“إلى من تنتمي؟”

صباح الخير أخيرًا من هنا، من المعلا الحبيبة، من بيتنا الذي أتذكر في كل عودة إليه _ولو كانت بعد انقطاع طفيف_ حال الآخرين ممن تركوا ديارهم لحرب أو فاقة، أسأل الله أن يكفيهم و يؤويهم و يخفف عنهم قلق التشتت و ضنك البعد…

كوب الشاي الملبن بقربي، مع ساندوتش بالفول السوداني، و قارورة المياه النقية، على الكرسي الأحمر الذي لا أدري لم أراد والدي أن يكون أحمر مع البلكونة الوردية، و ثمة الكثير من الأشياء الغير متناسقة ربما، و لكن العين لما تألف الشيء تجده رضيًا لا غبار عليه، مع ذلك ثمة مفارقة أخرى تجعل الأشياء الغريبة حولك جميلة جدًا و أليفة، و هي بالمناسبة الانتماء و حبُه، أقصد أن تنتمي للأشياء حبًا لها و رضًا بها، و في الحقيقة عندي فائض انتماء، قد يكون مُبَالَغ به حتى، و هو عدم تصوري نهائيًا كيفية العيش خارج نطاق عالمي و بيتي و مدينتي، و لأجل ذلك أرفض كل الطرق المؤدية للمغادرة، قد يكون كذلك خوف من المجهول، و لكنه لا يؤذيني أبدًا بعد، ما قدرهُ الله لي مهما كان سيكون مؤلمًا لي فإنه سيكون عين ما يناسبني و يليق بي، أي أنني بكل بساطة لن أغادر و لن أخالف فائض انتمائي حتى أشعر بالرغبة في ذلك، أو يُحدِثُ الله أمرًا، و ما دُمتُ أؤمن بأنه الأفضل فلا شك أنه سيجعله يُسرًا.

لو كنتَ تتساءل أين كنتُ، فسأجيب بشرط عدم الضحك، و إلا حسنًا.. اضحك كما تشاء إن شعرت برغبة في ذلك، أنا لم أغادر المدينة في الواقع، كنتُ في المنطقة المجاورة من المعلا و المسماة “القلوعة” محرفة من كلمة “قلوعن” و هي كلمة صومالية حسب ما قرأت، سماها الصومال الذين عاشوا هنا بذلك لأنها صغيرة و تشبه الممر من المعلا إلى التواهي، و اسم التواهي مُحرَف أيضًا من “الضواحي” أو بالأصح مُبسَط منها، و الواضح أن هنود من قاموا بالتحريف و اشتهرت المنطقة بهذا اللفظ، على أية حال بتُ عند أختي في القلوعة من الخميس إلى الجمعة ليلًا، و إن وجدتَ هذه فترة ضئيلة فأحب أن أقول بأنها بدت لي طويلة كفاية كي أشعر بطعم الأشياء الجميل في المعلا منذ عدتُ بالأمس، و بالطبع تختلف المميزات من منطقة لأخرى و ليس هذا الموضوع، و لكن “إلى من تنتمي؟

كان الغرض من بياتي هناك، الذهاب إلى حفل زفاف صديقة لنا يوم الخميس، و قد كان من أطول الأيام لأني جمعتُ بين الذهاب إلى دوام المعهد ثم إلى بيت أختي و تجهزتُ بسرعة قياسية كي نلحق بالعرس، و لحسن الحظ أن وقت العرس لم يكن طويلًا كبعض الأعراس، فقد غادرنا في العاشرة و الربع تقريبًا، و مع بنات أختي الثلاث لم ننم إلا في الثانية عشرة و النصف أو ربما أكثر، و الواقع أني لم أستطع النوم مباشرة لأن المكان مختلف علي، بالرغم من أنني كنتُ قد عشتُ تقريبًا و لم أبت فقط في هذا البيت معظم العام 2019م، و لكن منذ ذلك الوقت لم أبت عندهم إلا من فترات طويلة إلى أخرى، تغيُر المكان جعلني أسترجع حرية التنقل، و أهمية أن “يغير الإنسان الجو” مثلما نقول، و جعلني ألحظ اختلافات كثيرة من أناس منطقة إلى آخرين، و حتى طريقة الكلام و بعض الكلمات التي تختلف بشكل طفيف، جعلني أميز بين اهتمامات أناس هي في أعين آخرين توافه و العكس، و جعلني أتنبه لضرورة تقدير الناس جميعًا بكل خصالهم بدون مهاجمة من أول مرة، عليك أن تستمع ثم تستمع ثم تقدر ثم تقرر حتى يمكنك التوجيه إن كان هذا دورك، و مع أن الخصال تتغير و السمات فإني أتأكد للمرة الألف بعد الخمسطعشر: أن الانسان بسيط جدًا بطبيعته، و أن الاهتمامات الأساسية متطابقة عند الجميع، و لكنها فحسب تتفاوت.

في القلوعة، التداخل بين الناس كبير، و القرابات مخلوطة خلط حتى لا تكاد تجد شخصًا لا يقرُب لك من مكان لم يخطر لك ببال، و مع أن الاختلافات واضحة في بعض الناس، مثلًا متحرر و ملتزم، و مبسوط النعمة و قصير ذات اليد، صغير و كبير، و حتى رجل و امرأة، كل هذه الاختلافات واضحة جدًا عند الذِكر أو تقسيم الناس، و لكن عند التعامل يكون كل الناس متساوون و إن بشكل نسبي..

 قد يكون ما قلته الآن غريبًا أو غير مفهوم، و لكني أراه مهمًا جدًا، حيثُ أني أهتم لاختلاف الفئات، و قد أكون أدركتُ هذه الفكرة منذ وقت طويل، و لكني الآن استطعت صياغتها، فكما قلتُ: الناس هناك مثل بيت واحد كبير جدًا، و لكن بسبب هذا التقارب الكبير تكون الحساسية أكبر و الكلام أكثر و “قالت و قال” و كثرة فضول على أحوال الناس.

و صدق الشاعر محمد جار الله السهلي إذ قال:

عنده حساسية من الناجح الاقرب

والقرب لا زاد تزداد الحساسية

و لو انه مراقب أوضاعه و مُصلحها

كان العلاقات فـ الغالب حميمية!

الفرق بين القلوعة و المعلا، أن المعلا متفككة مع كل أسف، أقصد أن الناس غير مترابطين مثلما هم هناك، ربما لبُعد البيوت، ربما لطبيعة المنطقة المبسوطة بخلاف القلوعة المنكمشة على نفسها، و مع أن الناس هنا لا يضاهون ترابط الناس هناك إلا أنه ثمة بيوت معروفة بأنها مشرعة أبوابها لكل الناس على هيئة تجمعات يتم فيها تعارف الناس و اكتسابهم روابط مع آخرين، و هي بالمناسبة بيوت لم أسمع بوجود مثلها في أية مكان آخر في عدن على الأقل، و هي ليست بيوت يُكتَب عليها مثلًا “ادخلوا تتعارفوا” أو “نادي المنطقة” لا، بيوت لا يُشترط لزيارتها رفع سماعة الهاتف و طلب زيارة، أو مثلًا غرض لزيارتها، يُمكنك الزيارة لغير ما هدف سوى معرفة الناس أكثر و معرفة الناس لك أكثر؛ هذه البيوت قديمة في الغالب، و مُلك لأوائل الساكنين في المعلا، و لا يجب على أهل البيت أن يتكلفوا الضيافة، كل ما عليهم أن يقدموه القهوة باللبن و الحَب، و الخمير أو أية كعك موجود، و لا يجب أن يكون البيت شاهق الترتيب أو يكونوا مهندمين دائمًا، فقط يكون البيت مُبخَر، و الناس نظيفين و على بساطتهم، و من ضمن هذه البيوت بيت جدي و بيت أحد الأقارب البعيدين في حواري المعلا القديمة، و تبعًا لفرق ترابط الناس في المعلا و القلوعة فإن حديث الناس عن بعضهم يقل كثيرًا، و أحوال الناس تكون مجهولة غالبًا، و الأماكن هادئة و لا شائعات كثيرة، و بالطبع كل هذا فيما عدا البيوت المعروفة طبعًا و التي تكون قلوعة مصغرة من حيث أنها منبع القصص و التساؤلات و الفضول و الشائعات أيضًا، و كما ترى عزيزي القارئ ثمة نقاط لصالح هؤلاء و أخرى لصالح أولئك، و ما يحدد الأمر فقط هو: إلى من تنتمي؟.. مرة أخرى

منذ الصباح و أنا أنعم بعدم التحدث عن الناس لا بخير و لا بسوء، و أنا أستمتع بنوافذ مفتوحة بدون توجس من تدخُل البيت الملاصق في أحداث البيت، و أركض في بيت مشرع للسماء و الهواء النقي “و هذا من أكثر ما آذاني هناك، البيوت متلاصقة و الهواء مهما هبَ فلن يصلُك نقيًا”، و لكني في المقابل أصغي بشدة إلى الأذان البعيد نسبيًا عن صوت الأذان الذي يملأ البيت في القلوعة، و أفكر ببنات أختي و الجو المرح هناك فأقول: العيش معهن جميل و مُنعش و لكنه يحتاج نَفَس طويل لأن الهدوء و بضع لحظات تأمل شبه مستحيلة في تلك المنطقة، و أقارن النظام في تقرير المواعيد هناك و تقديرها بدقة و الفوضى هنا في تقرير أي موعد أو مشوار، و فوضى المواعيد أسوأ ما يسوؤني في العالم، خُذ مثلًا يوم الخميس لما كنتُ أتأهب، أصابتني حُمى و ارتجاف و ضريب و كل ذلك بسبب التوتر و الارتباك من الموعد غير الدقيق، و المشاوير المتلاحقة بدون ساعة توجهها و تحدد ابتداءها و انتهاءها بدقة، أكره فوضى المواعيد، و عائلتي تعرف و لكنها لا تملك من الأمر شيئًا، هكذا تسير الأمور هنا، الاهتمام بالجديد يكون هائل لأن الأخبار لا تأتي دائمًا أو مبكرًا على الأقل، و الشائعات هنا يكون التفاعل معها كبير لأنها قليلة و تكاد تتساوى مع الحقائق، مع أن التعامل مع الحقائق يكون هادئ و معتدل، خُذ مثلًا أزمة البنزين الآن، في المعلا الأمر طبيعي و عادي جدًا، في القلوعة الأمر هائل و الاعتراض و القلق ساري بين الناس بشكل جعلني أقلق أنا و ما شأني؟!، أو قصة اغلاق المساجد من جديد، القصة هناك تغلي، و هنا لا يكاد أحد يعرف بالأمر ما يؤكد أنها شائعة حتى اللحظة، على أية حال، أنا أنتمي إلى هنا، إلى هذه الأرض.

خرجنا يوم الأربعاء لشراء دفعة من ملابس العيد، و اليوم قد نخرج، مع أني أحب الذهاب إلى السوق في رمضان يومين أو ثلاثة، و لكن ليس أكثر كما حدث في الرمضانات “جمع رمضان من كيسي” السابقة، فقد كانت شهور تسوق لا شهور صيام، نسأل الله العفو، الأيام تجري، و الامتحانات تحث الخطى و تتضاعف برودة الشعور عندي ككل مرة، أعرف أني سأقلق عند استلام أي ورقة، و لكني سأواصل الشعور بالهدوء حتى ذلك الوقت، كل ما أتمنى أن لا يطولنا موسم الأعراس المجنون هنا، يجب أن آخذ حصتي من الهدوء قدر الإمكان، لا زلتُ تعِبة من مظاهر الزفاف التي هي بنظري: حزينة جدًا كأي مأتم.. هل يبدو هذا غريبًا؟ دعني أقول لك: عندما تُفتَح أغنية دخول العروس يحضرني بكاء هائل و حزن غائر، لا.. ليس ما تتخيل، أشعر و بدون مبالغة أنها تذهب إلى حتفها برجليها، و هذا ليس اعتراض على شريعة الزواج أو ما شابه، و إنما شفقة عميقة لأن كل حياتها متروكة وراء ظهرها الآن، لقد وقَعَتْ على بدء حياة مع شخص آخر عليها أن تكون عاقلة جدًا في بناء حياتهما، عليها أن تكون صادقة جدًا كي تنجح، عليها أن تمسح على قلبها كل يوم بمرهم الصبر كي تستطيع الاستمرار حتى يرسخ البيت، عليها و عليها… أوَ تستطيع؟ و إلا فلتنسحب مجددًا، و الانسحاب ليس خسارة، بل تجربة كافية لتقرِر: أهي كافية قادرة على الأمر أم أنه لا يزيدها إلا وهنًا؟.. اختيارات كثيرة، و عليها أن تكون حصيفة في اختيارها، أسأل الله أن يهدي الجميع إلى التصرف الأسلم و الاختيار الدقيق.

هذا كل شيء الآن، سأعود ثانيةً ما دامت لي مساحة للتأمل و استخراج المزيد من بحر قلبي.

8 رأي حول ““إلى من تنتمي؟”

  1. فلأبدأ بالتعبير عن فرحتي عند رؤية منشورك ههه و الله فرحت جدا .. لأن حروفك مريحة و سلسة و لغتك أعشقها ..عربية حرة غرة لا غبار عليها ..أتلذذ بها و أتنغم ..و أنا أيضا من أصحاب الانتماء الفائض هههه و هو على فكرة جميل و مريح ..و الله لا يضيع رزق أحد و هذا كاف .. أدام الله بركته عليك ..و حفظك من كل سوء وأهلك و جميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات .. و لا تغيبي كثيرا 💛💛

    Liked by 1 person

  2. دائماً أقول أنني أحب هذا النوع من التدوينات. فهي تسمح لنا بمعرفة كيف تسير الحياة على الجانب الآخر من الحدود. أتمنى أن يدون الكثير عن حياتهم وبلدانهم مثلما فعلتِ يا أسماء. شكرًا لك 💗

    Liked by 1 person

  3. اهتمامك بتدوينتي أبهجني كثيرًا يا سلمى، أنا شاكرة للطف كلماتك و عذوبتها و لوجودك هنا كل مرة بعبقك الخاص💙
    آمين يا رب و إياك يا عزيزة، أهلًا بك دائمًا🌻

    Liked by 1 person

  4. ليتني أعرف ما أسم هذا النوع يا بسمة 😅؛ أوافقك، ثمة بهجة خفية في معرفة سير الحياة على الضفاف الأخرى، شيء من حميمية جميلة، العفو يا جميلة، و أهلًا بك دائمًا💓

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s