رواسب 🌫

سلامٌ عليكم و رحمة من الله و بركة

أختلس ساعة من النهار لأكتب شيئًا لا أدري كنهه، أكتب لأقول للعالم صباح الخير بملئ شفتي، سيكون الغد مزدحم، و الأفضل أن أفرغ روحي من رواسب بوح قد تكون طافية على وعاء قلبي.

بداية لدي اختبار اليوم، و هو مؤجل –كالعادة- منذ الخميس، و قد حضرتُ يومها جاهزة لأختبر فتبين أن إحدى الزميلات قد طالبت بتأجيل الاختبار و يبدو أن المعلمة كانت تريد تأجيله لسبب آخر أيضًا، و لما وجدت الزميلة تلقي الخبر بسهولة و بنبرة “لا مجال للنقاش!” قررتُ أن أصمت هذه المرة و لا أعارض، ليس لأني أهتم كثيرًا بالنبرة أو ما شابه، بل لأني مسبقًا كنتُ أعد نفسي لمثل موقف مثل هذا و خلصتُ إلى أن أتنازل مرة واحدة و أن أرفض بعدها أي تنازلات أخرى، و ذلك بعد أن وجدتني أعترض على كثير من القرارات و أورط الجميع معي، فوجدتُ أنه من العدل التنبيه على تنازلي الواحد و عزمي المتواصل بعد ذلك.

أكره التأجيل، لا لستُ أكرهه، بل أمقته مقتًا لا يوصَف، سيما إذا كان بعد أن حضرتُ جاهزة لفعل الأمر و أُجِل لسبب غير معقول مثل: لم نراجع جيدًا، المقرر كثير، الدروس صعبة… إلخ

إذا حضرت فهذا يعني أنك على استعداد و لو كان ضئيلًا، أما إن كنتَ تعاني من ظروف أو زحمة مواعيد و برامج فهذا شأنك أنت و عليك مناقشته مع المعلم لتأجيله لك وحدك لا أن تقحمنا معك، فنحن الآن متفرغين كما أنت مشغول، و حين تتفرغ فمن الممكن أن نكون مشغولين، أي أنك ببساطة لستَ الشخص المشغول للأبد!

أما إن قلتَ أن المقرر كثير فالسؤال يطرح نفسه: أين كنتَ وقت تحديد الاختبار؟! أما إن كنتَ غافلًا في وقت التحديد فتحمل نتيجة غفلتك، و أما إن فوجئتَ بكثرته أثناء مراجعتك، فليس لك سبيل إلا الاستسلام و التقبل للأمر؛ و في كل الأحوال لا أجد لك مبررًا لحضورك بدون استعداد للاختبار، إما أن تتغيب أو تحضر و تعتزل بنفسك من القاعة إن سُمِح لك بذلك.

يُشعرني التأجيل بشيء يُشبه الخيانة لقدرتي التي إذا بذلتُ أسباب رفعها فسترتفع بإذن الله مهما كان الوقت ضيق، بغض النظر عن أن يكون هذا الأمر اختبار أو عمل أو موعد أو حتى مشوار، التأجيل شيء غبي جدًا، خصوصًا إن كان الخلل منك أنت لا من الظروف المحيطة أو الشخص المقابل.

إما انسحاب و إلا مغامرة، أما التأجيل ففيه رائحة وهن و فيه طيف تسامح مع خيانة النفس، و مع الوقت يُصبح التأجيل عادة، مثل أي عادة سيئة لا يُمكن التخلي عنها ببساطة.

التأجيل أسوأ من التسويف، لأن التسويف فيه نوع من الأمل، أما التأجيل ففيه ثقة مكسورة و رجاء ضئيل.

دائمًا أقول: ابدأ، هذا ما يمكنك فعله الآن.

و هذا مقتطف راقني من كلام المدون عبد الله المهيري في مقابلته: تردد البعض في التدوين لأنهم يريدون لأول موضوع لهم أن يكون كاملاً والموضوع الأفضل على الإطلاق ويحقق قراءات عديدة، كشخص يريد بناء ناطحة سحاب في ساعة، لن يحدث ذلك. الكمالية منعت البعض من التدوين أو أوقفت البعض بعد أن بدأوا، أجد البعض يسأل عن استراتيجيات التدوين والوسائل الصحيحة للتدوين وهذا تعقيد غير ضروري خصوصاً لشخص لم يدون من قبل.

صدقني، البدايات كثيرة للحد الذي يمكنك فيه تحديثها كل مرة، لكن النهاية واحدة دائمًا و هي ما قُدِر لك، و في هذا السياق أقول: النصيب و القدر لا يجبرك، فهو يسير تبعًا لاختياراتك سواء أدركتها أم أن عقلك الباطني قد قررها تبعًا لأفكار سابقة و مواقف، فإذا ما شعرتُ بالتوجس من الشيء فانسحب أفضل بكثير كي تجد فرصة أفضل، و لكن أيضًا لا تعتاد الانسحاب لأنك ستفوت فرصًا كثيرة أيضًا، أما إن أجلتَ فاعلم أنك فحسب سحبت الفرصة إلى أبعد قليلًا فتقلصت و لا شيء آخر.

أتحدث عن التأجيل بهذه الحرارة لأنه مشكلة حقيقية تستدعي الحذر بالفعل، قد تكون عالقًا فيها الآن و لا تدرك، لا… أنا أدرك بعض النقاط المؤجلة لدي، نقاط تعفنت لكثرة ما أجلتها، و لهذا أحاول أن أقول لنفسي: تحركي هيا، و لكني أيضًا أسعى لقطع أي تأجيل أقدر عليه، و تبقى نقاط التحول الكبيرة التي يتحتم علي يومًا القيام بها، تحتاج قفزة شاهقة، و لدي بعض الخوف، و الحق أيضًا أني أبدأ الكثير من البدايات التي أخمن أنها قد تعينني على القيام بهذه النقاط، أبدأ بلا حساب، الكثير يفشل، و بعضها يبقى عالقًا في عنق الزجاجة لفترة لا بأس بها، و بعضها الأخير ينجح، ينجح بخسائر و بغير خسائر، و لكن الربح الحقيقي بأني قد فعلت، و أني شطبتُ أخيرًا موعدًا مموه.

أيها القارئ البريء: هل تحسب أن هذه التدوينة قد آتت أكلها بعد؟ مسكين إن ظننت ذلك، فالقرار لا يزال يروح و يجيء، أعمل به يومًا و أنكثه أيام، و اذا سألتني: ما الجدوى إذًا؟ لقلتُ إن مجرد بقائه في ذهني و محاولتي مهما بدت ضئيلة في العمل به، إلا أني متيقنة بأنه سيصبح قرارًا صارمًا بعد فترة لا بأس بها، و أني بعون الله سأبلغ الهدف بطريقة ما.

قبل أيام (لماذا المبالغة؟!) أقصد بالأمس أو الأمس الأول نكأ في داخلي شعور تافه بالندم على ثلاثة أعوام الراقدة بلا دراسة، و ذلك شيء اعتيادي معي، دائمًا حتى عندما كنتُ في المدرسة و كنتُ أخشاها و أرهبها، إلا أني كنتُ أشعر بهم إذا غبتُ عنها و لقيتُ من يداوم، أو حتى مجرد المرور بباب المدرسة و أنا غائبة يشعرني بخجل فظيع بل و برغبة بكاء حادة، و أتخيل أنهم قد درسوا ما لم يدرسوه في يوم من الأيام التي كنتُ فيها حاضرة، و أجيء بعد الغياب بصعوبة رهيبة، و أنظر للجميع بخوف حقيقي و أشعر بأني صغيرة جدًا جدًا لأنهم لديهم ما يسبقوني به في المعلومة، مع أني بكل صراحة لم أكن آبه كثيرًا _خصوصًا في سنين الإعدادية_ بالمعلمة أو بالشرح، و لكنه شعور لم يفارقني.

و لما نكأ قبل أمس، نظرتُ لنفسي بغضب و فكرتُ بأني سأكون كفورة للنعم، فقد بدأتُ بدايات ما كنتُ لأبدأها إن لم أتوقف عن الدراسة، و من أهمها: خبرة في تعليم التمهيدي، افتتاحي لهذه المدونة، قراءة مستفيضة فيما لم أكن لأستطيع قراءته مع الدراسة، و الأهم عريكة للأيام، و دروس كثيرة سواء تركت ندوبًا بداخلي أو تركت عبق لن يُنسى.

و لولا أني أهتم بالأشياء التقليدية و أحب لمسها في حياتي و نفسي بشكل عام، لما كان هذا الندم ليطرأ علي أو ينكأ لي، أنا أحب التقليدية، نعم أفعل ذلك و بشدة، و أكثر ما يثير بداخلي الاعجاب أن أرى شخصًا متمسكًا بتقاليده و عاداته، قد يكون هذا غريبًا بالنسبة لثورة المتثيقفين على التقاليد و العادات، و لكني أراها تدل على مروءة الانسان و صدق انتماءه و تمسكه بهويته و حياته، بالطبع لا أعني التقاليد التي تخالف الدين و البشرية، و أقول بشرية لأن كثيرًا من أولي الإنسانية قد شطحوا بمعانيها و أدخلوا فيها شيئًا ليس منها، على أية حال أحب أن أقول بأن التقاليد لم تصبح كذلك إلا لأنه لُمِس نفعها و سهولتها بالنسبة لطبيعة أهلها، و هي تدلنا على حقيقة الشخص و أنه لا يتنصل منها و كأنه يخلع قشرة بطاطا.

و في هذا السياق أذكر رواية “الحادث” لأجاثا كريستي، قرأتها بالأمس في شبه مباغتة، و شدتني أحداثها جدًا، و هي من القصص التي بدلتُ فيها نظريتي مرات لا تحصى، و قد وقع تخميني الأول للجاني هو الأصح، و لكن يؤسفني بأنه كان تخمين مثل تخمينات كثيرة طرأت على بالي أثناء القراءة.. المهم كنتُ أقول: أكذب لو قلتُ أن مايكل لم يعجبني، و أن طريقة الاسكتلنديين لا تروقني في التمسك بطبائعهم، دائمًا يدهشونني في كل القصص أجد الاسكتلنديين الأفضل بكثير من الانجليز الباردين كثيرًا، مثل عدو سالي اللدود، يشبهون بعض الشيء في حرارة دمهم العرب، و الأهم أنهم لا يتنصلون ببساطة عن طبائعهم و تقاليدهم، و دائمًا مُدهشون، أنا متأكدة بأن اجاثا قد أبدعت في هذه القضية، ذكرتني بقضية “مقتل اللورد إدجوير” و لو أن الأخيرة مدهشة أكثر، و لكن هذه أيضًا مُدهشة و جمالها بقصرها و بساطتها التامة و في نفس الوقت دهشة الخاتمة فيها و جوانب الاحتمال الغزيرة، إن لم تقرأها فأنصحك بذلك، و كن حريصًا على التفكير كثيرًا.

حسنًا، يجب أن أراجع الاختبار المؤجل و الذي قد حفظته مسبقًا و سأمر عليه الآن مرور الكرام، كونوا بخير.

في روحي خفة و بهجة بسبب مشاهدة هذا، لقد نزلته على الجهاز، و منذ ليلة البارحة و أنا أقول: يا ليتني أستطيع فعلها مثلهم، ألا يا ليت يُنفى رقص الرجال المائع و يبقى هذا الشيء الفخم!

7 Comments اضافة لك

  1. تدوينة جميلة جدا
    في الجامعة لم يكن التأجيل ممكنا حتى ولو كنتِ مريضة إلا إن أحضرت تقريرا طبيا حتى ولو كان مزورا
    وأنا أيضا معك لا أطيق التأجيل، فعلا قد تكون الأيام القادمة غير مناسبة لك
    رواية أغاثا “الحادث” ما اسم دار النشر التي قرأت منها؟
    سؤال: من هم المتثيقفين؟

    Liked by 1 person

  2. Salma♡ كتب:

    راااائع كثير من المقتطفات أردت أن أشكرك عليها و وجدتني سأنقل النص كله في التعلييق ههه .. المهم و كأنني من تحدث و أنا أمقتالتأجيل و كلامك راق و صائب و رائعوكلماتي خانتني و لاأعرفكيف أصف إعجابي بهذا النص .. حفظك المولى أيتها الغالية أسماء..💕💕

    Liked by 1 person

  3. As.wy كتب:

    شكرًا ولاء، ذلك جمال روحك🌼
    حقًا، في المدرسة كانت التقارير الطبية مزورة كلها و بلا حساب، و كانوا يطبقون هذا النظام علينا باعتبارها مدرسة نموذجية، أما الجامعات هنا فلا تأجيل و لا تعويض إلا فيما يسمى “دور ثاني” و هو حمل المادة إلى ترم آخر؛ صحيح أن التأجيل لا يُطاق للكثير، و لكن الأعذار التي تقيد الانسان أظنها تستحق اعادة النظر من جهات التعليم.🤷

    بالنسبة للرواية بتعريب: عمر عبد العزيز أمين، من المكتبة الثقافية بيروت- لبنان؛ لم أواجه سوء فادح في الترجمة و الحمد لله.👍
    أما بالنسبة للمتثيقفين فهم في عُرفي الذين يقرؤون الكتب لجمع ثقافات شاهقة الاختلاف و أقنعة مختلفة ليتلبسوا بها ناسين حقائقهم و أصولهم، ربما كي يُشار إليهم”مثقف مميز و له أفكار فجائية”!😩

    أهلًا ولاء.

    Liked by 1 person

  4. As.wy كتب:

    يسلم قلبك لأجل كلماتك العذبة و روحك الطيبة يا سلمى، دائمًا أبتهج بوجودك و اتفاقنا في كثير 👌من الأمور، ذلك يعني لي الكثير

    آمين يا رب و إياك يا أيتها الروح العذبة🧡

    Liked by 1 person

  5. جيد، سألت عن الرواية إعتقدتها من طبعة دار أجيال، جميل جدا شكرا لتفسير المعنى 🌷

    Liked by 1 person

  6. As.wy كتب:

    على الرحب يا جميلة💐

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s