“اندَكُّه”

كانت تحادث طفل ما في بناية مقابلة، عبر نافذة مطوَّقة بأعواد حديد لحماية الأطفال، الصوت لا يصل جيِّدًا بسبب ضوضاء نهاية الدوامات، و زاد لثغة الطفل التي تموِّه ثلثيّ كلامه، لذا لم ينجح التعارف بالأسماء بينهما، و نجَحت جيِّدًا أحاديث الأطفال المرحة الخالية من قيود، تحدَّثا عن الكارتون، و عن الحيوانات و الحشرات، و تبادلا قصص متنوِّعة أثارتهما من قبيل أمِّ صنَعت فقاعة كبيرة، أو قمر مشى مع السائرين و لم يفارقهم، أو حتى وحوش الليل التي تتجلَّى بوضوح عند اغماض العين بشدَّة فيتبدَّى لمعان شرير خلفها.

و في اليوم التالي، صاح طفل البناية المقابلة: نووور، يا نور تعالي…

قصص الصغار جِنان و بساتين براءة و دفء، الصدق أبقى لذات البين، البساطة أحرى بالاستمرار، هكذا تتلخَّص العلاقات، ما بين صدق صديق، و بساطة رفيق، و توافق مع الخليل.

لا أدري حتى اللحظة، لم تعبس هذه الصغيرة عند التقاط الصُّوَر!

حاكيتُ صوت الدِّيك لترفيه الصغير أحمد، فنظر لي بشغف، قلتُ: كوكو، هذا كوكو.

و بعد قليل، كانا يلعبان لعبة الاختباء، فأشار إلى تحت السرير و صاح: كوكو، كوكو!

انفجرتُ ضحكًا، إذ تداخل عليه لفظ “كوكو” و “اندَكُّه” العدنية للإشارة للشيء.

لا أعرف أصل الكلمة، و لكن على ما يظهر لي أنها قريبة للهندية، الأكيد فيها أنها مُحرَّفة من شيء ما.

هناك بعض الفئات التي تغتاظ _حقيقة ليس مجازًا_ من شباب عدن أو اللهجة العدنية، فيسمُّوننا: عيال “اندكُّه”؛ نسبة للكلمة و سخرية منها.

و لا أدري كيف تغيظ هذه التسمية البعض، أراها لطيفة جدًا.^

اكتَشَفَت أن لها أصلًا آخر، و عبَّرت عن دهشتها بذلك، سألتها عن مصدر هذا الأصل، فذكرت واحدة من جدَّات والدها.

فَلَت تعليقي عفويًا: لو بحثتُ عن أصول الذين تتحدَّثين عنهم في عائلتي لوجدتُ أن لي أصولًا حَبَشيَّة، و ليبية، و هنديَّة ربَّما!

ضَحَكت مدهوشة، و لم تستطع إلا أن تقوم بشرح الدرس و فيها ارتباك ما من الاكتشاف الجديد، فتلعثَمَت مرَّات متتالية.

تربِكُنا و ربَّما تخيفنا الأشياء المتغيِّرة في الثوابت، نشعر بشيء أشبه بالخيانة؛ و لكنَّ الأصح أن الثوابت ثوابت، مهما تبدَّلت بعض تفاصيلها.

اعربوا:

(و لسليمان الريح)

تعجَّلتُ: لا بدَّ أن الجار و المجرور محل مبتدأ مقدَّم، مهلًا “الريح” مفتوحة! فشل الاعراب بالعَجَلة.

بعد تفكير متروِّ: اللام: حرف جر

سليمان: اسم مجرور و علامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف[1].

و الجار و المجرور متعلِّقان بمحذوف تقديره “سخَّرنا”.

الريحَ: مفعول به منصوب و علامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.

العَجَلة و التَّسرُّع لذيذان في حال النجاح، مريران مُحبِطان جدًا في حال الفشل، و لكن بالرغم منهما الحياة تمضي، لعلَّنا نتروَّى كما تتروَّى الزهرة من رذاذ المطر.

فائدة:

هناك أفعال غير “ظننتُ و أخواتها” تنصب مفعولين أو أكثر، نظرًا لحاجتها إليها، كأفعال الإعطاء و التوريث و غيرها، إذ تحتاج مُعطَى إليه، و مُعطى.

و من ذلك: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)

الكتاب هُنا: مفعول به ثاني، و لكنَّه قُدِّم لمقام القُران الكريم.

الذين: اسم موصول، في محل نصب مفعول به أوَّل.

دخول النَّحو في الحصص، مُماثل لدخول البهارات في الطعام، فاتح للشهيَّة.

من قراءة اليوم لكتاب “الفوائد” لابن القيِّم:

قال قتادة: حاصَ أعداءُ اللهِ فوجَدوا أمرَ اللهِ لهم مُدرِكًا.

و قول الشاعر:

عيُّوا بأمرهِمُ كمـا                عيَّت ببيضَتها الحمامة

العيُّ: عدم الاهتداء لوجه الشَّيء، و عدم القُدرَة على تحصيله.

تغاضَوا عن خلفيَّة الصورة، بَدَت لي للوهلة الأولى مجرَّد ذكرى، و لكني أضعها الآن بكل بساطة 😅

[1] اسم أعجمي.

2 Comments اضافة لك

  1. ……………
    العَجَلة و التَّسرُّع لذيذان في حال النجاح، مريران مُحبِطان جدًا في حال الفشل، و لكن بالرغم منهما الحياة تمضي، لعلَّنا نتروَّى كما تتروَّى الزهرة من رذاذ المطر.
    ……………
    👍

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s