حلقات ⛓

تخاصمني

قال والدي: اصنعوا لي كوبًا من اللبن و الكركم

حملتُ جسدي

سمعتُ قرقعة من المطبخ السفلي

لم يكن يحق سؤالي

أرسلتُ بصري

فإذا هي تجلي الصحون

زفرتُ و قمتُ أعبئ الإبريق ماء

قلتُ لأمي: أيوجد هنا بودرة الحليب؟

قالت: دعيني أرى

قال أبي: ألا تصنع أختك في الأسفل؟

قلتُ: لا أظن؛ سأسأل

هل تصنعين الحليب؟

و لم أجد مجيب

قلتُ: لا يجيب!

قال بامتعاض: أهناك زعل؟

ابتسمتُ ببلاهة

و استلمتُ علبة الحليب

نزل والدي لجناحه

و في الطريق

ألقى كلمته:

لا أحب الخصام!

أتممتُ تحضير الخليط

سألتُ أمي: أتكفي كمية الكركم؟

أنا لم أنتظر غليان الحليب!

تناولَته بصمت

أعادته على النار

قلتُ: أبي لا يحبه ساخنًا!

صمت

قلتُ: دفأته فحسب

صمت

عقبت: أظنه لا يحب الساخن

صمت

و ذهبتُ باستسلام

فالصمت شبحي

بعد قليل

دخلَت الغرفةَ المُخاصِمةُ

قالت: توقفي عن قراءة الروايات حالًا

لقد عدتِ لتدخلين في العالم الآخر

تجاهُل و دهش

دخل أبي جناحنا و صاح يسأل:

لمن هذا اللبن؟

ردت عليه: لم أكن أدري أنها صنعت هي الأخرى، سأشربه أنا

كرر السؤال لأنه لم يسمع

قالت: لي، إنه لي!

قال: و لم لم تردي من قبل؟

قالت: لم أسمعها!

ألقى تعليقًا عاتبًا

و صفق الباب خلفه

قالت: سترين سأطفئ النور اليوم باكرًا

جهزي دموعك و وجنتيك

ابتسمتُ بدهشة

سيكون كل شيء بخير

في الواقع كنتُ سأحذف النص في الأعلى، لأنه بدايةً غبي، ثانيًا لأنه سخيف!

أقصد أنني كتبته في لحظة دهشة و تعجب، كان الموقف غريبًا، و الاعتراف على الملأ بأنه موقف خاص بي و واقعي هو اعتراف صعب في الحقيقة، و لكن لم التنميق؟

لستُ غاضبة، أو حانقة، كل ما في الأمر أني دَهِشة و مرتبكة من هذا الموقف الذي كثُر فيه استخدام الصمت، في منزلنا الذي لا يستخدم فيه إلا في النادر؛ صحيح أن أختي لما تخاصم لا تجيب، و لكن…

ثمة حلقة مفقودة، كل ما يمكنني أن أملأها به: أن الغضب الذي غضبت من أختي لموقف عادي قبل أيام، و أبقيتُ اعتراضي في نفسي لأني فهمتُ أني إذا اعترضتُ فسأندفع، و اندفاعي دائمًا ما يهضم حقي، ما يجعل الآخرين يرونني مخطئة و إن لم أكن كذلك، الحل ببساطة كان: أن أتخلى عن الاعتراض بصوت عالٍ، و توكيل أمري لله بأن يُذهب ما في نفسي، و في بعض الأحيان أن يجعل من يكرر نفس الألم بداخلي يشعر به و لو لمرة لعله يفهمني.

حسنًا ..الحمد لله، دومًا استطعتُ التعامل مع الحلقات المفقودة بملئها بأي فكرة كعذر أو كتابة أو قراءة، مثلما أفعل الآن مثلًا!

الغريب لو لاحظ القارئ، أن الموقف في شق و تعليق أختي في شق آخر، ما استدعاني وقت أن ألقت به ضحكة عميقة كتمتها بصعوبة، و خرجت على شكل ابتسامة لم أقصد كثيرًا أن تكون مستفزة، ما شأن الروايات في الموقف؟!

حسنًا، يستنفر أفراد أسرتي من كثرة قراءتي و كتابتي، و من قبل لما كنتُ نشطة على فيسبوك، كتبتُ كثيرًا و كنتُ غائبة تمامًا عما حولي، تلك الفترة كنتُ مجرد مراهقة صغيرة في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة على الأكثر، كنتُ صعبة الانفجار، و كنتُ كأغلب المراهقين (أقول مراهقين لأني كنتُ بالفعل أقتدي بالأولاد أكثر من البنات!) لا أبكي أبدًا أمام الآخرين مهما حدث، في حين أني كنتُ أغسل وسادتي كل ليلة سواء لسبب أو لجنون الهرمونات فقط، و كنتُ حريصة على أن أكون الكائن الحديدي الذي لا يتأثر و لا يستفزه شيء، و أحيانًا حتى لا يضحك، و لا أدري من أين اخترعت تلك القوانين، و لكني أدري مقدار الاهتمام الذي أوليته إياها، و في الواقع كان ذلك يبهجني في موضع واحد، و هو حين أرى ما خبأته بداخلي مرسومًا على شكل كلمات في ورقة، أو في مذكرة إلكترونية على الهاتف، و لأجل النصوص التالية يزداد حماسي لكتم شعوري و تفريغه في كلمات.

بالتأكيد كانت تلك النصوص فظيعة، و لكنها كانت تعني لي الكثير، و بجرأة شديدة نشرتُ كثير منها على صفحتي الشخصية التي تحمل عائلتي و كل أهلي، فاتسعت دائرة معارفي بشكل مهول، و لا أدري حتى اللحظة ما يمكن أن يكون قد شدهم إلى ما أكتب، إلا شيء واحد يمكنني تخمينه و هو أن الكتابة بتلك الطريقة و الجرأة التي نشرتُ بها لم تكن متواجدة كثيرًا، و جرأتي لم تكن مقتصرة على النشر فحسب، بل تصديق نفسي بأني كاتبة مخضرمة، و التعارف بدون قيود، و الغريب في كل هذا أن عائلتنا و محيطنا هو عبارة عن أفراد مغلفين بأنفسهم، و ليست العاطفة و المشاعر الفياضة بالأمر المألوف لدينا، حتى بالنسبة لعائلة والدي شبه المتحررة، بل إنني كنتُ نفسي مغلفة بنفسي كي لا يعرف مشاعري أحد، و لذلك ما زلتُ أتساءل: ما الفرق بين كتمي لمشاعري على أرض الواقع، و بين نثرها في كلمات على موقِع فيه كل أرضي؟!

و الأعجب من كل هذا أني كنتُ أتصرف بكل بساطة بعد نشر أي شيء لي، و كأنني لستُ التي كتبت!

ماذا كنتُ أقول؟

صحيح، تلك الفترة انغلقتُ فيها على نفسي، و صرتُ مجرد شبح، فأنا أقرأ كل ما يقع بيدي سواء كتب جيدة أو سيئة، روائية أو أدبية أو سياسية أو حتى دراسية، حاول الكثير انتشالي من تلك العزلة الغريبة، و لكن لا جدوى، كنتُ سعيدة جدًا بنفسي، و لفترة طويلة ما شعرتُ قط بانقسام في نفسي، كنتُ متصالحة لدرجة مهولة مع ذاتي، في حين أني كنتُ متخاصمة تمام التخاصم مع عالمي و محيطي، أبصق عليه بفكري، و أنظر له بازدراء، و أكتب كما لو أني مرشدة.

كل ذلك الذي كتبته الآن مضحك بقدر ما هو غريب بشكل مرعب عني!

في تلك الفترة قرأتُ الكثير و الكثير من الكتب بنسخ قديمة، أوراقها صفراء أو بنية على الأغلب، مهترئة و مُهمَلة، رائحتها عبقة، و الكلمات فيها فاتنة و مُدهِشة لي كثيرًا، كنتُ أستعيرها من المدرسة، و كنتُ أكلف أخي باستعارة أخرى من مدرسته، و كنتُ أفتش مكتبة المنزل التي تحوي في الغالب كتبًا شرعية جميعها على ما أظن قرأتها، سواء على عجل، أو باهتمام، أو بهروب من عالم متلون في عين مراهقة متقلبة المزاج.

أغلب قراءاتي كانت من الأدب الروسي، و من أهم تلك القراءات: الدون الهادئ، كوخ العم توم، قصص مختارة لجنكيز إيتماتوف، و كتب أخرى نسيتُ الآن اسماءها، و أكاد أشتم نفسي لأني أشعلتُ النار في المذكرة التي وثقتُ بها تلك المرحلة من حياتي.

بعد تلك الفترة، حدث نقل لمكتبة والدي و غربلة لها، و هنا سنحت لي الفرصة في الاطلال على المكتبة التي وشوشت لي دائمًا من الزاوية، و وقفتُ مرتبكة غير قادرة على الوصول إليها و سرقة ما فيها، سيما و أن والدتي لم تحبذ اقترابي منها كثيرًا لأن فيها من كل شكل و نوع، صالح و طالح، مفيد و فاسد، و لكن بما ان الغربلة وفرت جو فوضوي، فقد نجحتُ في الانسلال إليها و تفتيش ما فيها بفضول شديد و لهفة، اقتنيتُ منها: المفكرة الخفية لحرب الخليج، حرب أكتوبر للشاذلي، بين الصحافة و السياسة لمحمد حسنين هيكل و مجموعة أخرى لا أستحضرها له أيضًا و منه بدأ اهتمامي بالسياسة العربية بشكل عام، رأفت الهجان الجزء الأول فقط و منه بدأ ولعي بالجاسوسية و طلعتُ للأسرة بحلم مجنون: لما أكبر سأصير جاسوسة!

و من هذا الحلم فطنت أمي لقراءاتي تلك، فبدأت تُعمِل إرشادها بكثافة، و لكني أدخل الكلام من أذن و أطلقه من الأخرى: يجب أن أصير جاسوسة، و أفضح اليهود و العملاء و المحتلين؛ لا.. و أكثر من ذلك، كنتُ أناقش أمي: يمه، حتى حذيفة بن اليمان تجسس للرسول! .و يستمر النقاش في الدوران.

بعد ذلك و في فترة الثانوية، تعلمتُ أن أقرأ و أفتش في مكتبة والدي بكل راحة شريطة أن لا أفرد آرائي أو أفكاري، و لحسنِ الحظ كان والدي في المرصاد، قال لي بعينين لامعتين و وجه فخور: اقرئي ما تشائين.

كان مبتهجًا لأن مكتبته الجاثمة في الزاوية ستُنفَض في رأس غيره، فليس في المنزل هواة قراءة كثيرون، أنا و والدي على رأس القائمة و البقية فيهم من يقرأ فيمل و يترك، و من لا يقرأ مطلقًا بل يفضل المشاهدة و التلقي بكافة أشكاله على ذلك؛ و لفرط حماستنا الاثنين، شرع والدي في الاتيان ببعض الكتب الأخرى من مكتبة لصديقة أو من أي أحد، و وضع لي حافز كنتُ بغنى عنه كي أقرأ، قال: الكتاب الذي تقرئينه تأخذيه.

و أخذتُ الكثير و الكثير، حتى طردتُ الملابس من دولابي و وضعتُ مكانهم الكتب، و انتبه والدي للمشكلة و لشبه تهالك مكتبته التي تخففت بوضوح، فقال بضحكة: حسنًا حسنًا، خذي ما لا يمكنك الاستغناء عنه، و ما لن تعودي لقراءته كثيرًا اتركيه في المكتبة. و فعلتُ بحيرة شديدة، و استمر تخفف دولابي المسكين حتى حوى المسرحيات التي تجعلني أضحك كلما ضجرت، و هذه التي نسيت _لغفلتي هذه الفترة عن تصفحها_ لمَِ اخترتها هي عوضًا عن الباقين.

هذا كله كتبته بعد اتمامي لرواية “رئتاي تبتسمان للموت قريبًا” لأيوب بنبري، ألا _يا سادة_ إن لغة الكتاب لرائعة جدًا، بالرغم من أن بعض المواضيع كئيبة و لكن للصدق و البساطة رونق لا يصله كل كاتب، أحاول أن أبحث عن كتب له أخرى غير “رسائل يوسف” و لكن كل ما أجد له غير ذلك في التقنية و هذه الخرابيط التي لا تهمني، صراحة خسارة 🚶‍♀️

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s