شغب🤖

صباح الخير.

من هنا، شرفتنا التي افتقدها غربان المنطقة حيث سوَرناها بشبك حديد لمنعها بعد فشل فزاعة صنعناها منزليًا لإخافتهم، الهواء عليل، السماء مغيمة قليلًا، والقمر الذي يوشك على الاكتمال يختبئ تحتها ثم يظهر، أصوات المكيفات رتيبة، الحركة هادئة نسبيًا بخلاف كل يوم في هذا الوقت عندما تكون الكهرباء مقطوعة فيخرج الأطفال للعب في الحارة فتصبح حيوية، أما الآن فالجميع يتنعم ببرودة التكييف قبل أن تنقطع الكهرباء لمدة اثني عشرة ساعة على الأقل، ويبدو أني الوحيدة التي تتخلى عن التكييف، والسبب ببساطة أني لم أستطع أن أكتب منذ الواحدة والنصف بسبب وجود أختاي في الغرفة، لينقلب مشوار كتابتي إلى أحاديث وتعليقات وأي حوار عابر مفيد أو حتى غير مفيد!

حسنًا، سأتحدث بصدق وشفافية لأزيح عن كاهلي هذا العبء؛ الواقع أنني بت أستصعب الكتابة، ولم أعد أثق كثيرًا بما يمكنني التعبير عني به، أفكر كثيرًا، للحد الذي دخلتُ فيه بمواقف مخجلة وسيئة، فلقد صرتُ أتحدث بلا تركيز، وأسأل فلا أسمع الإجابة، وأحاور ثم فجأة أنسى أني كنتُ أفعل، حتى أني وجدتُ نفسي أقول أشياء غير ضرورية فقط لإنهاء حوار ما لأتفرغ لشغب أفكاري، سألتني إحداهن عن اسمي، فأجبتها به وباسم ابنة أخي بلا سبب، وأسأل أختي عن الشيء فلا أستمع للإجابة وأعود لأتساءل فيما بعد عنها ولا أجرؤ غالبًا على إعادة السؤال، أفكر بأشياء كثيرة في وقت واحد، أحاول الترتيب ولا أنجح في لملمتها إلا قليلًا لتنفرط من جهة أخرى مثل عقد غير معقود خيطه، الطبخ يساعدني على تهدئة الفوضى هذه، ولكنه يأخذ مني الكثير من الوقت والجهد والشعور أيضًا، لأني أبالغ به، ثم إنه يكاد يصبح عادة ضرورية وهذا لا يروقني كثيرًا لأني صعبة في التخلي عن عاداتي ولا أحب أن أصرف وقتي كله في المطبخ، قدمي متعبتان هذه الفترة، إحدى ركبتي شبه متورمة من كثرة الضغط عليها، لأنني أحب أن أطبخ وأنا قائمة، أشكي لأمي الأمر فتدعوني للجلوس وقد كانت تقول من قبل: انتبهي أن يورثك الجلوس دوالي في قدميك!

ليس هناك الكثير مما يدعوني للتفكير، ولكني أفكر بأي شيء، بالقديم والجديد والبعيد، والأمر في تطور أني أفكر بافتراضات كثيرة واحتمالات، والخروج من كل هذا العبث الفكري صعب ومكلف.. أحلامي عادت بكثافة، ورجعتُ أتحدث أثناء النوم بكثرة، أستيقظ لأجد نفسي أقول شيئًا ما، أنظر حولي بحرج، أدس رأسي في الوسادة وأقلق، كيف يمكنني إطفاء هذا الشيء الذي يعبث بي؟

ومن ثم.. القولون يشارك في الأمر!

أناس قديمون، موجودون، غائبون، كريهون، وطيبون، أقلام كثيرة، قصص مخترعة، تصاميم خشبية، قصص مكتملة، مبادرات للمنزل، ديكور، قضايا عائلية، وصفات، خطط، إنجازات، تعديلات، جرائم محكمة، عصافير، تنظيف كثير، نباتات، زهور، هدايا، احتفالات، قلق، ندم، استعادة بهجة معينة، ذكريات نائمة، شغب… كل هذا يحتشد وأكثر، مثل شعب يخرج في مظاهرة ضد نظام بقي رتيب لوقت لا بأس به، على القائم على النظام أن يسكت كل شيء، لكن كيف؟

بالسلاح؟ بمسيلات الدموع؟ بالتهديد؟ بالرعب؟ بالإبادة؟ بالمعالجة؟ مع الأخذ بالاعتبار أنه عرمرم عجول، لا أزال أنظر بشيء من الحرج وأهمس: هيا.. كفى الآن!

من منكم يتذكر النشرة الرمضانية التي كانت مشروعي المستقبلي لرمضان منذ شعبان ورجب؟ أنا أتذكره، وأشعر بكثير من الخجل على عدم تطبيقه، ومهما صغرت أمره في التدوينة السابقة أو حاولتُ استبداله بمشاريع أخرى تشابهه وواظبتُ عليها، فلا أزال كل يوم أقول لنفسي بامتعاض: سبحان الله! من غنَت لعدم التأجيل، أجلت مشروعًا لا يُؤجَل؛ ثم أواسي نفسي بأن المشروع يمكن أن يطبق في شهور أقل ازدحامًا من هذا فلا يزداد الأمر إلا سوءًا، لا بد أن الآنسة حامضة باتت تؤجل وتملك من الأعذار ما تملك، الأمر خطير ويحتاج عهد صادق وعلاج.

قالت لي نفسي الكسولة: افتحي تدوينة واكتبي كيف استقبل وطنك الشهر؟

أقول ساخرة: يموت البريق حين يتأخر الوقت، واللهفة تذوب مع طول الغياب؛ مع هذا أكاد أعتذر بأن رمضان الفائت كان مختلف، وأنه كان أخف وأكثر فراغًا، وأنني بتُ متزمتة مع الخطط، وأنني أعرض نفسي لإنهيار بسبب الصرامة، وأني لم أعد -أو لم أكن قط- شجاعة كي أقول: لا أستطيع، ويبدو لي هذا صادق كفاية لأنني فعلًا أكره الفشل، مع أنني أعرف أنه نافع وفعال، ثم إن التركيز على كل صغيرة أو كبيرة يورثني الهرم، وبالرغم من أنه ليس سيئًا كثيرًا لكنه مؤذ، فثمة أشخاص يحبون الهرم، يعجبهم ذلك القلق الزائد تجاه الشيء، ويفرحون تلك الفرحة الاستثنائية حين يتلاشى القلق ويحل بدلًا منه الرضا بما وقع، رغم أنه لا يُنكَر أن الذي يقلق كثيرًا يفقد التمييز بين ما يجب أن يُقلَق بشأنه أو لا يُفعَل، وشيئًا فشيئًا تتدهور حياته، وتسوء صحته ابتداء من تساقط الشعر وانتهاء باصطكاك الأسنان عند النوم والتوتر، ويورثه الأرق، ثم إنه يغرق في أشياء عابرة جدًا، ويغفل عن المستقر…

قلتُ من قبل: إعمال الفكر بشكل مفاجئ بدون تدريج خطِر، وأظنني قد وقعتُ في الخطورة.

أقول في انستقرام: إن التأمل يورث التأني وإن كنتُ أُسميه تكاسل.. والآن أعرف أن التأمل يحتاج الضبط، توقف عن الاستغراق فيه لأنه سيبتلعك، ستنسى لم أنتَ تتأمل!

لن أضيف شيئًا من هذا الهراء، على كل حال، هكذا وأشد كثافة ما يغزو عقلي وتتفجر منه أفكاري، كل شيء.

تنقطع الكهرباء، يصمت الشارع تمامًا، أصوات بعيدة لمن يصغي بِجد، الناس يصنعون السحور وأنا هنا أفكر بلا هدف؛ أقول لأختي معاتبة: هذا عبث!، إنك تزيحين مهامك لأتفه الأسباب، أنتِ تؤجلين كثيرًا وهذا مرهق.

بعد نقاش طويل، تداعبني: أسماء؛ بَـ أقلِب اسمي…

بشرود أهمهم لتجيب: عبث!

أضحك بخفة، تكرر السؤال كل مرة وأجيب بنفس الشرود، وفي مرة أترصد لسؤالها وأجيب بأقصى ما يمكنني من تركيز: ايش؟

تجيب نفس الإجابة، أقول بابتسامة: وأني كمان ب أقلبه!

تنتظر الإجابة، أقول: شغب!

ماذا كنتُ أقول قبل هذا؟

لا يمكنني العودة لما كنتُ أريد قوله تحديدًا، ولكن بالنسبة للمشروع الملغي تقريبًا، سأتحدث بإيجاز شديد في محاولة يائسة لإزالة هذا الخيبة من نفسي، عن بعض العادات الأصلية في عدن لاستقبال الشهر وعن ما استورِدَ إليها منها.

بدايةً، أهم عادات أهالي عدن الأصلية هي إحراق إطارات السيارات التي لم تعد تنفع في الجبال كإعلان عن دخول الشهر أو اقترابه، حيث يصعد أطفال كل حارة مع شخص كبير أو أشخاص إلى الجبل ليحرقوا الإطارات هناك، وهذه العادة معروف سببها وهو أنه قبل ظهور التقنيات الحديثة التي نعرف بها الشهر ودخوله كانوا بحاجة لطريقة لمعرفة الخبر الأكيد، وخدمتهم هذه العادة في الفكرة، صحيح أنها لم تعد تعني شيئًا الآن ولكنها كموروث تقليدي فهي لا تزال مؤنسة، بصراحة لا أدري أثمة مناطق أخرى تقوم بالأمر مثلنا، إن كنتَ تعرف فأخبرني..

ثمة أناشيد للترحيب برمضان، ولكنها تعد من البدع خاصة حين تُعتلى المنابر ليُصدَح بها، وهي لا تزال موجودة في بعض المساجد القديمة مثل مسجد هاشم في المعلا، ومسجد العيدروس في شِعب العيدروس بكريتر، وعدة مساجد أخرى، حيث يحضر الأطفال والكبار لغناءها هناك عبر مكبرات الصوت، أذكر منها:

مرحب مرحب “بتشديد الحاء المفتوحة”، يا رمضان

شهر العبادة وشهر الصيام

رحِبوا يا صايمينا

شهر رب العالمينا

عاده الله علينا

وعليكم أجمعينا

من العادات التي اندثرت، والمعروفة في مناطق كثيرة من الوطن العربي هي: المسحراتي، تحكي لي أمي عنه، لكني لم أسمعه قط، ولم أعرفه.

بالنسبة للأضواء الملونة في الأزقة والشوارع، فهذه عادة مسروقة من مصر الجميلة، اشتهرت قبل ثلاث سنوات أو أربع أي بعد الحرب تقريبًا، خصوصًا وأن كثير منا سافر إلى مصر سواء للعلاج أو للنزوح وعندما رجع أتى بهذه العادة التي جعلت الجبال حين تنقطع الكهرباء مثل سماء الإنمي المليئة بالنجوم الملونة، وهي في الحقيقة أضواء مبهجة.

ثم هناك الزي، لم يكن هنا زيًا لرمضان مثلما هو زي القرقيعان في مناطق كثيرة من الخليج، ولكنه استورد مع الذين نزحوا إلى هناك في فترة الحرب، أو الذين رجعوا إلى البلد لعدم استطاعتهم تسديد الرسوم في المملكة، صارت هناك أقمشة القرقيعان، والكثير من الناس أعجبه الأمر ومضى به.

بالمناسبة؛ اشترت لي أختي بعض من القماش، ولم أختر تصميمًا لخياطته بعد، ظهر في فيديو نزلته على حسابي في انستقرام، ولكن مجرد رؤيته لطيفة.

أما النقش فلم أدرِ بعد من أين جاءت فكرته، أعرف أن الكثير من المحتفلين بالقرقيعان يضعون الحناء في أكفهم، ولكن الغريب أن ما انتشر هنا هو نقش الفوانيس والرسومات المعبرة عن الشهر، وليس تلك الحناء شبه العشوائية -والتي أحب بالمناسبة- للمحتفلين بالقرقيعان، هل يفعلها أهالي مصر؟ النقش؟..  لا أدري ولكني خمنتُ أن أصحابنا لم يروقهم الشكل فأخذوا فكرة النقش واختاروا الأشكال المعبرة بدلًا منه، إذ سيضحك الكبار منا إن قمنا بنقش تلك العشوائية وسيقولون بالذوق الهندي الحاد: اش دي البهدلة!

مع أني في الواقع، وضعته عدة مرات، يعجبني حقًا؛ بسيط ويشبهني، ولو أني أيضًا أقلل كميته كي يكون الاستنكار علي أقل!

اممم ماذا تبقى؟

الفوانيس عادة أصيلة لدى الكثير ونحن أيضًا.

آه صحيح، ثمة عادة مندثرة هنا، وهي أن يسهر الجميع ويخرج الرجال والنساء إلى ملتقى الحواري التي لا تمرها السيارات وأن يلعبوا ألعابًا شعبية معروفة، مثل:

أن يقف كل منهم في مواضع معينة تسمى بيوت، ويقف واحد منهم في وسط الدائرة، و يصيح ويرددون بعده الكلمة الأخيرة:

من كبته طيَر

بعد العشاء والنار

بيت … مبند “أي مغلق” (هو يختار البيت المغلق)

فيخرج كل من مكانه، ويغيرون أماكنهم، فيبقى واحد ليس معه بيت فيُطرد وتُستأنف اللعبة دونه.

وكذلك:

دم يا دم دم

دم … دم

ويذكر أشياء ويرد عليه اللاعبين بكلمة “دم” إن كان يحتوي على دم، أو يصمتون إن ذكر شيئًا لا دم فيه، والخاسر من يرتبك ويقول عن شيء بلا دم كلمة “دم” والعكس.

وكذلك: الدمنة، والشطرنج، والبطة، والغميضان، وسبع الصاد، وكثير غيرها؛ وسبب اندثارها واضح وهو معرفة الناس بحرمة الاختلاط، وكثرة السيارات إلى حد أنها تعبر كل الحواري، واختلاط الثقافات من بعد اللوثة –عفوًا.. الوحدة!- حيث لم يعد الكثير يستسيغ الأمر، وأيضًا تعاقب الأجيال واختلاف معايير الزمن؛ أحب الفكرة، ماذا لو تعود مع بعض التعديل؟ مثلًا.. الشباب وحدهم؟

وآخر عادة ذكرتها على طاري الألعاب الرمضانية، وأظن أنها عادة معروفة للكثير وهي الدوري الرمضاني للشباب، وقته من بعد العصر إلى قبل أذان المغرب، لا تزال معمول بها في النوادي والمدارس؛ كنتُ أتابع دوري حارتنا من على نافذة سقف المنزل، ولكن مع البناء العشوائي أمامنا حجب عني الرؤية، أليس الأمر بمحزن؟! كانت حماسية، وعرفتُ مهارات لم أصدق أبدًا أنها موجودة حولي، حتى الشجار أحببته، شجعت بإخلاص فريقنا..

هذا كل ما استطعتُ تذكره الآن، أحب التقاليد والعادات العتيقة، يمسني في العمق شكل أثير، شيء عريق، يجعلني أشعر بقوة الإنتماء، وعمق العروبة في، أشعر براحة الآن، أنا سعيدة لأني كتبتُ بصدق، محظوظة بهذا المتسع، محفوفة بكل هذا الأمل؛ شكرًا لكل من أهداني كلمة لطف، كل من ناولني جذوة من حب، مودة وقُرب💬

One Comment اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    شكراا لمشاركتك الأجواء الرائعة . . عشت معك فيها .. بخصوص التأمل التأمل لا يعني السهو والسرحان بل هو حضور قوي للعقل بالتدبر والتفكر في الأشياء .. ودائما أحب حروفك وتناصقها .. الله يحققلك كل ما يتمناه خاطرك ..💚💚

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s