شهقات⏪

طفلة

_يخرج معها كل يوم في محاولة لتسريع الولادة، لكن لا إشارة لولادة قريبة أبدًا، قالت له بابتسامة: صدقني، لن ألِد إلا إذا سافرتَ!. و سافر..

و بعد أيام جاءها المخاض و شهقت الطفلة الوحيدة بعد ثلاثة أولاد شهقة الحياة، و فكرت أمها بأن تفاجئ جدتها بدون أن تمهد الأمر باتصال، فانطلقت من فورها مع حماتها؛ و عند بيت أهلها طرقت الحماة الباب، و فتح الأب لتقول له مازحة: هل تريدون بنت؟. و صفق الأب الباب بوجهها ظانًا إياها فاجرة أو مجنونة.

قالت ضاحكة و هي تعاود الطرق: هذه ابنة سندس افتح يا عمي. ففتح متفاجئًا و دخلوا المنزل الفارغ من سواه.

في سوق قريبة، كانت الأم تقول لحفيدها: دعنا نتسوق بهدوء و راحة فلا شيء خلفنا. ليرِدهم اتصالها: لقد وضعتُ طفلتي و جئتُ لأفاجئكم ففاجأتموني بغيابكم! فهرعوا للمنزل ضاحكين: لقد بقوا في البيت أيامًا كثر متوقعين ولادتها فلما تأخرت قرروا المجازفة بالخروج و عدم تأجيل التسوق أكثر.

و في منطقة بعيدة، حيثُ يعمل الزوج مسعِفًا في موقع حرب، وردت إلى غرفة العمليات مكالمة: يبدو أن خليل قد فقد هاتفه المحمول، نحتاج أن تخبروه بأن زوجته قد وضعت طفلة. و ما إن تلقى خليل الخبر حتى احتضن ورقة مهام يتملص منها جميع الزملاء لثقلها و استلزامهم السفر لإتمامها، و سافر إلى أسرته.

شرغة أخيرة

_يشرغ كل يوم في نومه مما يستوجب منهم إيقاظه، ذلك الحل الوحيد بعد أن تفاوتت تحاليل المرض الذي أصابه بين السكري المرتبك، توقف عمل الحنجرة، ورم في الأذن و المعدة، جلطة دماغية، و أحيانًا “لا تسفر الفحوص عن مرض خطير!”، لم يعد باستطاعته الكلام و لا يقبل الطعام، و بحاجة لرعاية كثيرة.

في ذلك اليوم استيقظ حيويًا، و أكل بعض الطعام، و تحدث مع ابنة أخيه التي تعتبر ممرضته الرسمية تقريبًا، ليس لأن لديها خبرة بالتمريض و لكن لأن الآخرين لا يمكنهم الصمود أمام ضعفه و نفاد صبره، و أما زوجته فهي تتقن البكاء أكثر.

عندما نام، كالعادة كانت زوجته متنحية جانبًا في الغرفة، و ابنة أخيه جالسة بقربه، شرِغَ كالمعتاد، أيقظته ابنة أخيه كما اعتادت، شهق شهقة حادة و شَخَص ببصره ثم بَرَد.

عجايا

_ قالت: يجب أن أذهب، أخشى أن يستهتر ربيع فيأكل من الممنوع، و أنتِ تعلمين كم يتعب بعدها، كما و أن قمر لديها امتحان غدًا و يجب أن أطمئن على سير مراجعتها كي لا تتهاون، و نجمة فستصنع مشاكل مع أخويها، بل الأصح أنها قد تشاجرت معهما و تنتظرني بفارغ الصبر كي تفيض بها عليَ!، مع السلامة.

و خرجت و هطل المطر، فقالت لمن حولها بابتسامتها المألوفة: ادعوا ادعوا، إنه المطر.

و في الطريق اعترضها دوار من ضغطها غير المنتظم، و اسودَت الرؤية عندها فتمسكت بأقرب شيء لها، كان جهاز التكييف الذي هطل عليه المطر.

تمسك بها بقوة، حتى شهقت و الناس ينظرون لها بهلع.

كانت نجمة الصغيرة تلعب في الشارع بعناد لأختها قمر، و كانت قمر تشاهد مسلسلًا و تأكل من كيس الفشار بحماسة، و أما ربيع ذو الرابعة عشرة فقد جلس أمام ثلاجة المنزل لما شعر بتأخر أمه عنه، و شرع يأكل بنهم من الشوكولاتة و كل ما هو ممنوع منه بسبب مرضه المزمن السكري، قائلًا بسعادة: سآكل بسرعة قبل أن تصل أمي.

و لو بقي يأكل الحلوى حتى تأكله هي بالغرغرينا ما عادت امه ثانيةً لتمنعه، و لكنه حرَمها و باتت شبحه الأبدي؛ لقد بات و أختيه عجايا، و فُطِم تمامًا من حرص أمه، و كم هذا قاسٍ عسر!

بارود

_كانت عقيدتها عن المديح أنه عبارة عن مفرقعة مبهجة جدًا، و لكنها تتحول إلى رماد مبكرًا و إلى الأبد؛ لذلك لم تحبه أو على الأقل لم تعتد عليه كي يروق لها.

عندما مرت ذلك اليوم على أمها و خالتها و هما تتحدثان بصوت منخفض، شعرت بأن الحديث دائر عنها، قالت أمها: أوه لا، هذه لا تحب الغيبة و تتضايق من السخرية من الآخرين أو حتى ذكر أمورهم الخاصة و التعجب منها من وراء ظهورهم، مهما كانوا سيئين، و إذا حدث و سخرَت فإنها تسخر على الملأ، و بالرغم من سوء فعلها إلا أنه في الواقع غالبًا ما يكون لسخريتها مغزى.

و همست خالتها: حقًا؟ رائع جدًا، و لكني أخمِّن: أهي جبانة؟!

نفت أمها بكمد: لا أبدًا، لا وقت لديها لذلك فهي متهورة و اندفاعية بشكل مفجع، إنها تضع نفسها في ألف مأزق مقابل حرصها التام على عدم تعريض الناس لأي مأزق عبرها!

فما عرفت هل تحزن أم تفرح، و ما استطاعت تحديد الفعل الأصح، أوَ تتظاهر بأنها لم تسمع؟ أم تندفع و تقول بأنها بالفعل قد سمعت؟

في النهاية فضلت عدم التدخل، خصوصًا و أنه من الواضح أن والدتها في غم من اندفاعها و تلقائيتها؛ فاتخذت مجلسًا متنحيًا عنهما، متمنية من كل قلبها أن ينتهي الموضوع إلى هذا الحد، و فركت كفيها باستمرار و توتر، و ضمت قدميها اللتان بدأتا بالتعرق، اشتهت شهقة تفرد بها تشوشها، تُشبه البارود، مستعد دائمًا للإنفجار.

ميقات

_يخاف من الإناث، يخجل حد عدم قدرته على الكلام عند أي فتاة، لقد اعتزل أصدقاؤه أيضًا لأن جل حديثهم عنهنَ، اتخذ من دكان أبيه شغله الشاغل، و بدأ يتعلم كيفية المعاملة البسيطة الجادة من زبائنه منهن، كان بخير و منهمك تمامًا في العمل؛ و بشكل طبيعي و عادي جدًا اعتاد على مرورها كل يوم في وقتين معينين أمام البقالة، حتى انقطعت فجأة عن المرور، هُجِر الميقات، و استغرب، فتأكد، فعكف يترقب، فتنهَد يائسًا بعد مرور وقت طويل، و عاد إلى البقالة زاجرًا نفسه عن هذا الاهتمام غير المبرر، و بدأ تدريجيًا بالعودة إلى أصدقائه عندما شعر بأن هناك شيئًا ما يفتقده و قدر أنه هم، و لكن حقًا أهُم؟

بعد شهور، مرت نفس العينين، نفس المشية المختلفة عن مشية الأخريات المصطنعة، نفس الارتباك في حركة الكف، و نفس عدد الرمش القليل مقارنة بالباقيات، نهض و تقدم و وجد نفسه يبتسم، و لكنه قصم الابتسامة بشهقة خافتة، و تراجع الخطوة التي قطعها، و هوى بجسده على كرسيه بصمت، سأل نفسه حانقًا: ما الأمر؟

و أما هي فقد وجدت نفسها تبتسم براحة، لكنها سارعت خطواتها التي تباطأت و كسرت ابتسامتها سائلة نفسها بسخرية: ما هذه القصة؟

جدو العزيز

  • يناديني فأجيب، يسلِم لي النسخة الثانية من كتاب عمي عن السيرة الذاتية لجدي _رحمه الله و غفر له_ شهقت بسرور لامتلاكي النسخة، كنتُ قد قرأته، لذلك كل ما فعلتُه أن تصفحته بشكل سريع، و طرأت على بالي فكرة غريبة: أنا حفيدة جدو رقم كم؟. و بعد تعداد و حساب، وجدتني أكتب هذا بحماسة و حب عميقين.

هذه نسخة إلكترونية عنها:

جميع القصص حقيقية، سردتها على حسب نظرتي الخاصة لها؛ رحم الله المتوفيين، و بارك الله لهم بالموهوبة، بالنسبة للبارود فخلف الله على قلبها خيرًا، و للميقات عسى أن يصلا إلى سبيل، أبهجتني سيرة جدي _رحمه الله و غفر له و أسكنه فسيح جناته_ و لا أزال أقرأها مرات متتالية إما لتنقيح أو لمزيد بحث و تفصيل.

3 Comments اضافة لك

  1. أبو إياس كتب:

    القصص الحقيقية دائماً لها طعم خاص ونعتبر بها ويحصل بها التسلية والفائدة
    شكراً لمشاركتها

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    يسعدني ذلك جدًا عمو🌺

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s