أسمى من الزمكان

on

سهم

كانت عينيها زجاجيتان، وقفت وراء أمها كطفلة تخشى الضياع في نفس الوقت الذي تحاول به الهرب إلى مغامرة لا يعرف أحد عنها شيئًا، و لم أستطع إزاحة نظري عنها.

انتبهت لي، و سقط نظرها علي، فذهلتُ عما حولي، لم تكن ساحرة و لم تكن عينيها بلون السماء أو الغيم كي تلفتني، كانتا بندقيتان، و كانت تطل من ورائهما بهيئة بعيدة و قريبة في آن واحد، أخيرًا أفلتت إلى الجهاز الموضوع على الأرض أمامي و غارت نظراتها فيه.

عدتُ سريعًا لأتذكر، أمي تئن، و أخي الأكبر في عمله الذي لا ينتهي، الشقة الضيقة قذرة، و معدتي التي تؤلمني، و اختباري التاريخ غدًا، نظرتُ للجهاز أبحث عما لفتها فيه، و لما عدتُ بنظري إليها كانت تعاني من التردد، تقدم قدم، و تؤخر أخرى، و استغربتُ من المشهد، و تنهدتُ مشيحًا بنظري و مسحتُ رأسي بتعب، فإذا بها تقترب بحزم، و تمد لي بالقروش و هي تسأل و كأنها لا تعرف: بِكم؟

أجبتُ بصوت خافت لأنه لم يعد للإجابة معنى، فالنقود بيدي و هي قد اعتلت الميزان، تقوس هدبها فجأة و قالت بصوت باسم: ما هذا؟ من المؤكد أن سهم ميزانك شاطح!

قلتُ بتوتر: لا صدقيني، إنه مضبوط بدقة…

قهقهت بهدوء و قالت و هي ترتدي حذائها الوردي: أوه لا عليك، كنتُ أمزح، و لكن من الأفضل أن تلعب بإعداداته فذلك سيكسبك الكثير من الزبائن!

أفلتت مني: غش!

ابتسمت قبل أن تبتعد و قالت: كنتُ أعرف ذلك، وداعًا.

أسمى من الزمكان

كانت في البداية تطمئن نفسها بأنه خيال، و لكنها الآن لم تعد تشك، إنها كلما صلت شعرت بشيء داخلها يتحرك و يُقلِع، تشعر بالجاذبية تتحول إلى تنفيرية فتترك جسدها يسبح في مكان لا تدري أينهُ، و كلما أغلقت عينيها و فكرت غارت أكثر و تعمقت في محيط لا تدري كنهه، فيه أضواء متفرقة تمر كأضواء الشارع من سيارة مسرعة، و كلما أصغت للصمت و أنصتت وجدت عالمًا صوتيًا لا تدري كيف لا تنفذ مقاطعه و مقتطفاته؛ و الشيء الوحيد الذي لا تزال تشك فيه و تتشوق لمعرفة حقيقته هو: إن أطالت صلاتها و طارت فإلى أين تفِد، و إن ركزت و فكرت فمتى تصل، و إن استمعت و نصتت فكيف تدرك الصوت الأخير و شارة النهاية؟

خشخشة

فقيرة من الوصف، عارية عن الوصلات، مقطوعة من جذر عميق عتيق، مرمية بقربه يتهكم عليها الغادي و المار، عندما فقد الرصيف صديقها الوحيد ذاكرته سألها كل يوم بنفس نبرة الوهن و الطريقة الملِحة: من أنتِ؟

و أجابته كل مرة بمزيد انكسار، كل مرة، داست عليها أفراد موعد غاصت و تفتت، صرخت حواسها ألمًا، و لم يسمعها أي أحد إلا خشخشة حقيرة كما تلفت الانتباه بسرعة، تغدو ذكرى منسية أسرع.

دَقة قديمة[1]

من ضمن مواقفها العنيفة بدون اكتساب، استنكارها الشديد و استياءها الصارخ من صوت أطفال مستيقظين بعد منتصف الليل.. تحديدًا بعد أن تدق الثانية عشرة بالضبط!

مثل أي عجوز قديمة تمامًا، عاجزة عن تقبل فجر مختلف عما تعرف.

عقارب

إن العالم مليء بالأشياء المخيفة، و المفارقة الوحيدة في إدراك الناس لهذا الأمر أنها تبدو وادعة لطيفة و نافعة جدًا، و لكن عند نقطة الاحتدام تبدو في غاية القسوة و الخشونة، عقارب الساعة تنفع خنجرًا، و جسد السيارة يصلح للسحق، و كذلك وسادة الريش الحنونة يمكنها بكل بساطة أن تخنق طفل.

[1] مصطلح عدني يُقصَد به الشخص العتيق، صاحب الأفكار التي لا تتغير مهما تغير الناس و اعتباراتهم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s