لمَا كفيتُ قلبي مؤنة القلق🎡

في أي وقت افتتحتَ هذه الصفحة، صباح الخير لك أو مساء الخير، و في أية حال عسى أن تكون أيامك عامرة بالخير و الطمأنينة؛ حسنًا.. سأكتب طويلًا، حتى أشعر بالضجر أو أتوقف من تلقاء نفسي، حديث لا جدوى ظاهرة منه و لا مغزى معين، مثل يوميات متراكمة، مثل وعاء و عليه أن يفيض لأنه ليس معجزة، مثل الجسد و مسامِه، عليه أن يتعرق كي لا يتسمم و تبقى حرارته منتظمة، لن أطيل الشرح، لكن أحببتُ التنبيه كي لا أكون ثرثارة مُتعِبة.

أجلس في زاوية البلكونة الكبيرة، بقربي افطاري، و كوب الشاي الملبن مع إضافة منذ الأمس و هي مُعتَبَرة: الزنجبيل!

منذ وقت طويل احببتُ إضافته، بيد أنه لما عرف أفراد الأسرة بهذا تعجبوا و ضحكوا، و رغم أني واصلتُ إضافته بعناد، إلا أني بعد وقت قصير بدأتُ أتوقف عن ذلك بالطبع تأثُرًا بتعجب الآخرين و استنكارهم؛ حتى عدتُ في الأمس من الموعد الرهيب، حتى قررتُ ألا أنام حتى يحين الليل أولًا لأني أكره قيلولة الظهيرة خاصة و جميع القيلولات “هكذا -.-؟” عامة، و ثانيًا لأنها فرصة لتقريب موعد نومي، و فعلًا افتتحتُ رواية “البيت المائل أو الأعوج” لاجاثا كريستي، و بقيتُ أقرأ و لكن طبعًا بأشكال متعددة من الاستلقاء، حتى وصلتُ إلى مرحلة الغفوة اللذيذة تلك، و بعد عدة محاولات نجحتُ في إحباطها و استئناف القراءة شاعرة بانتصار لذيذ في ايقاظ نفسي منها، جاءت المرحلة التي غبتُ فيها عن العالم و المشكلة أن اللاب توب كان يرقد على قدمي، و يبدو أن أمي مرت فأخذته بعيدًا، المهم أني وعيتُ عدم وجود اللاب توب، فنظرتُ حولي و وجدتُه ساكنًا في زاوية السرير، و بدون أن انتظر استعادة وعيي كاملًا، سارعتُ بالوضوء و أداء صلاة العصر بعد أن وجدتُ وقتها قد دخل، و أن المساجد للتو أنهتها، و المصيبة اني أصلي و وعيي يروح و يجيء، أخيرًا بعد الصلاة، أخذتُ حمامًا باردًا كما أحب، و سرعان ما استيقظتُ تمامًا، بيد أن صداع مجنون أخذ يطحن رأسي مثل يد الطاحونة، ذلك النوع من الصداع لا يقبل استئناف النوم، و لا يأبه للاستيقاظ، كنتُ أتنقل من الأماكن كما لو أني سأفتك به و ألقيه في زاوية، و أخيرًا قررتُ أن أصنع كوب شاي أحمر، ثم لأشرب أي نوع من أي شيء يصمت هذا الجنون، و لحسن الحظ كان إبريق الشاي مليئًا بشاي للتو صنعه أحدهم، فسكبتُ بأكبر كوب في المنزل، و وجدتني أضيف عليه أية بهارات ثقيلة: زنجبيل، قرنفل، بهارات شاي متنوعة، و هيل، و لو لم أكن بحاجة ماسة لشربه ذلك الوقت لاعتكفتُ أمام درج البهار و خلطتُ ما لم أخلطه في عمري و حياتي!

الغريب في ذلك الصداع أنه جعلني أشعر بارتعاش برد مزيف، فارتديتُ جواربي و القميص الصوفي الخفيف و تخيلتُ بأنه يكفي إلى جانب كوب الشاي الحار، و بأعجوبة… أقصد ليست أعجوبة، لقد فهمتُ بعدها ماذا حدث، بعد كوب الشاي و قطعة معمول صغيرة بدأ الصداع يرتفع تدريجيًا، و استيقظتُ تمامًا تمامًا، و استوعبتُ المُشكلة، و هي أني لم أتناول أية سكر طيلة اليوم، حتى كوب الشاي الصباحي لم أشربه لأني كنتُ مشغولة بتحضير الكلمة و حفظها ثم التجهيز على عجل للذهاب، و يبدو أن السكر انخفض بعض الشيء، هذا تخمين بالطبع، و لكني فكرتُ به باعتبار الأعراض، النوم الغريب ذاك.. لا الأصح كان موت صغير اختفيت فيه نهائيًا، ثم الصداع الرهيب الذي كان حائلًا بيني و بين استعادة وعيي كاملًا، و درجة حرارتي و الوهن، المهم.. ما إن أنهيتُ كوب الشاي و قطعة المعمول، حتى صمت رأسي تمامًا، و هدأ جسدي و عدتُ لحرارتي الطبيعية، و الأهم أني لما هدأتُ شعرتُ بطمأنينة و راحة لا توصف، مهما كنتُ قد فعلتُ في الموعد الصباحي، و رغم أي شيء آخر مزعج، كنتُ بذلك المزاج الدافئ، الذي يجعلك تبتسم بوجه الجمادات و الكائنات على حد سواء، و الذي يجعلك تهتف بتحميدة طويلة و قلبك غاطس في لجة رضا و سلام، الحمد لله.

كنتُ سأكتب، بل و شعرتُ برغبة كبيرة في ذلك، لكني نحيتها جانبًا و ركزتُ على الأهم: السكينة الثمينة هذه، خفتُ أن تتبعثر بالكلمة.

كان الإثنين أشد وطأة علي، كان فيه الاختبار المؤجل، و موعد تسميع قرآن على الانترنت، و اجراء بروفة الالقاء و الحفظ مع المعلمة لموعد الصباح، و قبل هذا كله و في طريق الذهاب للدوام، واجهتُ وجهًا معروفًا مألوفًا لم يكن أبدًا لصالحي رؤيته في ذلك الوقت، وصلتُ المعهد، و أنا غارقة في نوبة ذهول، دخلتُ حصتي عند البنات الصغيرات بصوت مخنوق، و بعدها اختبرتُ بفتور رغم أن الأسئلة كانت محمومة، و في طريق العودة وصلنا اتصال من أخي يأمرنا بالعودة من طريق “العريش”، لأنه ثمة انفجار و فوضى في المنطقة، و طريق العريش هذا طويل و نصفه مهجور، و لا نعرفه جيدًا، و لكننا شغلنا جوجل ماب و نجحنا في الوصول بحمد الله، لم تكن الشبكة في الطريق قوية لذا الحصول على الخبر كان صعب، و قبل دقائق قليلة من أذان العشاء، وصلنا بحمد الله إلى المعلا، و اكتشفنا ان الانفجار فيها و ليس في الطريق البحري!، كانت عبوة ناسفة لمسؤول هنا و بفضل الله نجا من الموت بإصابات هو و حراسته، رد الله كيد المخربين و لا أبقى لهم باقية، و شفى الله المصابين و عافاهم.

في المنزل كنا جميعًا مرهقين لتوترنا خلال الطريق الذي لا نعرفه جيدًا و نمره لأول مرة أنا و أختاي وحدنا في سيارتنا و الوضع “مخبوط”، ارتمينا على الأسرة بعد أن لحقنا صلاة المغرب بأعجوبة؛ بعد قليل حضرت ابنتا أخي، فبقيتُ ألاعبهن و أداعبهن حتى هلكت فغادروا، و دخلتُ موعد التسميع و لم أقرأ الكثير مع الأسف، و لكني أفكر بالتعويض اليوم، ثم اتصلت المعلمة لإجراء “بروفة” للإلقاء، فصعدتُ للسقف لأجل الشبكة و إذا برائحة حريق قوية و سيارات الإطفاء تروح و تجيء في الشارع الرئيسي بجنون، أجرينا التجربة و أخذتُ بعض الملاحظات، و أخيرًا سقطتُ على الأريكة و أمضيتُ الوقت بعناد في التسكع في اليوتيوب، لعل هذا اليوم العجيب ينتهي بدون مزيد فوضى.

لم يكن موعد الصباح شاهقًا بأحداثه، كان باردًا عاديًا تمامًا، و عدتُ لأتذكر عادتي في الضيق عند رؤية بهرجة احتفال، و هكذا كنتُ دائمًا و لا أدري تحديدًا ما السبب، قد يكون التكلف، قد يكون التوتر، و ربما التصنع و عدم التقديم بطريقة جذابة، المهم أني كنتُ أتضايق في معظم الحفلات من هذا الشيء، و كلما كانت الحفلة أشد نظامًا و ترتيبًا كنتُ أشد ضيقًا و امتعاض، و عندما وصلنا للمنزل قلتُ لأختي بتعب: هل تعلمين يا مها؟ أكره الكمال، أبغض النظام المُبالغ و الدقة التي لا تدع حيزًا للإبداع. و هزت رأسها و ضحكت

كان حفل دفعتي التي يجب أن أتخرج معها، و بسبب الظروف و الأهم منها تكاسلي… المهم، لو قلتُ أني شعرتُ بالغربة أوَ سيكون قلة أدب، حقًا شعرتُ بالغربة، لا ليس من الاحتفال نفسه، بل بالتحديد من زميلاتي اللواتي درستُ معهن ثلاث سنين و بعضهن أكثر، لم تكن تلك الغربة بسبب أنني لم أتخرج و هم فعلوا، أبدًا و الله، بل الحق أني أشعر بالحزن لكل فئة تتخرج و تذوب في وسطها الاجتماعي للأبد لا يصلنا منها إلا أنباء هائلة، الغربة بسبب المثالية الزائدة التي غلفوا بها حفلهم، كانت تلك غربة و خيبة، تصور كم كان قلبي غائرًا في الداخل!

كنتُ أعرفهم بسطاء، راضين بالعفوية، قابلين للطبيعية الدافئة، و لكن يبدو أن ذلك كان وهمًا، أو أني كنتُ أفتعل ذلك فيما بينهم فحسب، يااه، ما أفظع أن يكون تأثيرنا مؤقت!

في فقرة مسابقة، رفعتُ كفي لأجيب بغرض المداعبة لبنات الفصل، كان السؤال هو من الذي قال له النبي صلى الله عليه و سلم: (أنتَ مني و أنا منك)؟ و كنتُ قد قرأته قبل بضعة أيام فحسب، و كان في الحديث (و هو حديث الحضانة) ثلاثة صحابة هم جعفر و زيد و علي رضوان الله عليهم، و لكني فوجئتُ باختيارهم لي لأقوم بالاجابة، أو بالأصح المديرة من أشارت علي لأنهض، قلتُ: جعفر بن أبي طالب!

كانت الإجابة بالطبع خطأ، كان علي و لكني غفلت، و مازحتُ البنات قائلة: هو نفسه، أخوه علي.

ضحكن، و لكن ما أدهشني هو حنق إحداهن، كما لو أنها تقول لي: لا تخربي الحفل!. و قامت تشرح بأنهما ليس مثل بعض، لأن كلاهما شخص مختلف…

أكانت تلك المداعبة ستفسده حقًا؟ و لكن أوَصَل الكمال إلى وأد أية بساطة و عفوية؟ الحق أني لم أتصور أن يُزعج أحد حضوري، و لكن بمَ يُزعج؟ إن كان على أحد ما أن يُصاب باكتئاب فهو أنا لأني لم أتخرج، و لكني في الواقع لستُ مكتئبة أبدًا، حقًا، بل و أفكر بأن أستلم شهادتي بدون حفل، إلا إن كان بسيطًا جدًا.

تفهمتُ توترها، هذا يحدث، تكون مشغولًا بأمر، و يحدث أن يأتي شخص يداعبك فلا تستطع التقبل، نظرتُ لها بدهشة، فحولت عينيها عني، و ابتسمتُ… يصعُب على المرء أن يتخيل الأثر في غمرة حزنه أو فرحه، لا فرق، و لكنه لما ينتبه يشعر بندم طفيف أو بأسف، و هي عنيدة أعرفها، من الصعب أن تعترف، زفرتُ بشيء من ارتياح، لا بأس، لا يزال هناك بعض الصدق.

حسنًا، قرأتُ كلمتي التي حضرتها، كانت مزيج من كل ما أود قوله للناس جميعًا، كانت فرصتي لإحداث الأثر في قلوبهم، و رجوت من كل قلبي أن يفتح الله قلوبهم لكلماتي و أن تفوح بها في أرجاء الناس داخلًا و خارجًا، و من أهم ما حرصتً على دسه بمهارة بين السطور، هو موضوع الصدق و تابعه الأمين و هو البساطة، و كنتُ قد حفظتُ الكلمة عن ظهر قلب كي أجد المتسع لوضع عيني في عيونهم و أشرِع نوافذ قلوبهم، و فعلتُ، وجدتني أستعيد مهارة الالقاء على مهل، كان صوتي عاليًا بدون صراخ، و كنت أتحدث من كل قلبي، و لكني انتبهتُ بعد فترة من الالقاء أن يدي في الخلف بطريقة توحي بعدم ثقتي بما أقول، و تبعًا لهذا بدأ التوتر يتسرب إلي، حتى سيطر علي، و ابتدأ مشوار تأتأتي و تنفسي الصعب، و لكني واصلتُ ألقي بعزم مع أن كلمات كثيرة أبت أن تطيع إلا بتأتأة، و مع أني كنتُ آخذ نفس عميق بين فقرة و أخرى و كأنني أختنق، و ربما كنتُ سأنسى التوتر سريعًا على نفس العزم، فمضيتُ أتنقل بين العيون كي أشوش أفكاري، بيد أني ما إن وضعتُ عيني في وجه فتاة لا أعرفها، كانت تبتسم بتعجب، و كانت بجانبها أخرى تنظر إلي مباشرة و تبتسم بدهشة و تعلق، حولتُ عيني بصعوبة، و نفس الأمر تكرر مع أخرى، كانت وحدها تبتسم بهدوء و نظرة مشفقة بغيضة جعلتني أرتجف.

نسيتُ ما كنتُ أقول، فوضعتُ ورقة الإسعاف أمامي، و لكني لم أستطع النطق، كان الأمر صعبًا علي، كان ثمة شيء جاثم على صدري، كنتُ ألهث، و لم أستطع الاستئناف قبل دقيقة كاملة سرى بين الناس بسببها تململ و وشوشة، عقدتُ حاجبي بصرامة، و قلتُ لنفسي بداخلي: أنهي هذا الهراء بسرعة؛ و استأنفتُ بدرجة صوت أعلى بقليل، و قد كسى وجهي تعبير جاف، و سكبتُ ما في جعبتي بشيء من السرعة، حتى إذا انتهيتُ جلست، لا.. أقصد سقطتُ على الأرض و تظاهرتُ بعدم سماع أي نداءات، و عاد الحفل ليواصل مشواره ببساطة، و لما بدأ الناس ينسون كلمتي الفاشلة، تسللتُ إلى أختي في الخلف و ضحكتُ بصوت مكسور و قلتُ بسخرية: هذا كي لا يناديني أحد لإلقاء أي شيء بعد الآن، أخبرتهم أني لم أعد أنفع، قلتُ لهم.

لم يكن لأختي أن تعرف لم فشلتُ ذلك الفشل، و لم أنوي اخبارها بحال، و لكنها ضحكت و علقت: بدوتِ كما لو أنك تعانين من الربو. و ضحكتُ بصوت أعلى، و لكن سرعان ما جفت الضحكة، و عدتُ للجلوس بعد أن شعرتُ بأن نغزات متتالية تنال من صدري، كنتُ أريد الهرب، سريعًا و بلا انتظار، و لكن صديقة اختي التي جاءت معنا أرادت البقاء حتى انتهاء التكريم، و وافقت أختي، فغصتُ بين الناس و جلست حامدة الله من كل قلبي على بُنيتي الصغيرة التي لن ينتبه لها أحد، ربما إلا إذا بحث.

و مع أني لم ألتفت يمينًا أو شمالًا، إلا أن كفًا ما وُضِعت على كتفي، التفتُ بوجل، كانت نور، صديقة بعيدة من زمن الطفولة، و بقربها الأخرى هدية الرحمن، أقبلتُ أسلم بكف مرتجف و ألهج بكلمات لا معنى لها، تحدثنا حديث لم أعد أتذكره جيدًا، و لكنه كان عن موضوع البساطة، عن الدراسة، عن أشياء شعرتُ بأنها عمدًا تريد صرفي عن الواقع بها، و امتننتُ لها لأجل ذلك، و شعرتُ بنفس الوقت بتوتر أن تسألني أين كنتُ (ألا تذكرون نُهى؟ بالأمس وصلني تنبيه إعجاب و زرتُ التدوينة لأجدني مفضوحة هناك في وقت دقيق حَرِج)، على أية حال، لم تسألني نور، لم تعرض بأي سؤال عن الماضي، كانت ببساطة أكثر نضجًا بكثير مني، متمهلة، هادئة كالعادة، تشبه الصدفة، هكذا عرفتها دومًا، تحتوي أحيانًا على لؤلؤ، و في أحيان أخرى على حلزونة من أفكارها التي لم أكن أفهمها جيدًا، و لكني تفهمتها دائمًا، حتى انفجر بيننا يومًا حبل الصدق، لأن ثمة أفكار متضاربة و بدأت المجاملة بيننا تتفاقم، و افتعلتُ غيابًا و لم أكن بعد قد غبتُ، و لكني عوقبتُ بغياب فعلي عنها مدة طويلة، لما وجدتها أمس، ماذا أقول؟ نور أنثى ناضجة، نور مثل الصدفة مهما ألقتها الأمواج فهي محتفظة بنفسها خارج العوامل جميعًا.

أما بالنسبة لهدية الرحمن، فقد حال بيننا غياب أطول بكثير مني و نور، كانت أصغر، و لما التقيتُ بها في دوام الصباح في 2017 كانت فتاة ودودة، لكن لا تعرف بماذا تفكر، أو ماذا هي كي تخمن، مثل روح بعيدة و هذا مجرد ظل، غبتُ بعد ذلك العام، و لما عدتُ بالأمس، كانت مثلما هي ودودة، و لكن روحها شاهقة البعد.

فور انتهاء الحفل، و ما إن بدأ الناس يتفرقون إلى الفصول و إلى الطوابق السفلى، و كنتُ أتأهب للمغادرة، وجدتُ فتيات يتحلقن في دائرة عفوية، و في الوسط على الأرض وُضِعت أكواب شاي و طعام متفرق قليل، و هن يتحدثن بحماسة و بساطة، و لم أقاوم رغبة الاقتراب منهن، اقتربتُ و سرعان ما اندمجنا بالكلام و الضحك، شاكستهن: يبدو أن حفلكن سيكون فوضويًا مجنونًا.

و هززن رؤوسهن و هن يضحكن، و قالت إحداهن: هذا أفضل؛ نفكر بتحضير فقرة رقص تقليدي!

كنَ من الفترة المسائية و لذلك كنتُ أعرفهن، و كنَ متفاوتات في الفصول و يجمعهن الباص الذي يوصلهن، ضحكنا جميعًا لقولها فعلقت: و فقرة أكل لازم!، يعني “نرجو من الحضور، تناول الطعام بصمت و خشوع”!

فهتفت واحدة بحماسة: أيوة و الله، زربيان!

و في تلك الجلسة، لمستُ الاختلاف الذي يجعل شخص ما يُصبح شيئًا آخر غير ما يحب و يريد، فقط ليصل لمرحلة الكمال، و زاد خجلي من توتري الأبله عند الميكرفون، لا شك أني كنتُ أبحث عن إلقاء جبار و أثر فعال اسطوري، لذلك عاقبتُ نفسي بفتح الموضوع و السخرية من الأمر، و سرعان ما تحول الأمر إلى نكتة كبيرة، و لما أنهيتُ تأهبي، نظرتُ لهن برجاء و قلتُ في نفسي: رجاءً لا تتغيرن مثلما فعل غيركن، أو بالأصح: لا تتغيروا لأجل الآخرين بل لأجل أنفسكن و لا بأس.

أثناء نزولنا، تسللتُ إلى فصل أعرفه حق المعرفة، لا ليس فصلي، و لكنه يعني لي الكثير، نظرتُ إليه و أنا متأكدة تمام التأكد أني لن أجد من أبحث عنها، و لكني رغبتُ بالشدة بالنظر، اصطدمتُ بعدة بنات وقفن متعجبات مني، و تجاهلتهن مسرعة إلى الداخل، و نظرن إلي الفتيات باستغراب و قد حسبنني معلمة أو ما شابه، و لم أقل شيئًا بل غادرتُ و قد ثارت أفكاري، كنتُ أنزل السلالم ركضًا لألحق بأختي و صديقتها، ذاهلة عن أي مما حولي، كان من الطبيعي أن أسقط، بالأصح لم أسقط، أنا تمرغتُ بالدرج، حاولتُ التمسك بالدرابزين، و لكن كلما فعلته أن دار جسدي كله و تدحرجتُ دحرجة بهلوانية، كنتُ بطابق الصغار، فوقفوا يضحكوا بشدة علي، و لم أملك إلا أن أضحك مع أني كنتُ أشعر بجسدي كله متفككًا، انتبهت أختي إلي و صديقتها، و رجعن يضحكن و يسألن بقلق، كان السقوط مضحك بشكل لا يصدق، مع أنه من المحتمل أن يكون خطرًا جدًا، و لكن المهم أني استطعتُ أن أنهض، و مشيتُ بتراخ و شبه ترنح، لم يكن هناك ألم معين، كان كل جزء في جسدي مفصول عن باقي الجسد؛ عند باب الخروج، نظرت فتاة في الثانية عشرة من عمرها و قالت لصديقتها دون أن تخفض صوتها: ما شاء الله، شوفي كيف مرتبة!

و بضعة مدائح لم يكن وقتها مناسبًا أبدًا لي، كنتُ أترنح، و لم أفهم أهي تسخر مني أم أنها صادقة في قولها، المهم أني واصلتُ الطريق و قد اعتراني شعور بالاكتفاء من الكلام، و طوال طريق العودة كان الصمت يروِح عني التوتر الذي شهده داخلي هناك، عندما وصلتُ المنزل اكتشفتُ اني أردد بداخلي براحة عظيمة: لقد انتهى الموعد، لقد فزتِ على الذعر، بأية حال لقد نجحت بعدم الانهيار، اطمئني. و شعرتُ بأني أملك قلبي بين يدي، كطفل صغير و أضمه إلي كي أكفيه مؤنة القلق من الشبح الأبدي.

كانا يومين طوال، و الحمد لله على انتهاءهما، عندما أنظر لعداد الصفحات على وورد أخجل بعض الشيء من كل هذا الحديث، و لكني أعود لأقول: لا عليك، كوني أنتِ تكونين وادعة مستريحة من فوضى المثالية و مطامع الكمال البعيدة.

صورة التدوينة لنوافذ لفتت انتباهي بلطافتها في المعلا – الخلفي.

3 Comments اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    و الله استأنست كثيييرا لقراءة منشورك هذا ما أجمل روحك البسيطة و الجميلة.. و سلامتكم ياارب الله يحفظكم من كل سوء.. محبتي الصادقة لك كل الاحترام لك و لشخصك.. ♥️🌹♥️🌹♥️🌹

    Liked by 2 people

  2. As.wy كتب:

    سلمى، ممتنة لكل كلمة لطيفة تجعلني أعود كل مرة لأقرأها بابتسامة شاحبة لتُزهِر💓🙏

    Liked by 1 person

  3. Salma♡ كتب:

    أسعد الله أيامك أيتها الغالية.. ❤️🌼❤️🌼❤️🌼

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s