خطوات؛ خلفَها أثَر👣

” و نكتُبُ ما قدَّموا و آثارهم “

قبل يومين علَّقتُ بهذه الآية في تدوينة للأستاذ أبو إياس، و الحق أن تعليقي بتذكُّرها جاء بعد أن شهدتُ شرحها في حصَّة من حصص التفسير، كانت الآية مخيفة و محذِّرة مؤنِّبة لي، و لتقصيري و استهتاري بالأثر بعدي و ربما في الآن الحاضر.

قد يُتساءل ما المعنى من ذكري هذه المقدِّمة، و سأقول بأني كنتُ قد بدأتُ بكتابة مراجعة من مراجعاتي تلك لرواية “غدًا” لغيوم ميسو و هي بالمناسبة قراءتي الثانية للكاتب، بدأتُ أكتب بتلك الفَورة و الانغماس التام، و إذ بي أتذكَّر الآية، قلتُ: الرواية فيها مجاهرة في الكفر و الالحاد، سيكون هذا تسويقًا.

قالت لي نفسي الأمَّارة بالسوء: و ماذا يمكن أن يحدث؟ كم من العدد سيقرأ مراجعتك السخيفة؟ هيا لا تكوني مغترَّة بنفسك إلى هذا الحد.

و كدتُ أواصل كتابة المراجعة، و لكن شعور الذنب لم يبارحني، قالت لي النفس المطمئنة: حتى لو أنَّك تشيرين إلى القصة و ليس إلى الهوامش المسيئة، أنتِ تعرفين بأن بين الرضا بالشيء و ارتكابه يكاد يكون متساوي، ما هذه إلا ذريعة، خطوات…

و حزمتُ أمري و حذفتُ كل ما قد كتبت، هل هذا مؤلم لي؟ طبعًا دون شك، اعتدتُ منذ افتتحتُ هذه المدوَّنة أن أحترم ما أكتب، و أن أعطيه قيمة و اهتمام مهما كان سخيفًا، و تيقَّنتُ بأن صدقي هو الخلاص، و لكنَّ الصدق ليس ذريعة لارتكاب الخطأ أو المجاهرة به، لهذا عليَّ أن أتحمَّل أخطائي، و عليَّ أن أُصلح ما استطعتُ إصلاحه منها بدون تأخُّر.

كلُّ ما نقدِّمه نعرفه غالبًا، كل ما نرتكبه يمكننا التفكير فيه، و لكن الأكثر إخافة: الأثر.

نحنُ لا ننتبه لأنفُسنا _غالبًا_ في مقام القدوَة، أو في مجال التقليد من الصغار أو حتى الجَهَلة، نتساهل مع اخطائنا عندهم، نبدو مستهترين، و هذا الاستهتار بالأثر مُرعب، عندما تكتشف أنَك لما فعلت ما فعلتَ ما أخطأت بنفسك فقط، و لكنَّك حرَّضت آخرين على الخطأ أو حتى ساعدتهم على طريقته، أو ربَّما تحدَّثت عنه بطريقة مستهترة بخطئه، فجعلت الأثر عندهم أقوى إما بفعله أو حتى بالتحريض عليه و نشره بدورهم.

يمضون و تمضي، و يبقى الأثر.

فعلك لا يزال محفورًا في أذهان الكثير، و وِزرُكَ لا يزالُ يرجع عليك كلَّما فُعِل ما حرَّضت عليه أو دلَّلت إليه.

و لكنَّنا نتساهل، و هذا التساهل خطر.

يفصح البطل “ماتيو” في البداية عن كُفره و إلحاده بكل بساطة مُرعِبة، و تتحدَّث “آبريل” بكل سهولة عن الفُحش و المُنكَر، هذه المقدِّمة المُسيئة لديننا الحنيف و للأخلاق الرفيعة بشكل عام، جعلتني أمتعض بشدَّة، و كدتُ أتراجع تمامًا من إتمام القراءة، و لكن حقيقةً ظهور البطل المفضَّل لدي و هو “رومالد” في القصَّة جعلني أتجاهل سوء البداية و أهتمُّ بشأنه بشكل كبير.

يبدو غريبًا شعور أن أتجاهل تفاصيل القصة الأساسية و أنتبه لبطل ثانوي، مُراهق صغير مهووس بالمعلوماتية، هارب من بيته بعد ان اكتشف أنه مُتبنَّى و ليس ابن حقيقي، قصَّته عادية بسيطة و مكرورة، و لكن شخصيته جدًا جميلة، و دافئة، و بكل بساطة أردتُ أن أعرف منتهاه في القصة، و من نافلة القول أن أذكر مدى ضيقي من عدم إعطائه قصَّة منفردة تليق به، و لكن.. حسنًا لم تكن قصَّته معنية كثيرًا، كانت هامش لجذب الانتباه فقط.

المقطع الذي يُفصح “ماتيو” فيه عن إلحاده بكل بساطة، و عدم تصوُّره الكامل لوجود حياة أخرى خالدة بعد الموت، و كفره بالله نهائيًا، كل هذا جعلني أشمئزُّ كثيرًا من الكاتب و من البطل نفسه، تذكَّرتُ قوله تعالى: (و ضَرَب لنا مثلًا و نسيَ خلقَه قال من يُحيي العظام و هي رميم* قُل يُحييها الذي أنشأها أوَّل مرة و هو بكل خلق عليم) سورة يس.

المُنكِر للبعث يذكُر دائمًا استحالة بعثُ العظام البالية المُتفتِّتة بعد الموت، و هذا مثلٌ لا ينبغي ضربُه حقيقة، لأن قدرة الخالق بديهيًا لا تساوي قدرة المخلوق، بل إن قدرة المخلوق نفسها متعلِّقة بقدرة الخالق فإن شاء مكَّنه أو شاء فأخفق عملُه، و بذا يتبيَّن أنه مثلُ لغوٍ و لهوٍ و ظلال و تيه، فإذا أنشأ الخالق العظيم هذا الخلقُ من ماء مهين، فكان قطعة لحم ضئيلة ثم تطوَّرت بمراحل كثيرة حتى تُصبح خلقًا و يُنفَخ فيها الروح، كلُّ هذا حدث بقدرة الله المطلقة، إذًا أيعجَزُ خالق الانسان من عَدَم أن يخلُقَ شيئًا من فُتات؟ لا شكَّ ان هذا هراء مُطلَق، فالله عليمٌ بما خَلَقَ و يخلُق، لا يخفى عليه شيء.

(أولم يرَ الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين)

و بعد أن صارت النُطفة روحًا، و نفس، قامت تخاصم في الكفر، و تجادل بكل وضوح في البعث و قدرة من جعلها روح!

و هناك لا شكَّ دليل حسِّي على هذه القُدرة المطلقة للخالق سبحانه و تعالى، إنبات النبات المختلف من بُقعة الأرض الواحدة، و اخضرار الأرض بالمطر بعد جدبها و قحلها، و كذلك و هو العظيم لما قال: (الذي جَعَل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون)

من الضدِّ يخلُق ضدَّه، من شجرٍ رطب أخرج شرارة النار الدافئة المُحرِقة، أوليس القادر على هذا يعجز عن بعث ما خلَق مجدَّدًا، و هو من جعلنا شاهدين على إعادة خلقه للنبات و الأرض؟ كلَّا و الله.

( أوليس الذي خَلَق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى و هو الخلَّاق العليم* إنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له كُن فيكون* فسُبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و إليه ترجعون)

بحرفين يكون الشيء ما يريد له أن يكون، و بين أصابعه قلوب العباد يقلِّبها كيف يشاء، و بيده تعالى و تقدَّس ملكُ كلِّ شيء، و ما مُلكَ الإنسان إلا نسبي مقيَّد بمُلكِ الله المُطلق، بربِّكم أفي البعث شكٌّ بعد هذا؟!

و لكنَّه الشكُّ الكُفري، و النفس الضعيفة، و الهوى و الشيطان و الدنيا، و إلا فالواضحات واضحات إلا من أبى التبصُّر.

نسأل الله أن يثبِّت قلوبنا على دينه، و توحيده، و أن يُحبِّب إلينا الايمان و يُزيِّنه في قلوبنا، و أن يكرِّه إلينا الكُفر و الفسوق و العصيان، و أن يجعلنا من الراشدين، البالغين من البصيرة ما يعيننا على الثبات على الدين و قوَّة الحُجَّة و البلاغ، و أسأله أن يحمينا من هوى النفس، و غوى الدنيا، و مكرِ الشيطان، و أن يمتِّعنا بكلئه و حفظه و رعايته، و أن يطمئن القلوب المرتجفة، و أن يسرِّي عن الأفئدة المرتعشة، و أن يهدينا سواء السبيل، سبحانه جلَّ شأنه، هو الرحمن بكل الخلق الضعيف، هو الرحيم بكل الخلق المتوكِّل عليه، المؤمن به، و الناهل من نوره نور.

يسرُّني وصولي لهذا الشاطئ الآمن، و هذا الساحل المبارك بأمن الله و إعزازه لي، و ينعشني هذا الاختلاف بالخطَّة، من مُراجعة محمومة متغاضية عن الخطأ إلى مواجِهة ثابتة بوجه الخطأ بدون تساهل، الأثر شيء مخيف، انتبهوا لآثاركم، فما نقدِّم ينتهي معنا، و لكنَّ الأثر يواصل مضيَّه بدوننا، و نتحمَّل تبعاته و نحن ليس لنا وجود.

5 Comments اضافة لك

  1. أبو إياس كتب:

    نعم هذا تحوّل مهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه.
    هذه المقالة في النُصح أفضل ألف مرة من الدعاية لمثل هذه الكُتب التي تدعو إلى مثل تلك الأفكار الخطيرة علينا، ويكفي أن هذه المقالة أصبحت مُزينة بآيات من سورة “يس” البليغة، ذات الكلمات اﻷخّاذة التي تعلق في الذهن
    يوجد في عالمنا الكثير الكثير من المباح ما يغنينا من الشبهات، ولعله أن يأتي يوم يقل فيه الدين فتقرأ تلك اﻷجيال المقالات التي نكتبها، فإن كان فيها دعوة إلى ضلال تسببنا بضلالهم، وإن كانت فيها دعوى للخير تسببنا بإرشادهم إلى الخير وإلى الجنة وربما نلاقيهم في اﻵخرة.
    يكفينا اﻵن المقالات التي بدأت تظهر ويظهر فيها التشكيك بهذا الدين وتدعوا إلى المفاسد، لابد أن نزيد مقالاتنا التي تدعوا إلى الخير واﻷخلاق الحميدة

    Liked by 1 person

  2. As.wy كتب:

    أنتَ محقٌّ، و شكرًا بالفعل لنبش الآية في رأسي، كان مفعولها انقاذي حقًا…
    سأحذر من الأثر منذ اليوم و صاعدًا بإذن الله، أسأل الله أن يوفِّقنا جميعًا لترك الخير و إلا فلا شيء.

    شكرًا لتعقيبك، أضاف لاطمئناني اطمئنان، سلمتَ يا عم💐

    إعجاب

  3. لا أدري ما سيؤول إليه الوضع، هل أؤمن أم لا أؤمن، لا أدري النتيجة، الشيء الوحيد الذي متأكد منه هو أني أبحث/أقرأ/أتعلم في الدين مع إزالة كل العواطف والحرص على استخدام كتلة اللحم المتواجدة في رأسي، وإن لم أقتنع، فسأحرص على الحفاظ على من أحب، فلا أتمنى أن يكون تركي للمعتقد سبب في نفورهم مني، ولا أستطيع الرجوع من أجلهم.

    أما إذا حافظت على معتقدي -دين الإسلام- وصار عندي يقين، فستستمر الحياة، مع حرصي على احترام الكل، ومع حرصي على تحقيق شيء من الاجتهاد، فيوجد بعض الأمور، دعنا نقل: لا يجب أن تطبق في القرن الواحد والعشرين.

    شكرا على المقال أسماء، أتمنى لكِ كل الخير ^_^

    Liked by 1 person

  4. As.wy كتب:

    مقدِّمة كلامك مربكة حقيقةً، ماذا يعني أن لا يعرف لانسان نتيجة إيمانه أو عدمها؟، لا شكَّ أن هذا خطر جدًا.

    بالفعل هناك أشياء لم توجد لها إجابات خاصَّة مع استجداد الجديد مع الوقت و الزمن، و لكن الحقيقة أن الثوابت ثوابت لا ميل فيها و لا تراجع، إن كان المرء مؤمنًا بالله و باليوم الآخر فإنه لا شكَّ لن يحترم و لن يتبادل الود أو الموالاة مع من حادَّ و سبَّ الله و رسوله، مهما كان من منزلة قرابة أو علاقة انسانية بشكل عام.
    عرفنا جميعًا: لا يجتمع حب كلام الرحمن و حب كلام الشيطان، التناقض واضح جدًا، و نحن نؤمن به، لولا أننا لا زلنا نقع فيه، فتعجِبنا بعض الاغانِ و إن كانت لا تصل لمرتبة حب القران، و هذا ضعف بشري يمكن الأوبة إلى الله منه بالاستغفار و التوبة ببساطة، المشكلة تكمُن بنشر الشيء السيء، المجاهرة بالمعصية، و التغافل عن الخطأ بحجَّة : (لكم دينكم و لي دين)، و دلالة الآية مناقضة تمامًا للفهم، إذ أنها تقتضي التفريق و ليس تقبُّل الأديان الأخرى أو حتى احترامها.

    العفو منير، و لك أيضًا، سلمتَ سلَّم قلبك.🌻🤲

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s