ملامح فكرة النمو ⏳

مرحبًا، عسى أن يكون الجميع بخير.🌻

جلاء، طالبة من الصف الأول، قصيرة و ممتلئة بعض الشيء، في السادسة من عمرها حسب ظني؛ فكرتُ بإضافة جو من المرح في الفصل قبل بدء الحفظ و المراجعة الجماعية معهن، فأخبرتهن أن يعلمونني لعبة الأيدي التي تصاحبها دائمًا أنشودة، مثل: “كا كا كا، كان في الغاباتِ” و “آمينة.. نورتينا” و ” شرم برم ديكو، شرم برم كبسة” و غيرها، منها الشعبي هنا منذ كنتُ طفلة، و بعضه مسروق من الثقافات الأخرى، و الغرض في كلها اللعب.

كانت جلاء متحمسة، و حدثتني بفصاحة عن ألعاب كثيرة جميعها كانت تحفظها، بعضها بلهجة مصرية خالصة و بعضها أيضًا بلهجة شامية، و وقفن البنات ينظرن إليها بغيرة واضحة على معرفتها كل هذه الألعاب، بينما وقفت دَهِشة بعض الشيء فهي في الحصص صامتة و شاردة، و كذلك علاقتها مع زميلاتها ليست قوية، كما و يظهر بوضوح العناد الذي هو جزء من شخصيتها، و الذي أتغاضى عنه كل مرة و أتظاهر بأني لا أرى رفضًا للأمر، فتستسلم على مضض و هي تنظر لي على أنني أكثر معلمة شريرة في حياتها؛ على أية حالة جلاء جعلتني أفكر مجددًا بالمسألة التي لفتتني من قبل عن الطفل و أقرانه، أو بشكل عام الانسان و جيله الذي معه، أو دعونا نقول “الكائن الحي” و أشباهه لأن البعض بعيد جدًا عن مصطلح إنسان و لو كان ينمو.

ألحقتُ هذه الفكرة بمصطلح “النمو”، و هي تستوقفني كل مرة عند حدوث اختلاف ملحوظ في اجتماع الناس ببعضهم، و أقنعتُ نفسي بأن النمو أقسام و هي: النمو العُمري، و النمو الجسدي، و النمو المعرفي، و النمو الفكري، و النمو العاطفي.

و وجدتُ هذه الخمس تلخص لي الفكرة كلها، و لمزيد من التثبيت في رأسي كي لا أعود للفكرة كل مرة من البداية وضعتُ بعض الأفكار الرئيسية فيها، أما النمو العمري فهو الذي لا يتوقف إلا بالموت، و النمو الجسدي فله جوانب عديدة منها ملامح القامة و نمو الدماغ و غيرها، و أما النمو المعرفي فهو كل معرفة تضاف إلى الانسان و قد تغاضيتُ عن لفظ “علمي” لأن ثمة أناس لديهم معرفة و لكن ليست عن طريق العلم بل عن طريق التجربة أو المشاهدة حتى، و أما النمو الفكري فهو أشد هذه الأنواع شدًا لي و جذب فهو يمثل الضابط للنمو المعرفي و المكمل له، لأن الفكرة توجه المعرفة، و هو ببساطة كل فكرة نظمت معلومة لديك أو معرفة بشكل عام، أحيانًا أفكر بإطلاق اسم “اجتماعي” له، و لكني أعود فأقول ثمة منعزلين عن المجتمع أو صموتين و مع ذلك فنموهم الفكري عالي و توظيفهم لمعارفهم شيء يثير الدهشة، ثم نجيء للنمو العاطفي و لا أقصد به ما قد يجيء للذهن أول مرة، بل كل عاطفة تصدر من الانسان تجاه أي شيء، سواء رحمة أو بغض و غيرها من العواطف التي تدفعه للفعل على هذا الأساس.

عندما أتحدث عن فكرة النمو هذه لا أقصد الفلسفة أو أن أنشئ قواعد و علم من كيسي، بل أقصد تبسيط الفكرة قدر الإمكان كي يمكنني عقلها، ثم إعمالها على جوانب النمو عليَ أو على غيري، ففضلًا عن المتعة في معرفة معدل النمو لدى شخص ما، تستفيد من ذلك برؤية حالته كاملة أمام ناظريك كي تعرف ما جعل نموه بهذا المستوى.

في مسابقة The Liebster Award للمدونين، أوردتُ سؤالًا و انتظرتُه مع كل مجيب عن أسئلتي، كنتُ متحمسة له جدًا و هو: لو كان لقلبك عمر يختلف عن عمر جسدِكَ فكم سيكون عمر قلبك الآن؟

و في مقالة رفاق عن الفضول، أحببتُ أن أدلي بدلوي، فأنا أيضًا فضولية جدًا و الدليل سؤالي، و تفكيري المتواصل بفكرة النمو.

بدايةً ما جعلني أحسب العمر نموًا، هو الصراع الدائم بيني و بين أختي التي تكبرني بعشرة أعوام و شهرين بالضبط، فإذا ما قلتُ أن عمري 19 نفت الأمر و قالت بأن عمري 20 لأن عمرها 30!

و بعيدًا عن طريقة الحساب المختلفة بيننا الاثنتين، فإن فكرة مضي السنين معي بدون تقدم في بعض جوانب النمو لدي ترهبني، لذلك أعود لفكرة النمو كل مرة لأفكر بها بجدية أكبر و رهبة.

و إذا استبعدنا النمو “العمري” الواضح، فسننتقل للنمو “الجسدي” و هو مُلفت للانتباه في تفاوته بين شخص و آخر، و أظن أن فكرة النمو كلها بدأت معي من عنده، عندما أسرت لي امرأة أخي بعد حرب 2015م في نقاش عن بُنيتي بأنهم كانوا حابسين أنفاسهم خلال فترة الحرب عندما بدأت بوادر اليأس تلوح لهم بأن نموي “الجسدي” قد توقف، ذلك بأني بقيتُ لأعوام طويلة قبل الحرب بنفس الطول و نفس الحجم و نفس الشكل، فلما بدأت الحرب و استمرت تخيلت عائلتي بأني مع أوضاع مضطربة كهذه و بسن من الضروري أن أتغير فيه قد لا أنمو أبدًا بعد ذلك، و بعد عودتنا إلى بيتنا و أنا لم أنمو بعد، بدأت عائلتي تفكر جديًا بأخذي إلى طبيب و معرفة السبب على الأقل، و لكن بما أن المدينة كانت شبه فارغة بعد عودتنا اضطررنا للانتظار حتى تعود الحياة لها، و ما إن بدأت مظاهر الحياة تعود للمدينة حتى طالت قامتي قليلًا و بدأتُ أتغير، و بالرغم من أن معدل النمو كان طفيفًا إلا أنه جعل العائلة تتنفس الصعداء و تهدأ، و رويدًا رويدًا عدتُ أنمو بشكل طبيعي، و إن بقيت قامتي لا تتجاوز 151، و لكن ليس مثل أن أبقى نفس الشكل لمدة أعوام متتالية، عندما أقول لأمي: أريد أن أعرف ما هو الطول الأخير الذي يمكنني وصوله برأيك؟

تنظر لي بتعب و تقول: المهم انك طولتي.

بينما يقول لي الآخرون: لا تحلُمي بأن تطولي الآن، فنموك قد توقف ببلوغك هذا السن! و السؤال: أحقًا توقفت؟

مع العلم أن نمو جسدي أبدًا لم يرتبط مع نمو المعرفة لدي، فقد كنتُ طبيعية تمامًا و ربما بشكل مبالغ قليلًا، و بهذا بدأتُ أفكر بجدية في مسألة النمو.

“كريستي براون” صاحب كتاب “قدمي اليسرى” مثال جيد عن النمو الجسدي الذي لا يرتبط بأقسام النمو الأخرى.

عندما أقول النمو “المعرفي” أتذكر كم كانت حصيلتي تلك الفترة _فترة الحرب و ما قبلها و ما بعدها_ هائلة، و لو قارنت معدل معرفتي الآن و في ذلك الوقت لوجدت أن تلك الفترة كانت شاهقة جدًا و هذه متوسطة إن لم تكن قليلة، و السبب أني نسيتُ الكثير، و تركتُ الاهتمام بالكثير، و خلاصة الأمر أني تغيرتُ فحُصِر جانب معرفتي فيما يهمني أو يعنيني، أي أني لم أعد تلك الفضولية لمعرفة ما يجب و ما لا يجب؛ و برأيي أن معظم اليافعين يكون نموهم المعرفي هائل و السبب الفضول الأول لمعرفة الأشياء و الحياة بشكل عام، ثم يبدأ بالتضاؤل حتى يستقر على الجانب الذي نجح بشد انتباههم و اهتمامهم، أو ألزمته الظروف عليهم مثل أصحاب القرى الذين تُفرَض عليهم بعض المعارف بحكم الظروف و منها الزراعة و الرعي و الحرف اليدوية و الطبخ مثلًا و غيرها، و بغض النظر عن أنها قسرية أو غير قسرية فهي تُعتبر معرفة جديرة بالاهتمام.

إن كُنتَ غير متقبل أن فكرة النمو المعرفي مرتفع عند اليافعين فسأضبط لديك الأمر بجانب النمو “الفكري”، هل يستلزم من عارف بالشيء أن يملك فكرة أو أفكار صائبة عنه؟ بالطبع لا، و انظر حولك.

عندما يكون الشخص لديه رصيد معرفة عالي بشيء من الأشياء فإن طريقة تعامله معه تعتمد مع الفكرة التي كونها عنه، على سبيل المثال أنا كاتب و لدي معرفة بآلية الكتابة و طريقة السرد الصائبة و كيفية عرض النصوص، و لكن لدي اعتقاد جازم بأن الكتابة شيء صعب و يحتاج تمحيصًا دقيقًا و مراجع خارقة و طريقة عرض معينة كي ينجح النص، هذه هي الفكرة التي ستموِه المعرفة التي لديه، و غير ذلك من الأفكار التي تظلم المعرفة كثيرًا.

النمو “الفكري” عميق و القليل جدًا من تستطيع الجزم بأن نموه الفكري مستقر، و بما أن هذا النوع من النمو أكثرها شدًا لانتباهي فإنني أعترف بأن نموي الفكري بطيء جدًا، و عليه أذكر حقيقة أني لا أدرك الفكرة الحقيقية للشيء من المرة الأولى و لا الثانية حتى، فالتكرار لا يساعدني على الادراك بل الشيء نفسه بمقادر اهتمامي به أو حتى لفت انتباهي إليه، أحاول جاهدة أن أدرك الحقائق الفكرية بشكل أسرع و أن أتخذ الفكرة المناسبة كي تكون الطريقة مجدية، و لكني لا أزال أخفق مرة و أتجاوب مرة أخرى، الأمر بالنسبة لي مهم، و منه غربلة الأفكار القديمة و إصلاحها أو تغييرها نهائيًا تحت مبدأ: التغيير يعني المضي نحو رؤية أفضل.

و أما بالنسبة للنمو “العاطفي” فلا يزال عندي ضئيل، و منه توجه عاطفة خاطئة نحو الأشياء، و غالبًا يكون الخطأ لدي في ترجمة العاطفة بالشكل الصحيح، مثال على ذلك: أنا أحب هذا الطفل، إذًا سأكون متقلبة المزاج معه، فمن ناحية أريده أن يكون صالحًا و لطيفًا و من ناحية أخرى لا أريده أن يكون ضعيفًا أو مستهتر، يتجلى هذا في تعاملي مع الأطفال، أداعبهم بكل وسيلة لدي و لا أضجر، و لكني فجأة أتنبه إلى أن هذا الطفل قد نسي الفروق بين الجد و المزاح، و الاحترام و الاستهتار، و هنا يتبدى الخلل في نموي العاطفي و توجيهه نحو الطفل الذي أحب، فأقسو بشدة و أظهِر بعض الحدة، و قد يُفاجأ الطفل بي و بتغير سحنتي أو أسلوبي، و يصيبني إحباط شديد لأني خرقتُ التعامل اللطيف بيننا، فأضطر إلى المزج بين الشدة و المداعبة، غريب صحيح، و لكن لضآلة نموي العاطفي أقوم به، يُصيب الكبار مني بدهشة لهذا الأسلوب، و يشعر بعض الأطفال بأني مجنونة أو ما شابه، إلى جانب أني أشعر بالضيق و كأني سأنفجر، و لكن بشكل عام يتجاوب معظم الأطفال مع هذا الأسلوب، فنداعب بعضنا و نلعب، و لكن عند اقتراب المشاكسة أو الاستهتار فإنهم ينظرون إلي بشيء من الحذر و الخوف لأن حدتي ستظهر فجأة و بلا مقدمات، و حتى اللحظة لا أعرف كيف أحكِم عاطفة الحب مع عاطفة الاهتمام، فمن ناحية لا أستطيع القسوة من البداية بلا غرض، و من ناحية أخرى لا يمكنني الدخول بطريقة مبالغة في المزاح إلا إن كنتُ سأتحمل النتيجة و هي: سقوط أي هيبة لسني!

و بعيدًا عن الأطفال، فعاطفة الغضب لدي معها مشكلة، فإما أن أكتمها حتى تنفجر بشكل مجنون في وقت لاحق، أو أن أفجرها فتظهر بطريقة ليست لصالحي أبدًا، و عاطفة الاحترام فإما أكون مهذبة بشكل جاف أو متبسطة بشكل لا يرضي البعض، و عاطفة الخجل، و الخوف، و الحُزن… بشكل عام لا يزال عندي النمو العاطفي بطيء جدًا.

و لكن المهم أنه ليس جامد أو معدوم، و المخيف هم أولئك الذين لا عاطفة لديهم كي تنمو، و هم البعيدين بالطبع عن مصطلح انسان، هم يفكرون و يعرفون و يكبرون و لكنهم لا عواطف لديهم، مثل آلات، كل شيء يفعلونه لداعي الفائدة أو المصلحة، و إن كنتُ من قبل قد قلتُ بأن لا وجود لمن لا يشعر، فإني أعود و أصحح، ثمة في هذا العالم من لا عاطفة لديهم، موجودون هم و لكن لا نمو عاطفي لهم و أحيانًا لا نمو فكري أيضًا، لأن النمو الفكري يجعل الشخص أسمى و أرفع، لا غضب و لا حزن و لا فرح و لا رحمة و لا عطف… آلة تمشي على قدمين.

بعد كل هذا فمحور النمو المعرفي و الفكري و العاطفي هو الفؤاد، و من لطائف القرآن الكريم أن لفظ “الفؤاد فيه يرمز للقلب، و برأيي لا تضاد بينهما، حتى و إن كان القلب بشكل تلقائي يوجهنا للشعور، و العقل يوجهنا للفِكر، ثمة تلاقي بينهما تجمعه كلمة “الفؤاد” في القرآن الكريم.

قال تعالى و تبارك: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

و بالمناسبة على ذكر أن القلب يوجه تلقائيًا إلى الشعور، فدومًا كانت لدي تساؤلات عن أن الجمادات تشعر أو لا، لم أبُح لأحد بهذه التساؤلات كي لا يظنونني مجنونة، و لكن قبل فترة أخبرتني أختي عنى فتوى أن الجمادات تشعر بدليل قوله تعالى: (فأبين أن يحملنها و أشفقن منها)، و هي عن أمانة الأرض و توحيد الله، فدُهِشتُ و سُررتُ بأن تساؤلاتي لم تكن من عبث، و لكن يبقى الغيب عند الله بـكيف تشعر؟ و هي التي لا قلب لها و لا عقل! سبحانه.

و بمناسبة أن الجمادات تشعر فإني أفكر بإضافة نشرة صغيرة خارجة من الخيال عن حيوانات و جمادات و أعرض فيها بعض القضايا الحياتية، لا تزال الفكرة تُطبَخ، و جل ما أتمنى أن تكون هادفة و ماتعة في نفس الوقت، و سوف أنجح بإذن الله.

حسنًا سأضع معدل نموي في جميع الأقسام حسب ظني:

العُمري 19%

الجسدي 50%

المعرفي 45%

الفكري 18%

العاطفي 33%

لا أدري لماذا اخترت الكسور هذه، سوى أنها ناسبت ظني، و لكن بشكل عام العشرات هي الأهم، كيف هو نمو الآخرين؟ هذا هو السؤال الفضولي الذي يجعلني أستزيد في فكرة النمو بحثًا و فحصًا؛ أما الجميل في كتابة هذه التدوينة أني أستطيع رؤية ملامح فكرة النمو بشكل أفضل و مبسط.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s