المدينة البرتقالية☀️

لا أستطيع التصديق بأن غدًا دوام!

العطلة قصيرة جدًا، لم يعد يومي الجمعة و السبت كافيين كإجازة، و هذا مزعج كثيرًا، لأنني عدتُ للركض، تبعًا لركضي، فقدتُ قدرتي على الإستيعاب، و الكلمات أيضًا متعجِّلة، أُلاحقها بصعوبة، و لا ألبث أن أجدها قد سبقتني و طارت، فأجلس حانقة، و أعد نفسي بتدوينة أخرى في غد كل يوم، لقد عدتُ لركضي الذي لا حراك فيه!

قمتُ في الساعة العاشرة صباحًا، و بسرعة غسلتُ وجهي و قد عزمتُ على غسيل ملابسي بعد أن أجَّلت الأمر من يوم الخميس إلى الجمعة فالسبت، و بالرغم من أنني لا أحب التسويف، و لا أرضَ بأن تؤجَّل الأشياء الصعبة إلا أن الواقع يحكمني أحيانًا، فمثلًا تارة أتحفَّز لعودة الكهرباء، و تارة أنتظر لمن يقوم بغسيل ملابسه، و تارة أتظاهر بالإنشغال في قراءة كتاب أو مقالات متنوعة حتى!

لذا قمتُ بعجلة، و التقطتُ ملابسي و بدأتُ الغسيل بنفاذ صبر، متأمِّلة ألَّا تنقطع الكهرباء أثناء الغسيل، إلا أن ما أخشاه حدث، فما إن بدأتُ الدفعة الثانية، حتى انقطعت الكهرباء، فاستسلمتُ لتأجيل الأمر حتى تعود.

لما نزلت، جهَّزتُ لنفسي فطورًا صغيرًا، فعادة فطوري هذه الأيام أن يكون قليلًا، فلا شهيَّة لدي في الصباح، و فتحتُ حاسوبي، و إذ بي أفاجأ بأنه غير مشحون إلا قليلًا، لأن الكهرباء كانت مقطوعة ليلًا، و لم يتسنى لي وضعه في الشاحن، و مضت نصف ساعة و أنا أتنقَّل بين المقالات، و أتابع قراءتي لكتاب” تلك العتمة الباهرة”، و هو كتاب رائع في أدب السجون، ربما أكتب عنه مراجعة فيما بعد، في الساعة الحادية عشرة صباحًا استسلم الجهاز لغفوة، و زفرتُ أنا بشيء من الرضا و لم أحنق بصراحة، جلستُ قليلًا على سريري، أنصتُّ للأصوات الصادرة من الحارة، شباب و رجال و أطفال، و باعة متجولون، و أحببتُ تلك الوقفة، نور الشمس ينفذ إلى الغرفة، يعبِّقها بلون حياة دافئ، وحدي هنا في الغرفة، شعرتُ بأمان!

و قرَّرتُ أن أغفو، حسنًا إنها معجزة بالنسبة لي، خصوصًا أني بالفعل غفوت، أو بالأصح، نمت!، أنا لا أستطيع النوم إلا عندما يكون الناس نائمون، لا أستطيع أن أنعس و حولي حياة، أشعر بالقلق و ربما شيء من الفضول، لكني بعد تفكير متنوع، و استغراق تام في اللاشيء و كل شيء، شعرتُ بصفاء الخاطر، و هدوء البال، و نمتُ حتى الثانية عشرة و نصف، أي ساعة و نصف.

لما صحوت كنتُ مطمئنَّة، خصوصًا و أن كثيرًا من وقت انقطاع الكهرباء قد انقضى، و ما بقي سوى نصف ساعة حتى تعود، فصلَّيتُ الظهر، و بدأ يومي مجدَّدًا، و انتظرتُ حتى عادت الكهرباء ثم استأنفتُ غسيل الملابس، و عدتُ لأنهي الرواية الجميلة.

في الساعة الثالثة مساءً، قرَّرت أمي أننا سنذهب لزيارة أخي، في كريتر، كنتُ أحتاج للبقاء في المنزل و التمتُّع بشعور الاطمئنان هذا، إلا أنَّها قالت أن لولو الصغيرة ابنة أخي، تفتقدنا و هي حانقة منذ يوم الخميس بعد أن عادت لمنزلها بوعد زيارة أخرى، و هكذا وجدتني أهرع للتجهُّز للزيارة، و كالعادة كانت آخر استعداداتي في الطابق السفلي، حيثُ أرتدي حذائي، و أربط حجابي، و أتابع ترتيب هيئتي بوقت واحد و سرعة جنونيَّة!

أمي تحبُّ أن نزور أقاربنا بوقت مبكِّر، و أنا دومًا المتأخِّرة!، حقًا أتفاجأ كيف مضى الوقت، و كيف سارع المؤذِّن لرفع أذان العصر هكذا!، و لهذا أجد نفسي حتى في السيارة أواصل ترتيب ما نقص من هيئتي و بعض زينتي، وصل الأمر إلى أني أرتدي جرابي في السيارة أتصدِّقون!، حيثُ أخرج بحذائي وحده، ثم أواصل ارتداء الجراب هناك، و كم نسيتُ من مرَّات تفاصيل كثيرة، أصبح من بعدها غاضبة و متضايقة لنقصها أثناء الزيارة، الوقت يرهقني، الوقت المتسارع شيء يجعل رأسي يدور و يدور بدون توقُّف و لا هوادة، لهذا كانت وقفة التفكير الصباحية قبل النوم جميلة و وديعة كي أكون أقل تشويشًا في الزيارة.

هل سبق أحد و أن قال: أعشق الشمس، آه حسنًا أنا لا أقصد حرَّها، و لا الوقوف تحتها و هي تصليك، لا أقصد هذا، بل أقصد نورها الذي يلفح الغرف، و ينفذ إليها، و يتجوَّل بها ناثرًا راحة و طمأنينة و نور دافئ.

قد يُستغرب مني أن أقول هذا و أنا هنا في هذه المدينة المشمسة أبدًا، في عدن حيثُ الشمس لا تغادر إلا في النادر جدًا، و لكني أقول: لربَّما كونها عادة ملتصقة بطقس عدن، فأنا أحبُّها هذا الحبُّ الهائل، بل و أراها شيء ضروري لا يكتمل الجمال بدونه، عدن تتجذَّر فيَّ، هذه المدينة البرتقالية الحُلوة تُثمِر بداخلي و تتلكأ ما بين حجيرات قلبي الباردة، تملؤها دفئًا و حياة.

في كريتر، تحديدًا أثناء زيارتنا اليوم، كالعادة تأمَّلتُ الحارات الدافئة، المعبَّقة بريح البخور العدني الحبيب، و غرقتُ في تفاصيل البساطة التي تتميَّز بها كريتر، حيثُ البيوت المطلية بألوان حيويَّة، و حيثُ فوق كل منزل مصباح مغطَّى ببلاستيك أصفر يعطي انتشار على المساحة، حيثُ الشُّرَف الخشبيَّة الحميمة، التي تدفعني تلقائيًا، لتخيُّل أب يقرأ جريدة، و أم تشاهد مسلسلها العربي، و أختان تتبادلان الحديث بحماسة عن آخر الموضة أو آخر المواضيع المشهورة، و أخ كسول يقف عند نافذة الشرفة و ينقل بصره في أرجاء الحارة بحثًا عن صديق يخرج معه في موعد، هذه الشُّرف المفتوحة على الغرف، و المغلَّفة باللون البنِّي الدافئ، أشعر بأنها تهب العائلة قوَّة و ترابط بطريقة ما، و نقلتُ بصري في الأرصفة، حيثُ الفتيات المتأنِّقات اللواتي يلعبن ” شد الحبل” و ” شبدلُّو” و ” أوائل ثواني”، و الأولاد المهندمين اللذين يلعبون على الدراجات، و “الغميضان”، و ” فتاتير”، و حتى الشباب المتجمِّعون في زوايا، و الآباء و الأجداد الذين يجلسون في طرف كل حارة، حيث يتبادلون الأخبار بانتباه و اهتمام، و كأنَّهم في مجلس رسمي، إنَّ هذه المدينة لهي وطن أكثر أي وطن أعرفه، و يعرفني.

هناك، في منزل أخي في شِعب العيدروس، حيثُ البساطة أكثر، و الدفء أكبر، الناس هناك يتعاملون معك و كأنه يعرفوك منذ زمن، تنظر إليهم و تعاملهم فتجدهم و كأنَّهم عائلة واحدة غير أن الجدران تفصل بينهم، جدران رفيعة، و سقوف المنازل فاغرة فاهها للسماء، تستقبل الغيث و الشمس و الأمل، و النوافذ تطلُّ على بعضها متزيِّنة بنقوش خشبها الحاجز، هناك حيثُ أصالة المدينة القديمة، و بساطة أهالي عدن الأصليِّين، بدون فوضى سوق، و لا ترف تقدُّم باهر، طمأنينة و راحة.

أحمد الصغير، استيقظ من نومه، و ابتسم ابتسامة كسولة حين رآنا، ابتسامة أودَت به إلى قبلاتي و عضَّاتي الصغيرة على خدَّيه و وجهه اللطيف.

و أما لولو الجميلة، فقد فتحت الباب لنا، و صاحت سعيدة مسرورة، و لما تقدَّمتُ منها لنصعد معًا، رفضت قائلة بثقة: سأنتظر الباقيات كي أستقبلهم في الأسفل!، تقصد أختيَّ اللتين كانتا توقفان السيارة، ارتقيتُ السلالم وحدي ضاحكة من موقفها المُهتم بأساليب استقبال الضيوف؛ كان شعرها معقوصًا بسبب الحر، و لكن القوانين سقطت ما إن رأتنا، و أصرَّت على إسداله على رقبتها، لا زالت الصغيرة ممتعضة من شعرها الذي قصُر بسبب تقصير والدتها له قبل فترة!

صوَّرتُ بعض الأشياء القديمة هناك، أشياء من التراث العدني القديم، وجدتُ بعضها في السقف، و قلتُ: سأضيفها لملف التراث العدني في المدوَّنة، لكن في تدوينة أخرى ان شاء الله، بعد أن أنضِّم الصور، و كي لا تطول هذه التدوينة.

هذه الصورة مُلتقطة من نافذة المنزل، نحو البنات الحُلوات الصغيرات، و هنَّ منسجمات بلعِب ” أوائل ثواني” ، أخترتُ هذه الزاوية خصِّيصًا، شعرتُ بأنها تعني قلَّة مثل هذه المناظر، فالبنات الآن _غالبًا_ على الآيباد، و الأجهزة الإلكترونية، في كريتر، لا زالت طقوس لعب الأطفال حيَّة و دافئة.

12 رأي حول “المدينة البرتقالية☀️

  1. تخيلي كانت بتفوتني الصور الحليوة لأني أقرأ تدويناتك على الإيميل! مرة يزعّل والله. أحتاج أضع شورت/كت لمدونتك مباشرة بحيث أقرأها من الويب.

    عدن تستدعي اللون الأزرق في مخيّلتي بناءً على معرفتي بأنها ميناء، لكني أحببت جداً، جداً، وصفك لها بأنها مدينة برتقالية. تدويناتك تفرّحني، مع أني في بداية هذي التدوينة بالذات شعرت بنفس التحفز والنكد الذي كنت أشعر به عند العودة للدراسة 🥰

    Liked by 1 person

  2. أعود كل دقائق لقراءة تعليقك الدافئ فاطمة، أنا ممتنة لدفء و لطف كلماتك💙

    هي زرقاء بما أنها ساحلية، لكن شمسها تجعلك تقولين (إن أحببتها): مدينة برتقالية، (و إن لم تحبينها) : مدينة صفراء!
    و السبب شمسها الدائمة التواجد، حتى أن في مرَّات هطل المطر و الشمس تطلُّ بثبات بين السحب!😅
    و أنا تفرحني كلماتك اللطيفة ،لا تتصورين كم تفعل🌸

    تنفَّسي بعمق، ستمضي بدايات العودة للمدارس و ستجدين العام بشكل مفاجئ منتصِفًا، أؤكد لك.
    كوني بخير يا صديقتي، سلمتِ حقًا للتواجد الجميل🙏

    إعجاب

  3. لا تعلمين كم أسعدتني كلماتك، حياك الله في عالمي الصغير، أتمنى أن تجدي فيه كل خير💙

    أنا من متابعات مدونتك الجميلة، آخر مراجعة لكتاب ” أول الغيث” يبدو أنه ليس له نسخة ألكترونية، لأني لم أجده، لقد كانت مراجعة مشوِّقة بالفعل؛ كوني بخير أسومة💐

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s