مذكرة في رواية “ليالي تركستان” لنجيب كيلاني.

سلام على العالمين، هدىُ للتائهين، و نبراس للذين أظلموا في منتصف السبيل.

رفعتُ كعكتي على قمة رأسي فلهذه الحركة سحر حرية لذيذ، أذكر حتى أنها كانت تسريحتي المفضلة عندما كنتُ متقمصة لأصغر تفاصيل الأولاد و أرى أن من ذلك حقي التام، لا علينا تلك كانت مراهقة عويصة.. أقول ارتديتُ قميصي الأخضر الصوفي الخفيف ليس لبرد بل لأني سأخرج إلى البلكونة و علي أن أحتمي بأي شيء من الناموس، فلستُ مستعدة لوشم خرائط متعددة من قرصاته على ذراعي؛ بقربي كوب شاي أحمر مضبوط، و بسكوت محروق! هذه ليست قافية بل حقيقة مع الأسف، و له قصة قصيرة جدًا، و هو أني صنعته يوم الثلاثاء للطالبات اللاتي أشرف عليهن وقت الدرس العلمي للمعلمات فاحترق، و أصابني لأجله اكتئاب لبعض الوقت، و لكني استعذت بالله، و أصررتُ على أخذ الناجي منه لهن، و الإبقاء على المحروق القابل للأكل، كي آكله في شبه عقاب لي، و لكن في الواقع هو ليس سيئًا بما أنه مرشوش بالسكر، و لكن إذا جئنا لذلك الوقت الذي كنتُ فيه مكتئبة فسأقول بأني كتبتُ نصًا قاسيًا ساخرًا على مذكرتي، خلاصته أني حقًا أخاف من رائحة الحريق، و لكني حتى اللحظة لم أعد لقراءته لأني أعرف بأني سأضحك بملء فمي من تفاهة الموقف الذي كتبته فيه! تلك حقيقتي دائمًا.

سؤال مستعجل: هل يجوز رفع صوت الأغاني القديمة في محل بقرب منازل في الساعة التاسعة مساءً تقريبًا، إذ يُخيل إلي أن حكم الأغاني القديمة و رفع صوتها يختلف عن الجديدة؟!

لدي بعض التعليقات عن رواية “ليالي تركستان” التي أنهيتها ظهر اليوم، لأني بالأمس لم أجد وقتًا لنفسي إلا في الليل و انقضى في تنظيف المنزل بعد زيارة أختي و بناتها و أخي و طفليه، و ربما في التواجد على خفة هنا، حسنًا لا زلتُ على رأيي بأنها رواية رائعة حقًا، و أقيمها الآن بثلاثة من خمسة بابتسامة رضا و تفكير في بعض النقاط التي لفتت انتباهي بخطورتها.

بدايةً كان امتعاضي في الظهيرة كبير، عندما قرأتُ نبذة عن الكاتب في ويكيبديا، صحيح بأني لن أحكم على الكاتب بسبب تلك النبذة و لكني بالطبع سأتوجس من منطقه قليلًا، يقول ويكيبديا أن نجيب كيلاني من الذين اعتقلهم جمال عبد الناصر بتهمة تمويل التنظيم الاخواني الدنيء، و ذلك شيء ليس سهلًا بالنسبة علي، أنا التي أعيش مع وطن أودى به هذا التنظيم الإرهابي، بل أننا لا نزال نحاربه، و لا يزال أفراده ينتؤون بشكل مقزز كل فترة كي يهيجوا حركة فوضوية أو ربما يحدثوا فتنة بين الناس و خصوصًا القبائل منهم، تنظيم لا يهتم إلا بنفسه و كيف يصل إلى المناصب، و كيف يخرب على الناس عقائدهم بطريقة خسيسة، و الأهم كيف يزرع الفكر الإرهابي و التكفير في قلوب الشباب المندفعة و العقول الصغيرة، تنظيم خساسته تكمن في أنه يخترق صفوفنا بقناع السلام و الإصلاح، دائمًا يذكرونني بقوله تعالى: (و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحنُ مصلحون) و أضيف علامة تعجب هنا!، و لكن الله يرد عليهم فيقول: (ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون)، الله المستعان عليهم و على كل من دعمهم في التخريب تحت قناع الإصلاح.

حقيقةً، بعد أن عرفتُ هذه الفقرة من حياة الكاتب، و توجستُ منها، بلعتُ غصتي و قررتُ ألا أحكم على الرواية بسبب خلل في الكاتب نفسه، فهي في النهاية قضية مهمة، و أيضًا قررت أن أفحص الرواية باحثة عن أي فكر إخواني مدسوس فيها، فإن وجدتُ علقت عليه كي أبلغ عن ما علمت و أحذِر منه.

بدايةً، لفتتني حركة قتل الصينيين حتى بعد أن يشهدوا أنه لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله، و هذا شيء فظيع جدًا، و قد نهى عنه النبي بكل صراحة في قصة أسامة بن زيد الذي قتل شخصًا شهد بالله و بالرسول عندما وجد أنه قد وقع بين يديه، فلم يقر إسلامه أسامة لأن حاله تقول بأنه يريد أن ينجو فحسب، لكن النبي قد عاتبه و أظهر له فظاعة فعله قائلًا: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: ((أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم: أقالها أم لا)) هذا ديننا، و لا شيء غيره، فاحذروا.

فالمسلم لا يحاسب الناس على بواطنهم، بل على ظواهر أفعالهم، لأنه أولًا ليس عالمًا بها، و لأنه سيصير خرابًا و قتلًا عشوائيًا إن حوسب الناس على بواطنهم و هي التي يبنيها الانسان على قياس و ظن فحسب لا على علم حقيقي تام، حتى المنافقين لم يكن الرسول ليقتلهم و هو الذي أنبأه الله بهم، و على نهجه فعل حذيفة بن اليمان فلم يقتل من يعرف منهم، و لو كان قتل كل ذو دخيلة دنيئة مشروعًا فإذن لكان قام بهذا حذيفة رضي الله عنه و كذلك النبي صلى الله عليه و سلم و هو والي أمور الناس في ذلك الوقت، لأن ديننا دين الظاهر، و لا يحاسب الناس على باطنهم ما لم يظهر ذلك في أفعالهم و أقوالهم فيقام عليهم الحدود بحسبها فقط لا غير، حتى يعترفوا أو يموتوا على ذلك فيحاسبهم الله على دواخلهم الدنيئة؛ الخلاصة: لا يجوز قتل من شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله و لو في أرض المعركة، و لو كان على علم بأنه لا يشهد إلا لينجو و الدليل قول النبي و معاتبته للصحابي الجليل، و هذه النقطة لا يجب أن تندس في رأس القارئ على أنها شيء صحيح، فهي فاسدة و غير موافقة لتعاليم ديننا الحنيف، و إن كان الكاتب قد درجها على سهو أو جهل فيغفر الله له، و إن كان غير ذلك فحسبنا الله و نعم الوكيل.

كذلك نقطة المعاهدات و طلب التحالف من روسيا مع التركستانيين الذين يريدون استرجاع بلادهم، و رفضهم لها، و هذا شيء غريب أيضًا، لأن فيه ناحيتين: الأولى و هي أنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر و لو كان كافرًا، إلا بالقوة المناسبة تقريبًا لإزاحته بدون حرب أبدية بخسائر أكثر بكثير من الاستسلام له؛ صحيح أن الوالي في قومول كان الأمير المسلم بشكل صوري و القائد الصيني هو الذي يحكم في حقيقة الأمر، و صحيح أن الدولة في حقيقة الأمر مسلمة و ما الصينيين إلا غازين محتلين، إلا أنه في نهاية الأمر نعود إلى القاعدة الدينية الأساسية: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، و تلك الحركة التي نكلت بالصينيين في عرس الأميرة هي حركة رهيبة في واقع الأمر و لكنها جرت مفاسد كثيرة، خصوصًا من الناحية الأخرى و هي: أنهم أي الثوار التركستانيون لم يتحالفوا مع روسيا لاكتساب قوة إضافية، و لم يضعوا خطة لدرء هذه المفاسد التي ستنجر بعد حركتهم، و الواقع أنه لم يقنعني أبدًا قول: هل هناك بديل لها/أي الحركة الانقلابية غير محسوبة النتائج سوى الاستسلام!

هذا شيء فاسد و عقيدة باطلة جدًا و هي صريح منهج و عقيدة الخوارج، و لقد رأيناها طوال خط الأحداث في الرواية، حيث يستمر التقدم و التراجع بلا طائل و بكثير كثير جدًا من الخسارة في الأرواح و الأسر و كذلك الأراضي، شيء غير محسوب آذى المقاطعات الأخرى و المناطق الساكنة، ذكرني فعلهم هذا بالتقدم و الرجوع بلا توقف بمسألة تحرير الشمال من الحوثي، هكذا يتقدمون و يتراجعون بكثير جدًا من الخسائر، بدون حساب و لا رسم خرائط، و هذا شيء لم يستحسنه الدين مطلقًا لأن من كمال التوكل العمل بالأسباب، و قد عد الرسول لغزواته عدًا دقيقًا و أقرب دليل له إعداد غزوة أحد و مدى الفوضى التي حدثت بسبب مغادرة بعض الصحابة أماكنهم التي حددها لهم الرسول صلى الله عليه و سلم، و إن دل ذلك فإنما يدل على حرص الرسول على الأخذ بالأسباب و العدة للحرب و ليس الدخول على عمى، و تهور و نسمي ذلك عملية جهادية بطولية، ليس هكذا يكون الجهاد.

و بالمناسبة أحب أن أنبه بأن مسألة المعاهدات مع الكفار و التحالف معهم شيء قد فعله النبي صلى الله عليه و سلم حين احتاجه الناس و هو صلح الحديبية على الرغم من البنود القاسية في ظاهر الأمر، و لكن الرسول قبلها ليس ضعفًا و لا عجزًا و لكن تقديرًا للموقف و تعليمًا لنا في قوله لتهدئة عمر رضي الله عنه و الذي أظهر غضبه لتلك البنود فقال: (ألست نبي الله حقا؟ قال: ((بلى)). قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى)). قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري)). قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟)) قال: قلت: لا. قال: ((فإنك آتيه ومطوف به))؛ إن الإسلام لن يُذل أبدًا، فالثقة بالله أولًا و ثانيًا كتابة المعاهدات على ضوء درء أكبر المفاسد.

الهدنة جائزة عندما يكون المسلمون في حالة ضعف، بل هي مؤكدة في حال تقديمها لمصلحة على مفاسد جمة كما نرى و يحدث.

و انظروا إلى حلقات الأمير بندر بن سلطان حفظه الله، و استمعوا لحديثه عن القضية الفلسطينية التي ضيعت فرصًا كثيرة في معاهدات كانت لتوقف القضية عند حدها بأقل قدر ممكن من الخسائر، و لكن أين؟ و لا تزال القضية عالقة بل يبدو أنها تتحول إلى قضية للبيع و التكسب!

انتبهوا من الفِكر الإخواني، فهو خسيس دنيء، يعبث بدقائق الأحكام، كي يلبس على الناس الحقائق، الجهاد ليس انتحار أبدًا، و لا الدين صلبًا في حنجرة المواقف الصعبة، أبدًا.. القاعدة الشرعية تقول: الضرورة تبيح المحظور.

آخر تعليق لدي هو قتل نجمة الليل لزوجها، و هذه حركة جدًا خطيرة لتدخل على عقل القارئ فكرة خسيسة و هي أن الحدود ينفذها أي شخص، و هذا هو الفكر الاخواني الإرهابي صريحًا، حيث يقومون بتنفيذ الإعدامات و العمليات الانتحارية بمبدأ: تغيير المنكر باليد، و هذه عقلية غبية و تضرم الفوضى في المجتمعات، لأن تغيير المنكر باليد لا يكون إلا بالولاية و القوام على الشخص، فليس كل من رأى منكرًا أقام الحد عليه، و ليس هذا إلا للقاضي و الوالي و الجهات المختصة، كي لا يسود الهرج و المرج بين الناس، و ليس مقنعًا أبدًا تعليلها لقتله بقولها: فلم تصل ركعة واحدة؛ لأنها عاشت معه سنينًا طويلة و هي تعلم أنه لا يصلِ، و لكنها قابلة لذلك و صامتة، ثم إن حكم الكفر عليه سيحتاج بحثًا في طريقة تركه للصلاة أهو تهاونًا أم جحود، و إذا ما خلصنا إلى أنه جحودًا يستلزم القتل فسنعود للفكرة الأساسية: لا ينفذ الحدود إلا صاحب الولاية، و إذا ما وجدنا مخرجًا في القول بأنه لا والي فعلي (و الواقع أنه يوجد علماء معروفين هناك يمكنهم القيام بالمهمة بدلًا من تطوعها الدرامي) فسنقول: الخيانة شيء لم يقره شرعنا أبدًا، لم يمدحه في أي سياق، لم يرضى به أبدًا و لو على وجه المقابلة، و أبسط مثال هو حُرمة العبارة العامية التي تقول: خان الله من يخون، لأن الخيانة فعل دنيء في كل جوانب الشرع، لأن فيها خداعًا في حال الأمن، و تلك رذيلة كبيرة.

لن أعلق على علاقتها بمصطفى و هي متزوجة، و لكني سأسأل: ما حُكم زواجها بمصطفى بعد فترة وجيزة لم يذكر الكاتب أبدًا أكانت بعد انقضاء عدتها أم لا عدة لها أم ماذا؟ انتوا مين!😶

تنويه أخير: في نهاية القصة تبرز نتائج الفعل غير المدروس في مبتدأها، و كيف أن الخسائر تزداد فداحة و تستفحل؛ سؤالي الذي لا يحتاج إلى إجابة هو: ألم تكن المعاهدة لتقلل من الخسائر؟ ألم تكن دراسة الخطط أفضل لسيطرة أثبت؟ ألم يكن اختيار أهون الأمرين أحكم؟

مرة أخرى: الجهاد ليس رميًا إلى التهلكة، و استرجاع الدول يحتاج قوة كافية كي لا يُصبح فسادًا بدلًا من القصد الرئيسي منه و هو الاستقلال و العودة لأمن الوطن و رايته المرفوعة.

لغة الرواية رائعة جدًا، القصة جادة و قضية مهمة عرفتني بها و أثارت اهتمامي أيضًا، سرد سلس، أحداث قليلة بارزة و كثيرة مكرورة مملة (أعني تقدم الثوار و تراجعهم)، و لكن الحذر من بعض الأفكار المسمومة من فكر الخوارج، و التي استطعت استخلاص بعضها و فندتها في المقالة؛ لا أنصح بقراءتها ما لم تكن منتبهًا لدسائس الفكر الاخواني الإرهابي و فكر الخوارج فلتحذر منه، خسارة.. قلم رائع، لكن أفكاره مشوبة.

حسنًا، ساعة كاملة من الكتابة، بالطبع مع كثير من المقاطعة، و لكن الجميل أني تغلبتُ على إزعاج صوت الأغاني الذي لا يزال مرتفعًا، و الغريب أنه لا ناموس اليوم.. مرحى؛ يجب أن أتوقف هنا، سلامٌ عليكم و رحمة الله و بركاته.

إلى المعهد.

2 Comments اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    تشفين غليلي يااا صدييقة 💗💖💗.. بارك الله فيك و نفع بك و رفعك درجااات.. كل المحبة و التقدير 🌺💖🌺

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    آمين يا رب و إياك و الجميع، أسأل الله أن يجعلنا من الصادقين؛ مودة صادقة💞

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s