قَبَس 💡

يا إلهي، كم مضى علي من الوقت لم أقرأ شيئًا بهذه الدقة و القوة؟!

ليالي تركستان لنجيب كيلاني، شيء رائع، رائع جدًا، أبدأ بالكتابة هنا فقط كي أقول أتلذذ بشكل أطول في هذه القراءة، الأحداث مُحكَمة، و القصة حية كما جمر متوقد، و مصطفى البطل خير رجل، بربكم لماذا لا تنتشر هذه الروايات بدلًا من تلك الرخيصة؟ هذه لعبة أخرى، فكر مستعار.

ذكرتني بعض الشيء برواية “كنوز أولوغ بيك” لعادل يعقوبوف، بيد أن هذه أمتع و أكثر استقامة من صوفيات الأولى، اللغة قوية و صارمة لا اهتزاز فيها و لا ربكة، و القصة هادفة و ماتعة، لشد وضوحها أكاد أراها أمام عيني تتحرك و تحدث، يجب أن لا تفوت أي كاتب هذه الرواية، و هذا يجعلني أركض بكل سرعة لأرفع روايات نفس الكاتب على قائمة القراءة، و أمسك نفسي بصعوبة من التهام كل صفحات ما بين يدي، كتاب هائل.

أكتشف أني أهتم بقصص الحروب، و تجذبني كثيرًا قصص الغزو و الاستقلال، ربما هو شيء يعكس جانب الروح الثائرة في لأجل وطني الغالي، و قبل قليل و بينما كنتُ أقرأ في “ليالي تركستان” وجدتُني أتذكر شهداء حرب 2015 ضد الحوثي الخسيس، أتذكر كل أولئك الذين خرجوا لرفع راية الدين و لإخراج المعتدين، أتذكرهم و تلتوي عقدة وثيقة في صدري، أولئك جميعًا أهلي، أولئك الذين أدين لهم بعد الإله بعودتي لهذا الوطن، بالأمان الذي أعيش فيه الآن، أتذكرهم و يكاد ينفطر قلبي، إلا أني أقول: سيجعل الله مثلهم آخرين، صادقين في رفع راية الحق، صادحين برؤية الاستقلال بلا خوف و لا غدر، و للمدينة رب يحميها بهم.

و أقرأ هذا المقطع و تنفعل دواخلي، و تجيش مشاعري، إن الوطن شيء كبير، و جنوده مني، لا عدمناهم قط:

ما أروع أن يعود الجندي منتصرا إلى مسقط رأسه، إنه يمضي مرفوع الرأس، ينظر إلى الناس في حب ومودة، يشعر أن رابطة قوية تربطهم وبينه، وهو نبض من قلوبهم، جزء من أرواحهم وآمالهم، وأفراحهم وآلامهم؛ النصر العظيم -كالألم العظيم- يوحد القلوب، ويصهر الآمال في بوتقة واحدة.

الفارس العائد يدق أرض الشارع في فخر، ينظر إلى الوجوه الجميلة المستبشرة وهي تطل من النوافذ، وإلى الأطفال الذين لوحت بشرتهم البيضاء ويجيئون في هدوء وسعادة.

الفارس العائد يشعر أنه قد أدى بعض الواجب، وهو يقتحم الحصون بالأمس، ويطلق مدفعه القديم، ويطهر المواقع من دنس الصينيين، وأنا الفارس العائد، يا لها من أغنية حلوة!، أشد ما كان يثلج صدري أن أرى الغزاة ينهارون ويموت كل منطق لديهم، ويذكرون الله على الفور، أنا واثق أنهم لم يكونوا يكذبون.. لقد انجابت الغشاوة عن أعينهم فعادوا بفطرتهم -وقت الكرب- إلى الله، الحقيقة الأولى الأزلية التي لا زيف فيها…

اليوم في طريق عودتنا من المعهد، مررنا بأحد الطقوم التي لا تفتأ تمر في هذه المدينة، غادية و رائحة، معها نصر أبدًا بإذن الله و محملة بجريح أو شهيد أو كبير لا يزال يركض من هنا إلى هناك و يعمل كي يجني حصاد الاستقلال و نيل الوطن و حفظ الدين، كانت هناك شاص تقف مركونة بانتظار أحد ما على الأرجح، على صرحها جنود مسلحين أنتشي برؤيتهم و تلهج لساني بالدعاء لهم بالتوفيق و السداد و الخير، في مقعد السائق جلس جندي بلباسه الثقيل و سلاحه رافعًا أمامه مصحفًا و يقرأ كمن لا يريد فوات الوقت، و ربي كدتُ أبكي، يا رب كثر من الصادقين الحريصين على العرض و الدين، يا الله أعده لبيته و أهله سالمًا معافًا بقلب مورق بالاطمئنان و البهجة، يا الله و جميع جنودنا الطيبين، أرِح أجسادهم المُتعبة، و أنِر أرواحهم المليئة بالندوب، يا رب و اجعل قلوبهم صادقة وفية لا تعرف النكوث و تشمئز من الغدر و النكوص، الوطن يا إلهي.

و الله لو كنتُ رجلًا لما غادرتُ سور المدينة حتى يرتد كل الدنيئين على أعقابهم أو أموت، و ما قولي هذا بتجبر و استعلاء على القدر، و لكن لشد احترامي و امتناني لجنود الوطن الحبيب.

من كليات الدين حفظ العرض و النفس، و هذا و الله من عظيم شارِعهُ و مُنزِلهُ سبحانه و تعالى؛ ثم يجيء من يحاول التلويث أو تخريب الفكر الحنيف؟!

كتبت معلمة على ورقة اختبار سؤال لصفوف الأساسي، تقول إختر الإجابة الصحيحة:

يقبل الله الأعمال الصالحة من:

1_ الناس جميعًا.

2_ المؤمنين فقط.

3_ الكافرين و المنافقين.

اختار الطلاب: المؤمنين فقط، فأخذت الدرجة و وضعت خطأ  على اختيارهم، و أشارت على إجابة “الناس جميعًا” أنها الاختيار الصحيح، و حضرت احدى أمهات الطلاب لها من العلم الجزيل بفضل من الله، و نبهت المعلمة بأن الإجابة الصحيحة هي ما كتبه الطلاب، لأن شرطا قبول الأعمال الصالحة هما: الإخلاص و المتابعة، و ان الكفار ينعدم عندهم الشرطين أو أحدهما على الأقل و هو المتابعة و إلا كانوا مسلمين!

و لكن المعلمة رفضت تمامًا، و خلصت الأم إلى القول بعدم رد الدرجات التي أخذتها المعلمة على الطلاب و لكنها ترجو أن تصحح عقيدتهم فحسب، فرفضت كذلك و احتجت بحديث البغي من بني إسرائيل و التي أدخلها الله الجنة بسقيا كلب فقط.

ما هو الرد برأيكم؟

قالت لها الأم و هي التي تعرف في دقائق الحديث: إن قول “من بني إسرائيل” دليل على أنها كانت على ملة الإسلام و لكن بدين أحد رسل بني إسرائيل أي أنها ابتداءً ليست مشركة، ثانيًا فعلها و هو البغاء كبيرة من كبائر الذنوب و ليس كفرًا أخرجها عن الملة، و لقد رحمها الله بسقيا الكلب لأنها ما تزال مؤمنة و لو أنها فعلت كبيرة من كبائر الذنوب.

و لكن يا للأسف، عندما تخاطب شخصًا يفهم من النصوص ما يحلو له، أو بإحسان الظن نقول: يفهم من النصوص ما لقنه إياه عدوه الكافر أو المتلبس بالإسلام، أو عالم ضال مضل، نسأل الله العافية و الثبات؛ إن هذه المسائل من ثوابت العقيدة في صدور المسلمين، كيف يُمكن أن يصل إليها الضالين المُضلِين؟!

حكت لنا هذه الحكاية معلمة لنا في المعهد، في سياق عدم القدرة على مواجهة كل شُبَه العالمين، و أن ما على الانسان فعله هو مواجهة منابع هذه الشُبَه إن كان له من العلم الوقوف بوجهها بدون نكوص أو تردد، و ذكرتنا المقولة: لو كل كلب عوى ألقمته حجراً *** لأصبح الصخر مثقالًا بـدينار

أقول لكم في الواقع لقد استغربت، فقد اشتبه علي أمرين: القبول و المجازاة، و لكن بفضل الله أوضحت لي البنات الفرق، إن القبول أن يجازي الله فاعل العمل الصالح بالآخرة، أما الجزاء فهو ما يجده الكافرين عما يفعلونه من خير ما دام ليس لهم فيه إخلاص و لا متابعة لله و للرسول صلى الله عليه و سلم، و حاشا لله أن يقبل عمل كافر به بل قال سبحانه: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)

و لو ساوى الله القبول بين المسلم و الكافر إذًا ما عاد للمسلم من فضل و هذه هي العقيدة الفاسدة التي يحاول الكثير من المنافقين أن يزرعوها في النفوس و هي أن: ليصير كل منا على دين يعجبه أو حتى بلا دين، ثم نعمل كلنا الأشياء الصالحة و يقبلنا الله جميعًا في النهاية! شيء شيطاني غريب، يحاول تزهيدنا على التمسك بالدين و أنه شيء ثانوي جدًا مقابل الأعمال الصالحة، نسأل الله السلامة و الثبات على الدين، إن الله لا يقبل أي عمل صالح من قلب فارغ من الإيمان به، محب له خائف راجٍ، و من هذا تتبدى لنا أهمية العقيدة في صدورنا و صدور أطفالنا، فإنها أوتاد لتثبيت قلوبنا العطشى للهوى و الميل و الترفه بنعيم ناقص و هو هذه الدنيا، و إن المؤمن إذا رغب بشيء من الله فلا يرغب إلا بالشيء العظيم، يقول صلى الله عليه و سلم: (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ)

فالله عظيم، و يحقق كل عظيم و هو عليه هين يسير، نسأله أن يجعل قلوبنا ثابتة و أرواحنا عطشة ملتفتة إلى النعيم الخالد، و أجسادنا في طاعة لا كلل فيها و لا نصب له سبحانه لا شريك له.

في الفصل الحادي عشر من “ليالي تركستان” لنجيب كيلاني.

9 Comments اضافة لك

  1. khadidja.yet كتب:

    حفظ الله بلاد المسلمين جميعا عزيزتي ❤️
    التدوينة جميلة جدا لدرجة أني قرأتها للمرة الثانية 🌸

    Liked by 1 person

  2. Salma♡ كتب:

    ياااااي مااا أحلاها شحدت همتي ببلاغتك و حسن كلامك.. فخر أن توجد مقالات كمقالتك فيها من الإيمان الكثير.. شكرا و ألف شكر على ثباتك و حقانيتك جزاك الله خير الجزاء.. كل المحبة و الود و الاحترام.. عاشقة حرفك مرت من هنا.. 💗❤️💗❤️💗❤️💗

    Liked by 2 people

  3. As.wy كتب:

    آمين يا رب، يا خديجة لو تعلمين كم أسرني رأيك بما كتبت!
    أهلًا بك دائمًا💝

    Liked by 1 person

  4. ما هذه التدوينة الرهيبة… حياك الله^^
    لكن أين حقي من الفراولة ^^

    Liked by 1 person

  5. As.wy كتب:

    و إياك و إياك يا سلمى، و الله نمت بعيون قريرة بكلمات لطيفة و واعية مثل كلامك، سلمتِ يا عزيزة، و أهلًا بك دومًا 🧡

    Liked by 1 person

  6. As.wy كتب:

    يحييك ربي، شرف لي اطلاق الصفة على تدوينتي الصغيرة🌸

    متواجدة في الحفظ و الصون، لولا ظروف العالم لأرسلنا سلة فراولة محترمة لأجلكم 😅

    Liked by 1 person

  7. Salma♡ كتب:

    💖💗💖💗🌷💖💗💖💗

    Liked by 1 person

  8. As.wy كتب:

    و إياك يا رب و الجميع.^

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s