فوهة العالم.

عزيزي يا صاحب الركن المضيء:

يبدو أني استصعبتُ بعض الشيء الكتابة إليك مجدَّدًا بعد الرسالة الثائرة الأخيرة، و لكني تذكَّرتُ بأنك لم تقرأ شيئًا بعد و لن تفعل على أغلب الظنِّ، فقلتُ: اكتبي و كأنَّ شيئًا لم يكن يا ليمونة، ليمونة حامضة.

أتحسبُ أني على ما يرام، على حسب رغبتك سأقول ما تريد، فإن كنتَ ترى أنه من المفترض أن أكون حزينة فسأكون، و إن كان المفترض أني بخير فسأقول لك أني بخير، و لو أردتَ أن تثبِتَ أني فارغة كبالون يتفرَّغ بسرعة دون أن ينفذ ما بداخله من هواء فسأقول لك هذا أيضًا، سحابة رمادية بدون مطر، فُتات وجبة شهيَّة للوقت و الذاكرة، هديل حمامة شاردة، ترنيمة بحر، إني جزرٌ ممتد من أقصى الذاكرة و حتى شظايا الحاضر المتناثرة.

قد تتساءل عن سبب كتابتي الآن، و الأكيد أنك لن تفعل، لكني أجد رغبة في ان أقول لك السبب و سأقوله:

إني مكركبة!

أُشبِهُ ثقب في سروال طفل فقير، نمش أحمر في وجهٍ قمحيّ هزيل، أُشبه النقص في أكمل صُوَرِه، أُشبه الهامش، يمكن اللجوء إليه، و يمكن إزاحته ببساطة من مجال النظر، أنا فُقد أبدي لا ينتهي.

و لا أعرف أيُّ شيء هو أنا كي أعرفك، فجلُّ ما علَّمتني إيَّاه أني حامضة كليمونة في حلق آكِلها، و أنَّك برتقالة مشرقة منعشة في حياة من يحوز عليها، و أفهم أن الخطأ وارد، و لكني آمنتُ بهذا و لا أبغي مزيدًا من تضارب و اختناق، أنا هنا في الموجة السادسة.

*ليو: أعرف أنك ستنتظرني، أؤمن بأنك ستسهو بي ما إن يكون لزامًا عليك رصد السابعة لإنقاذي.

يا صاحبي.

و أسمع أصوات موت حافلة، إنذارات الحرائق بداخلي أبدية، تدابير السلامة أوَّل ما أسقطني في الحريق، لو أني وضعتها لوحة باردة و لم أتبنَّاها ما كان عليَّ لزامًا أن أقفز من درج الطوارئ الأول من نصيب الحريق فأحترق!

أعرف أني أهذي، و أهذي لأني أعرف كم أنا بحاجة للهذيان، لم أعد أريد أن أكتب، الكلمة تلوك مشاعري بامتهان، تطعنني في خاصرة الحقائق، ما عدتُ قويَّة جدًا كي أصمد بوجه الحرف مراوِغة، أحتاج أن أذهب.

إلى أين؟

إلى المستقبل أكثر، حيثُ أبدأ مشوار آخر، ضجرتُ من هذا الفراغ الذي لا ينتهي، متى يذوب البالون أو يسقط؟

لو ذاب فستذهبين.

و أنا أريد أن أذهب، و إن سَقَط؟

إن فَعَل ستسقطين كخرقة بالية.

أعرف، أعرف كم استهلكتني الخفايا، كم نهشتني الدروب اللامعة، أين أنا الآن؟

هُنا، ثمَّ سلالم الطوارئ.

ماذا أفعل؟ ألم أحترق؟

أنتِ موشكة على الاحتراق، أنتِ في طريقك لاحتضان النار كي تسكت.

من هم الضحايا؟

الضحايا؟ كُثر، أوَّلهم ذاكرتك و آخرهم أنتِ.

هل سينجون؟

ربما.. أعرف أنَّك من الفراغ بما تقدرين به أن تلملمي رمادك و تدسِّيه في جيوبك، و تمضين.

جيوبي ممتلئة إلى آخرها، أين سأضع رمادي الجديد؟

يمكنك ابتلاعه، او ستضطرِّين إلى سكب ما في جيوبك و ملئها به.

لن أستطيع أن أفعل، لن أسكب شيئًا.

توقَّعتُ هذا، ستبتلعينه كما فعلتِ كلَّ مرَّة؛ تأكَّدي أنك بهذا ستعيشين الأمس أبدًا، و ستنسين الغد أمدًا، و ستتماهين في الفراغ بدون توقُّف.

يا عزيزي.

إن آخر صِحابي، تقول لي بكلمات جافَّة أنها ليست بخير، و أغلقت صندوق البريد، وضعتُ لها في رفِّ الانتظار رسائل عدَّة، سألتها لم هي ليست بخير، و لمَّا لمَّحت بزيارة فقد تجاهلتُ توجُّسي من الزيارات و أشرتُ لها بزيارتي، كلُّ هذا على رفِّ الانتظار، و على الأصدقاء ألا ينتظروا، لكني أتركها تنتظر، و أنتظر أيضًا، نجلس اثنتينا على مقعد انتظار، كل واحدة منا تنتظر كفًّا ممتدَّة، فأما عنها فهي ترى أنها الأحقُّ بالكف، و أما عني فإن كفِّي منهوشة، أعرف هذا .. إنها تبكي و تُبكي الكف المصافحة لها، لن أمدُّ أكفِّي أبعد من الانتظار.

أنا_ يا عزيزي_ لستُ إلا فوهة العالم، إنني ثقبه الأسود، بحيثُ أن كلُّ شيء يسيل بداخلي، الوقت، و المستقبل، و الدفء، و أنا لا شيء كي يبقى مع شيء منها، أنا الفراغ، أنا العدم.

و إنَّ لي كفُّ ذكرى شاحبة، مبلولة ممزقة، أمدُّها فيرتعد مصافِحِي فَرَقًا.

و إن لي عينًا جافَّة كعود، جاحظة كشعلة محترقة، أوزِّعها على الأماكن فتتقطع أشلاءً.

و إني هنا في ظلام طويل المدى، ينال مني، أسقط بأحضانه محترقة بصمت، أقصد أنه يسقط بأحضاني، أنتَ شمسي الغاربة، أنتَ الركنُ المنطفئ بعد طول ضياء.

أنا بخير، لا شكَّ بخير ما دمتُ أحترق بانتظام.

آس.

*رواية” الأمواج السبعة”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s