك فهو أنني لا زلتُ أنتظرك وتحبو إليك آمال قلبي بخطو هف، وأسمعك فتصبح كل أشجاني في قبضة من حديد و رقَ، ما زلتُ أشعر بك بداخلي، لا يمكنني التيقن من تفاصيلك الحاضرة، ومع هذا لا يزال بإمكاني أن أحبك، تمامًا مثل ثقالة الورق الزجاج الذي بقي يتأملها كل يوم ونستون في “1984”، ما يدعو للتوجس هو أنه في اليوم الذي كاد يعرف فيه تفاصيلها، انكسرت، وللأبد، ولم يكن له الوقت الكافي للتأمل، رجاءً. لا تبتعد إلى الأبد، ابقَ متمسكًا بغموض تفاصيلك الحاضرة قدر ما تشاء، ولكن ابقَ في مجال الرؤية والشعور والأمل.

حنيني لعيناك، ومودتي لروحك، فليسبغ عليك القدير من الأمل ما يضيء له فؤادك، وينير لك مسارك، وليمنحك الثبات ما يوضح لك السراب، ويبين لك الخراب، فتمضي برعايته على خير درب.

خزامية.

3 Comments اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    أنا من عشاق الحوامض والمالح ..لكن أتوجس من فكرة خلط الأمرين ربما سأجربها قريبا فأنا أثق في ذوقك ..😘😘

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    يسرني ذلك حقًا، أتمنى أن لا تندمي🤭

    Liked by 1 person

  3. Salma♡ كتب:

    لم أجربه بعض .سأخبرك برأيي إن لم أنسى هههه

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s