لقاء 🎗

on

لديها معضلة أبدية، تلحقها الكثير من المشاكل بسببها، تسميها في أحيان “عرقلة شعور” و في أحيان أخرى تدعوها “سكرة الود”، ترى الأحباب مثل كؤوس رشيقة تقف على رف بارد، مثل حقنة بيضاء في كف شاب راعش، القرب الكثير من الأحباب إدمان، و البعد الطويل مُجفِل عندما يحين اللقاء، تنكمش على نفسها مثل زهرة في مساء، عفيفة و تغض طرفها عن جفن الليل الكحيل، تتوخى الحذر من الحُب الكامن، من النشوة الغائرة في عمقها الملتوي على رحيق عبق، و شذى عريق.

تفلح انكماشتها تلك مرات عديدة، مع تلك المساءات التي لا تتلمس أناملها، و لا تهدهد بنسيمها على خدها، تلك المساءات الباردة، الراقدة في وهن و لا مبالاة، أو حتى من تلك التي لا تهتم لغريزة الانكماش في الزهرة، أو تلك التي تعتبره انكماش غروري أو اكتفائي جارح.

مع آخرين، تبدو مثل مياه غطاها الجليد، فإذا تحسسوا ظاهر شعورها وجدوه قاسٍ حاد، تراجعوا فارين بجلود متشققة، و وجوه مكسوة بفاجعة الرفض، يحسبون قلبها من جلمد، و ما الجليد إلا قشرة للماء المقاوم للتجمد، يطرقون القشرة مرة ثم إذا أفلتوا أخذوا اعتقادًا جازمًا بأن الجليد قد تغلغل بداخلها و تشبع، يذهبون تاركين الجليد يغرس أنيابه في وجه المياه على مهل.

مع آخرين و هم قليل، يطرقون حتى تنكشف مقاومة المياه للتجمد، و هي بذلك لا تكون أفضل حالًا بكثير، إذ يرفع الجليد حدته فيتوتر سطحها و تجفل، تبقى كذلك إلى أن يرفعها مستقٍ، أو ينقشع الشتاء فتدفأ تمامًا و ترتخي و تسيب.

و لكن لا تجيء بهجة الربيع كما تجيء كف ساقٍ أو مستقي، لأن الربيع حتمي و شيء طبيعي و مُنتظَر على الدوام، و لكن كف الساقي مغامرة مثيرة، و فُرصة ذهبية للتغيير، و الأشياء  المثيرة لا تكون كذلك إلا لقلة حدوثها و فجائيتها في الحدوث، لهذا رفضت دائمًا استجلاب كف ساقٍ بنشر شذى، أو بهدهدة غنج على ساقها الرشيقة، ففي ذلك هتك للأوراق التي تعمل جاهدة على الانحناء فوقها بهيئة حاضنة حريصة، و على أية حال فانكماشها كان يغنيها دائمًا عن الشعور بما حولها من الحب المتجول، و كان ينسيها ضوضاء النحل و هي ترتشف الرحيق، و كان يكفيها تمامًا عن  أنوف فضولية ستقطفها على حين غفلة، و كل ما كانت تفعله وقت الانكماش أن تعُد لولوات بتلاتها، و أن تحسب سنين زهوها، و أن ترتجف هلعًا من الموت الذي ينتظرها سواء لاقتطاف أو لشتاء قاس، و مع كل نور كانت تستعيد رونقها نفسه بتلقائية و عفوية ناسية تمامًا دهاليز الانكماش التي ضاعت بها في الظلام الفائت، و لما تتفتح و تنشر شيفون فستانها و تدور، تعود حلوة مبهرة من جديد، و لم تشك قط بأن السقاء سيجيء مسرعًا على غير توقع، سيبهرها، و سيزيد من سكر دوران بتلاتها، لن يكون كثيرًا فيغمسها في بؤرة الذبول، و لكنه سيؤويها إلى دوامة الذهول و سيحتويها، ستتلوى ساقها الوحيدة، و ستصعد برأسها بعيدًا، ستجد نفسها دوار شمس حتى الغروب، و تلك الذروة قبل هروب كل شيء من بين يديها، فتتهادى بعد نشوة السقيا و تنكمش من جديد.

كل ذلك معروف مألوف لديها، و الشيء الوحيد الذي لا تفهمه هو ذهولها التام عن حفظ تفاصيل ذلك الشعور الرهيب، و لماذا لا تجد نفسها قادرة على فعل المعقول؟ و لماذا لما يحين الغروب لا تمسك بأطراف خيط فعل مجنون يذكرها بأنها أدركت بعض التفاصيل؟ لماذا يصعب عليها فهم الأشياء حولها في ذلك الوقت؟ و أين تكون؟

أسئلة لا وجود للإجابات عنها، و تجاوبها معها ضئيل، فما إن تعود لطبيعة الربيع و تستقر، حتى تنغمس شيئًا فشيئًا في هدير الرتابة بين الانكماش و الازهرار، و تتجاهلها بملمح خوف غريب، ثمة هاجس ينخرها، يقول: قد يكون حُلمًا و أفل، قد تكون محض هلوسة، قد يكون مجرد ضباب و غاب.

إذ تكون الأصوات مثل صفير صمت، و تكون الوجوه مثل لوحات طريق، ملمس الأشياء شاحب، جو المكان بارد، و ثمة ضباب يطفو على سطح الشعور، يحول بين الذهول و الظهور، على القلوب شرانق دود تغبش البصر، على الأكف حراشف و جلود، ثمة حائل لا زمن له و لا حيز، خارج عن العُرف و الفِكر و السرائر، لا يُعنى إلا بفصم الشعور عن الذاكرة، بتمزيق صفحة مبهرجة باللقاء و المواعيد المفاجئة و العهود، يترك فقرات شاحبة في الروح، أوَ كانت حاضرة حقًا؟

لا يزال في حوزتها تذكرة لقاء قريب لا تتذكر من تفاصيله الكثير، تذكرة مهترئة، تنظر إليها قبل نومها لعلها تستيقظ صباحًا فتسمع للقطار صافرة مواعيد، أو تجد المقاعد الفردية قد انبسطت، و صارت مقعدين مقعدين، و في المنتصف مائدة بيضوية و أحبة كثير قد حال دونهم الغياب دهر طويل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s