ربع ساعة بائسة🕒

▶️

كانت الساعة تدقُّ ببطء، الجو كئيب ، النوافذ مغلقة، و لا وجود لصوت جهاز التكييف، و لا أنين المروحة، كان يرقد على بطنه و وجهه، يفكِّر بأسف بأن وقت حصوله على حاسوبه بعيد، و أنَّه لا يشعر برغبة في النوم ، يجلس ماطًّا شفتيه بضيق ، يسمع صوت الساعة الصارم، تنتقل حدقتيه إليها .

ماذا لو خدعتُ الساعة ؟! ستُكتَشف الخدعة بعد وقت قصير، و لكن لا بأس بها ما دامت تخدم الأمر و لو بشكل مؤقت .

يقوم ببطء و توجُّس، ينظر للباب بحذر، يمشي على أطراف أصابعه، بخفَّة يعتلي طاولة الزينة، يسحب الساعة بسرعة محاولًا عدم اصدار جلبة، يدير العجلة، خمس دقائق ..

ممتاز يجب أن أزيد الوقت قليلًا، لن تفرق خمس الدقائق عن خمس الدقائق الأخرى، و لن ينتبه أحد .

يدير العجلة الصغيرة مرَّةً أخرى، متعدِّيًا عشر دقائق هذه المرة، يرتجف قلقًا ، تحين منه نظرة ثانية للباب، نظرة شبه مذعورة و متحفِّزة، يده تتعرَّق، تتردَّد في تحريك العجلة مرة ثالثة .

أكثر من خمسة عشر دقيقة ؟! و لكن سينكشف هذا بشكل أسرع، هيا لا تكن جبانًا زِد و لن يشكُّ بك أحد، ستكون الساعة قد أخَّرت من تلقاء نفسها، لا لا أستطيع أن أزِد على الربع ساعة، إنَّ الشبهة تحوم حولي لمجرَّد بقائي وحيدًا في الغرفة، سأكتفي بهذا القدر، عبدٌ جبان !

يعيد الساعة لمكانها على المسمار الناتئ، ينزل بخفَّة، و يقفز مرتجفًا إلى السرير، منكبًّا على وجهه، قلبه يدقُّ بعنف، و يرتجف السرير كلُّه بنبضه الحافل، جسده متعرِّق بشدَّة، و في أنامله رجفة بسيطة، بينما يدسِّ وجهه في الوسادة بقوَّة .

لقد خُنتُ الثقة، ما تنفعني ربع ساعة بائسة ؟!، أحمق .. لم تكن هناك ثقة لتخونه ، بلى هناك ما دمتُ أجلس في الغرفة لوحدي دون كاميرا مراقبة و لا جهاز تنصُّت !، أتظنُّ نفسك في أوروبا ! غبيِّ .. إن كل الفتيان يأخذون حواسيبهم بكل بساطة و بدون انتظار للوقت الحازم مثلك، و مع ذلك لا تصمت، و لكن ! أمِّي تشاجرت مع أبي بسبب هذا الأمر، و توسَّطت لي بوقت أكبر فكيف أفعل هذا بها ؟!، كم سأقول لك: أبوك و أمك يأخذان من تربيتك عذرًا لمشاجراتهم، ليس الأمر أن والدتك تحبك أكثر، كلاهما أنانيان، و لكني أحبُّ أمي ! حتى لو خدعتُ الوقت، فأنا فحسب أريد حاسوبي بوقت أبكر، أنا أناني أيضًا !، لا أنت لستَ أناني، أنتَ تبغي حاسوبك و هذا حقُّك، بل من المفترض أن تأخذه بدون إذن و لا وقت محدَّد، أليس هو حاسوبك ؟، بلى، ألم يهبك إياه والدك ؟، بلى، إذًا حُلَّت المشكلة، إن كان قد أهداه لك فهو ملكك، و لا يمكن أن يتحكَّم أحد بملكك إلا لو أراد أن يصبح كلبًا باستعادة هديته، لا يجب أن نقول عن أبي أنَّه ” كلب “، لكنَّه نعتك بهذا يومًا ، ألا تتذكَّر ؟، و لكنَّه أبي في النهاية !، نعم و لكنَّك لستَ عبدٌ له، آه صحيح!

فُتِح الباب بشكل اقتحامي ، لا يزال يدسُّ وجهه في الوسائد ، و قد سقط عليه شعور أشبه بالخيبة إذ قالت بصوت جاهز للإتهام، خالي من الثقة : ماذا كنتَ تفعل، ها ؟

هذه الثقة التي كنتَ تتبجَّح بها يا أحمق !، أنتَ محق، ليس هناك ثقة لأخونها، كما قلتُ لك .

_ لم أفعل شيئًا .

_ لا أظنُّ ذلك ، لقد كنتَ لوحدك ، أنا لا أثق بك !

_ ليس واجبًا أن أفعل شيئًا غير الانتظار ، و بما أنَّك لا تثقين بي فهذا شأنك .

_ يا وقح .

_ كنتُ أمزح !

لكنَّك لا تمزح !، أنا خائب .. هلَّا صمتَّ ؟، اوه خائب من شيء سبق و أن حذَّرتُك منه، ألم أقل لك بأنك غبي ؟، أنا غبي فعلًا، فلمَ القلق حقيقة ؟، إني أعرف أنَّك حزين، لذا ما رأيك أن تنبِّهها بأن وقت حاسوبك قد حان ؟، خائف أن تكتشف الأمر، لا لن تفعل إذا أخبرتها بعد أن تتوضأ، ستظنُّ أنها قد تأخَّرت في صعود الدرج، حسنًا .

لا يمكن أني نجوتُ ببساطة، لقد آمنتُ بأن حبل الكذب قصير، أين سينقطع يا ترى؟، إني متوتِّر إلى حدِّ أني لستُ قادرًا على الارتخاء في جلوسي!، يجب أن تكتشف الأمر لأرتاح، يا للجنون، أريد لو أقول لها الأمر و أتخلَّص من هذا التوتُّر المزعج، لماذا لا تخرج لبعض الوقت كي أعيد الساعة كما كانت!، هل أقول أني قدَّمتُ الساعة؟، على الأرجح أنها ستصرخ بي، ستكرهني جدًا و لكن ليست هذه المشكلة، أنا أبحث عن خلاص من هذا التوتر، كيف يمكن أن أخبرها بالأمر، يا لسخافتي لو أني قمتُ بالبحث في الإنترنت عن طريقة للخلاص من هذا الوضع!، لماذا يجب عليَّ أن أتوتَّر هكذا!، إن الجميع يرتكب الأخطاء و لا يتوترون بالتأكيد هكذا و إلا كنتُ سألحظ، هل حقًا لم يتوتر أحد المخطئين ذات يوم، يا الهي أريد أن أهدأ لأواصل التقدم في اللعب، إني أتراجع.. أتراجع تبًا…

صاحت بدهشة و هي ترمي المكنسة الصغيرة قبل أن تخرج من الغرفة: لا يمكن، الساعة الثالثة الآن! ، أنا لستُ جاهزة أبدًا، ظننتُ أنه كان لدي ربع الساعة، أنا ذاهبة.

ردَّت ببساطة: كم كنتِ تتوقَّعينها برأيك، إنها الثالثة كما تشير الساعة!

الساعة كذبت بسببي ، لا .. لا يمكن أن أفلت من الأمر بهذه البساطة!، يجب أن أتظاهر بعدم ملاحظة الموقف، أنا لستُ من غيَّر الساعة بالتأكيد، يا الهي.. ماذا فعلت!

عادت بوجه مرتاح، و قالت و هي تلتقط المكنسة: أمي إن ساعة الغرفة عندك متقدِّمة، إنها ليست الثالثة بعد، أوه لقد كدتُ أجن!

ها هي تنظر إليك، باتِّهام، ماذا ستبرِّر؟ ، تبًا لك ألم تكن من شجَّعني؟، من هو أنا على أيَّة حال؟ ألستُ أنتَ بطبيعة الحال! ، إنَّك شيطان بلا شك، دعك مني ماذا ستفعل الآن؟، لا أدري أنا منزعج جدًا، و لكني مرتاح لانكشاف الأمر، أنتَ غبي و ستظل كذلك، عليك أن تنكر بالطبع، أُنكر؟ و لكنها تعرف أني من فعلها!، بل هي واثقة يا ساذج، كما كانت مستعدة لاتهامك منذ دخولها في البداية، هذا ليس عذرًا، ثم انني سأكون كمن ينكر شيئًا أكيدًا، فهي تعرف و أنا أعرف وحتى لا شكَّ بأن أختي تعرف!، و هذا هو الواقع، فأين المفر يا ذكي؟، لا مفر.. أتقصد أنه يتوجَّب عليَّ النكران بغضِّ النظر عن أكيدية فعلي؟، بلى، لكني أكره أن أقع في هذا الموقف السخيف!، لقد فعلتَ ما فعلت، تحمَّل الأثر!

*نصف ثقة الطفل، هي ثقة والديه و محيطه به.

*أخلاق الطفل و صدقه و كذبه، مُكتسبة من مربِّيه.

*خلافات العائلة، دائمًا سبب في انحراف الطفل.

*الطفل الذي يعتاد على كسر التوتر و لو بأبشع التصرفات، سيبقى كذلك حتى يتخلَّص من نفسه يومًا بحجَّة كسر توتره.

*الطفل المدرك أن حبل الكذب قصير، لن يمنعه من الكذب ادراكه هذا، بل سيسوِّغ له الكذب و انكار الكذب.

*نحن هنا مع طفل، يافع كان أو صغير غير مميِّز، الأمر سيَّان لمن يبحث عن ثقة، صديق، مساحة خاصة، حب.

قال الأحنف لمعاوية وقد غضب على ابنه يزيد فهجره: يا أمير المؤمنين، أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، وبهم نصول عند كل جليلة، إن غضبوا فأرْضِهم، وإن سألوك فأعطهم، وإن لم يسألوك فابتدئهم، يمنحوك ودَّهم، ويحبوك دهرَهم، ولا تنظر إليهم شزرًا، ولا تكن عليهم ثقيلاً؛ فيتمنَّوا وفاتك، ويكرهوا قربك، ويملوا حياتك.

رأيان حول “ربع ساعة بائسة🕒

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s