منعطف ↪️

في يوليو 2019 قرَرتُ قرارًا كان في نظري تافهًا و مستحيلًا[1] مثل سلخ الجلد، و لكني قلتُ لنفسي يجب أن أجرب، يجب أن أختبر قوة دفاعي و مدى صمودي أمام هذه الأشياء المعنوية، هذه الأشياء التي باتت أنا على غفلة ممتدة مني، و قمتُ أقنع نفسي بكتابة لا محدودة لأقنع نفسي بمدى جدية الفكرة، و أنسى العناد التي ينخر رأسي: هذا شيء بارد، حديد، إنه لا يعنيني منه سوى الشعور به، فلم أحاربه و هو الجماد؟

و لكني بالمقابل تصديتُ له بقولي: من الأشياء المعنوية يبدأ مشوار الصمود، أو على الأقل هذا هو الشيء المتاح حاليًا، و كلما أخرتُه فإنه سيزداد عمقًا و هذا ما لا أريد، هذه الحرب الوحيدة التي أستطيع خوضها و إن تقاعستُ فلن أكون إلا خائنة لنفسي، عليَ أن أفعل.

و حقًا فعلتُ، و بفضل الله و عونه نجحتُ.

اليوم أنا بحاجة لمثل ذلك الإصرار، و نفس ذلك العزم، أنا بحاجة لقرار حازم، قرار لشيء تافه جدًا، و لكنه بدأ يمد أياديه بداخلي كما أخطبوط، إنه يخنقني كي أكونه، و أنا أحب أن أكونه، و لكن ليس على هذه الصورة، و ليس بهذا الجنون.

تهمني البدايات و لكن ليس بقدر ما تهمني النهايات، فالنهاية لدي هي القول الفصل، و للبداية مذاهب و تفرعات، للبداية فرص لا تملكها النهاية؛ يحكى أن شخصًا ما قرر أن يبدأ بداية جديدة فوضع نقطة و بدأ سطر جديد، تاركًا في النقطة كل رغبته الصادقة بنهاية أفضل مما كان يمكن أن يصل إليه.

و أريد أن أبدأ من جديد، رصيد البدايات لدي كبير لأني لا أستخدمه دائمًا أو على الأقل ليس للأشياء الكبيرة، إني أبدأ بدايات صغيرة في كل دقيقة، و لكن للحق هذا لا يساعدني كثيرًا، أعرف أن القفز خطر، و لكننا أيضًا نحتاج للخطورة من حين لآخر كي ننتقل، فليس كل الطرق مستوية، و ليس كلها معبدة، ثمة طرق لن تُسلَك إلا بشجاعة و بثقة عميقة بالله، و بتسليم.

تمامًا كما نمر في تلك المنعطفات الحادة في الطرقات و الشوارع، نحنُ لا نعرف ما وراءها، و لن نعرف إلا بسلوكها، و لن نعرفها حق المعرفة إلا بمعاينتها، و ما دون ذلك مجرد تكوين لصورة عامة، و ليس شرطًا أن تصح، لذلك الشجاعة واجبة.

على زجاج باص صغير كُتِب: ما دامت الموت محتوم، فلا تعش جبانًا.

و أضيف من عندي: و لا متواكلًا متهور.

ما أريد أن أقوله: إلى متى سأبقى وراء المنعطف؟

متى سأمتلك شجاعة كافية كي أعبره؟

صحيح أنه ليس لدي سوى طريقة واحدة و هي تلك التي تجعلني أميل إلى السقوط، و لذلك أنا مترددة و خائفة، و لكن هذا ليس عذرًا، لأنه حتمًا علي العبور، و كل ما هو في متناولي: الإيمان بلطف الله، و الإقدام بإصرار.

و الأول عظيم و راسخ إن شاء الله، و الثاني بفقرته الأولى أمتلك منها الكثير و هو تهوري، و لكن الفقرة الثانية هي الصعبة لأني سرعان ما أنفجر، ألم أكن تلك الفقاعة أبدًا؟!

إني لا أملك من الإصرار إلا كما يملك الطفل من التوازن في أولى خطواته، سرعان ما ينفد فيسقط مستسلمًا للزحف الذي اعتاد عليه، صحيح أني لا أرغب أبدًا بتعجيل مرحلة تعلم التوازن، و لكن روحي بالداخل تضيق ذرعًا، و تتفقأ بداخلها قروح لاهبة، و أكاد أسمع سخريتها من كل سقوط يطرحني فأعود للزحف بدون أي يد تمتد لي، فأنكس رأسي و أعاود الزحف بغشاوة الوجع، حتى إذا بدأتُ بالنسيان و استعدتُ شيئًا من الثقة و لو بالزحف، قمتُ للمحاولة من جديد و سقطتُ من جديد أيضًا، و أُعيد المشهد، الآن في هذا السقوط، أنا بحاجة شديدة للبكاء بصوت عالٍ و ضرب قدمي بالأرض، و لكن _مع كل الأسف_ أعترف بأن هذا ليس مقبولًا لأني سأرضى بالعودة للزحف و ستعود نفس الفقرات، و الحق أني مللتُ، و الملل عندي حافز عظيم لخرق المعتاد، أو ربما كما ذُكِر هنا: الإبداع نوعًا ما ممل بشكل خفي.

الآنسة آس:

أعرف أنك هنا، تقفين أمام الصغائر و تغرقين، تنسين أن ما أمامك سبل كثر، و أن عليك تعلم التغافل و التمرير، لهذا أقول لك: أنتِ لن تمضي، لأنه لا يوجد على الأرض كمال، و لأن الكمال في كل شيء نسبي إلا ربُ الكمال.

خطوط البلاط لن تبتلعك، و ذرات الغبار على قميصك لن تخنقك، و جواب سريع من قلبك لن يُكفِرك، و تعليق بارد ممن حولك لن يجمدك، كما أنك لن تموتي ببساطة، فتوقفي عن كتابة الوصايا الواحدة تلو الأخرى متيقنة بأن شيء مما يزعجك سيقتلك يومًا ما، أؤكد لك: أنتِ عنيدة كبغل، حتى و إن كنتِ هشة كإذعانه في نهاية الأمر.

إن تخليت عن ما لا يروقك، و فعلتِ ما يشبهك، و صرتِ سعيدة بهذا، فما الذي يعنيكِ بربِك من اعتراض الآخرين؟ سيما و هم لا يستطيعون منعك؟

بربك، لماذا تقفين مرتبكة كمذنب لما تُسألين عن شيء يحبه الجميع إلا أنتِ؟

بربك، و ما قصة طحن روحك كلما سُقط ما في يدك، أو طاش ما في عينيك، أو سُحِبتِ عن ضرورتك؟

بربك، و ما معنى انكسارك أمام حاجة يحتاجها الجميع و أنتِ معهم؟

توقفي حالًا، أقول لك.

لا شيء مما تفعلين يُجدي، و ليس ثمة تقدير لجهودك؛ و إن أردتِ أن تحظي بالأمرين هذين فعليك أن تجلسي على كرسيك، و أن تضعي ساقًا على أخرى، و أن تفعلي ما يحلو لك، و أن تصرخي بوجه من يعترضك، و كلما شعرتِ بالممل تطفلتِ على الآخرين، أوه لا لم تتعاطفي، لا تخطئي القراءة، تطفلتِ و سخرتِ و استنقصتِ و افتعلتِ أيًا مما يكسرهم، أو يشبع حاجتك، أتبغين كل هذا؟ في سبيل روح فارغة من حب؟

أوَ تناسبك؟ أوَ تعجبك؟ فتغريك و تهمُك؟

فإن لم تفعل، فرجائي إليك، أن خذي قرارك، هيا اطلقي في قلبك مدفع، لقد بدأت حربك، لا تنحني، لا تفجعي، لا تيأسي، ما دام نبضك مستمر، ما دام حلمك يدق، كوني ساعة، ذلك أهون عليك من تاريخ ينتهي.

آنسة خزامى:

أحاول جاهدة أن أقول لك: حمدًا لله أن أوجدك بداخلي، عسى شمعتك لا تنطفئ، عسى قبسك لا يضمحل؛ من أرضِ المعركة، صدى عويل، ندى عيون، مدى عزم ممدود، أنا آتية، بخِري من خزامى، و شغلي جهاز توثيق المعارك، سأقبل و في كفي قلبي و عيني، ذلك كل ما أحتاجه كي أكونك.

آس الغرة الصغيرة:

و اصبري لحكم ربك فإنك بعينه، و إن عدل الله لنافذ، و إن كل ما يطرأ ما هو إلا كي تكوني أنتِ، فلا تحيدي عن الهدف و المرمى، و لا تنسي الأفق بينما تقطعين الطريق إلى المأوى، و أنا هنا جاهزة لأي نجوى، بل إني أحببتُ المنعطف ما دام يفضحك لدي و يبقيك هنا على حضور كما كنتِ تفعلين من قبل.

هل تذكرين؟ قرار نوفمبر 2018 الذي بدأ يجني ثماره في تأن، مهما فاته من ربيع فإنه ربيعه سيُقبِل؛ أنقله لك من مذكرتك الوردية التي أخفيتِ بها بؤسك، و لا تهلعي من هشاشة كلمك فإنه أنتِ:

*أعاني من تورم في جفني روحي، نتيجة بكاء لم ينتهي طوال ليل كامل، أتذكر أخطائي و أتوب ثم أعود للبكاء، و أتساءل كيف سيكون الصباح بعد كل هذا الظلام!؛ المدهش أنني الآن صباحًا ابتسمتُ أخيرًا، و قررتُ أن حب نفسي ربما يكون بأداء واجباتي نحو الآخرين و المطالبة بحقي بشجاعة، لكنها لا تزال كلمات على ورق!

و قلتِ في نفس اليوم بنقطة شاحبة، بدا فيها طيف حداد على قرارك، و لكنه لم يكن سوى تأكيد وراء الغبار الذي ثار: * لا زال لدي الكثير مما يجب أن أعرفه حول كيفية حب نفسي!

اليوم يا آس، لا أزعم أني أحبك، و لكن يمكنني الوقوف أمامك لأقول بعطف أو بحزم إن توجب: لا توجلي يا صغيرة، عليك أن تقطعي الشارع، لأن عهد المرور عفا عليه الزمن، بات مرورك يقينك بلطف الإله، و عبورك عزمك على الوصول، عينيك المشوشتين بالدمع جريمة، و كفيك الممسكتين بأسبال ثوبك فريضة، و التعثر وارد، لكن النهاية واحدة، فانطلقي.


[1] أضعه هنا غصبًا عن خجلي من ركاكة ما كتبت: يجب أن أعتاد على فراغ حوزتي، كي لا يكون التدمير عظيمًا في حال موت ما فيها.

6 Comments اضافة لك

  1. Salma♡ كتب:

    لاااا أعرف كم مرة قلتها و سأعيدها و سأظل أقولها حروووفك شافء دواء ساااحرة مبهرة.. لا تصفها الكلمات.. واصلي و متعينا معك 💗💓💗💓.. ووفقك المولى و يسر كل طريق بإذنه 💗❤️💗❤️

    Liked by 1 person

  2. وكأن قلمك مهزوز هذه المرة ^^

    Liked by 1 person

  3. As.wy كتب:

    يسلمك ربي يا سلمى العزيزة على لطف حضورك💙
    آمين و إياك، أهلًا بك دائمًا، أسعد بك🌷

    Liked by 1 person

  4. As.wy كتب:

    حقًا، ثمة فوضى كبيرة بالداخل، انعكاسها عليَ بات مؤذيًا لي أو مخجل، لا مناص لي من الكتابة🤷🌼

    Liked by 1 person

  5. الكتابة أفضل طريقة للتخلص من كل ما يؤذيك ^^
    وفقك الله.. استمري.

    Liked by 1 person

  6. التنبيهات: رواسب 🌫 – LAVENDER

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s