نحو اتقان أي مهارة : 2) تفنَّن🌟

هذه مقالة طويلة _يا صاحبي_ يمكنك إرجاءها إلى حين صفاء ذهنك، أو قراءتها مع عُدَّة منشِّطة لك كي لا تنام أثناء قراءتها؛ بالرغم من أني لا أحبُّ هذه الملاحظات و لكن وجدتُ أنَّها ضرورية هنا، كتنبيه للقارئ لأني أعرف أن الأسلوب ممل غالبًا أو ربَّما جامد، لا أدري أيُّهما يشرح فكرتي، على كلٍّ قراءة ممتعة للجميع.▶️

أقف أمام الغروب، أتأمَّل بعين غارقة بين برتقالية الشمس الغاربة، تحضرني أفكار كُثر، أتوه بيني، أحاول تجاهل رغبتي في الهروب من هذا التفكير، أرفض تناول الجوال لأصوِّر المنظر كما أفعل كل يوم، أتماسك حتى نخرج إلى الخط السريع، أزفر باستسلام و أبدأ التصوير.

مشواري اليومي من نهاية الدوام حتى الوصول للمنزل*

الفنُّ وليد التأمُّل🌿

هنا المقالة الأولى التي تتحدَّث بشأن التأمُّل.

برأيي أن للفنِّ معايير خمسة:

1) جاذبيَّة المادة .

الصورة عادية جدًا، و المقصود هو المادة الجميلة هنا، التقطتُ الصورة من سطح المنزل المطلّ على الميناء.

أمامك شجرة كرز وارفة بألوانها اللطيفة، طفل صغير يتأرجح على مرجوحة معلَّقة في جذع منها = مادَّة جميلة بلا شك.

لديك بضاعة فاخرة = مادة جذابة .

عود غزل بنات = مادة جذابة لطيفة .

شروق في صحراء = مادة جذابة عميقة .

المادة بحوزتنا _غالبًا_، و إن لم تكن كذلك فبحوزة خيالنا الواسع؛ نتأمَّل الفكرة لبعض الوقت، ثم نقوم بتشكيل المادَّة الجذابة بالمهارة الفنيَّة، نرسم، نكتب، نصوِّر، نغنِّي، نكتب قصيدة…

إذًا فالمادة الجميلة أو دعنا نقل الجذابة، كي لا نستثني المواد الحزينة و البائسة و التي بالتأكيد لا تخرج عن نطاق الفن، لإن فكرة تشكيلها بالمهارة تعتبر فن.

2) الزاوية المدهشة.

بالرغم من أن الصورة فيها أخطاء كثيرة، إلا أني أحبُّها إذ أنها كانت بدايات ممارستي التصوير بكثافة، طبعًا الصورة من عين الباب السحرية😅

هل تتذكَّر الشروق في الصحراء المذكور سلفًا ؟ ما رأيك بزاوية مذهلة منه، فترسمه داخل إطار متهالك، أو تصوِّره من أسفل خيمة أو على حدِّ تلّ، أو تكتب فيه أبياتًا مصقولة، أو نصًا أدبيًا عميقًا يحكي شعور الليل المتسرب بهلع من صفحة السماء؟

الزوايا المدهشة لا نجد أفْضَلها إلا بعين طَالَ بها الشرود، و فِكر غَرَقَ بالتأمل لوقت طويل، الحسُّ الفنِّي يتجلَّى بأبهى صوَرِه في الزوايا حيثُ تدهش الملتقِّي، كلما كانت الزاوية غير متوقَّعة كانت ردَّة فعل المتلقِّي أكثر دهشة و إعجاب، و لما نتكلم عن زاوية فبالطبع لا نتحدَّث عن زوايا الصور فقط، بل عن زوايا المشاهد الأدبية، و زوايا الرسم المغايرة للمعتاد، و زاوية نظر الشاعر الغريبة، و زوايا مقامات المغنِّي و الصادح بصوته، هناك دائمًا في أي فنٍّ زاوية مدهشة، كلُّنا نكتب و لكن ليس كلنا معروف لأننا لم نتأمَّل بعد كما ينبغي، أو ربما نستطع إيجاد تلك الزاوية التي تدهش القارئ و تجعله يهتف : ربَّاه، ما أجمل هذا!

أقتبس في هذا السياق لبثينة العيسى من رواية ” كبرتُ و نسيتُ أن أنسى ” :

عندما أتناول المفردة، أي مفردة، فأنا أحسُّ بثقلها في يدي، في قلبي، و في طرف لساني، إنني أتذوَّق طعمها المركَّب و مزاجها الأشبه باللغز، و أحاول أن أفجِّر فيها عصارة المعنى.
عندما أتناول الكلمة فإنني أحاول أن أفرحها و أشعل ممكناتها بوضعها في مكانٍ تحبُّه، مكان يفاجئها و يبهج خاطرها .
يخيَّل إليَّ دائمًا بأن الكلمة تشعر بالخمول و غياب الحيوية، إنها منهكة و منتهكة من كثرة الإستخدام، و هي بحاجة لأن تشعر بأنها جديدة و طازجة، و مولودة لتوِّها، و خارجة من سديم الهيولى إلى عالم المعنى.. في مغامرة ما، مثل حورية بحر عاشقة.
من الصعب أن تستحضر الكلمة في النص دون أن تتورَّط بتاريخها، هل يمكنك مثلًا أن تستخدم كلمة سماء، دون أن تجرّ وراءك طابورًا طويلًا من الكلمات؟ دون أن تستحضر قبيلة من الأقارب و شلَّة من الأصدقاء:(زرقة،سمو،نقاء،طهر،جنة،ألوهة)
إنك عندما تتناول كلمة مثل “سماء” فأنت تخذ معها تاريخها الطويل من العلاقات، و لكن هل هذا هو ما تقوله الكلمات حقًا؟ هل هذا هو ما توحي به إليك؟ ماذا عن همسها الحميم في قلبك؟ و هل يعقل أن تقول الكلمة الشيء نفسه لنا جميعًا؟
أعتقد بأن ما تقوله الكلمة لي يختلف عما تقوله لك، و إذا كانت السماء عندك هي النقاء و الزرقة و غيره.. فهي توحي لي بأمور أخرى تمامًا، مثل النأي و الإستحالة.
التفكير في السماء يشعرني باليتم، و هذا الفراغ القائم بين السماء و الأرض يملؤني بالوحشة حتى أطرافي.دعك مني، لنعد إلى السماء.
إنك سترى بأنها باتت تستحضر نوعًا مختلفًا من الكلمات، أو قبيلة جديدة من الأقارب، و صناعة علاقات جديدة ينعشها و يجعلها أفصح و أكثر رشاقة في جسد القصيدة، و عندما تدرك أنتَ ذلك، تشعر بأنك بتَّ أكثر خفة و حرية في اللعب مع هذه الكلمة، كلمة سماء. صار بإمكانك أن تزجُّ بها في قصيدتك دون أن تتورَّط بتاريخها القديم و أعرافها اللغوية، أليست هذه مهمتك كشاعر؟
لنأخذ كلمة أخرى .فكِّر بكلمة “أبيض”.. ماذا تفعل هذه الكلمة بالنص، أو ماذا يفعل النص بها؟
ربما يكون الأبيض هو لون الحليب و الحنان الأمومي و الطهر و الفضيلة، و هو اللون المفضل للأنبياء، و هو أيضًا لون المعرفة و الجنون، لأننا نعرف بأن الأبيض هو أصل الألوان السبعة، و أن قوس قزح هو الأبيض المطعون بسبع مديات في الخاصرة.قد يكون الأبيض كل هذا، و لكنه أكثر من ذلك.
الأبيض هو الموت، الأبيض هو العدم.
أنتَ كشاعر لا بدَّ و أن يرعبكأو يثيرك على الأقل البياض الفاحش للورقة، لابدَّ و أنك تتحسس وجهه العدمي الصقيل بكل الرعب في قلبك، إنه يستفز وجوديتك.
و الآن فكر كيف تقف هذه الكلمات متوازية، الأبيض هو الجنون، و الجنون هو الطهر.
الأبيض هو المعرفة، و المعرفة هي العدم.. إنك تتعرَّف على علاقات جديدة و تفاعلات كيميائية لم تخطر ببالك أبدًا و أنت تصب لنفسك كأس حليب في الصباح الباكر.
إنك تعبر بالشعر إلى الفلسفة من حيث لا تدري .
ما أحاول قوله، هو أن الكلمة مثلنا متعبة من ماضيها، وهي_ مثلنا_ تتحرَّر منه بالشعر.

تأمَّلوا أكثر، تكون زواياكم أكثر إدهاشًا، و الأهم أن لا تبحثوا عن الزاوية فتنسوا المضمون، و لكنِّي أعوِّل على التأمُّل كثيرًا، فأكاد أُجزم أن المتأمِّل ما فشِل قط في إتقان المهارة ما دام بدخله فن.

هذه الصورة أيضًا من أحبِّ الصور إلى قلبي، لقد كانت زاوية مسروقة بصراحة من فكرة أختي 😁

3) المغزى النبيل.

هذه الصورة من أكثر الصور التي لشدَّة ما أحببتها لم أشاركها بكثرة، المغزى فيها واضح ان شاء الله.

لا شك في أن لكل فنٍّ مقصد و مغزى، و لذلك لا أجد أن الأدب العبثي بالفعل عبثي!، أقصد أنه ينطوي على مغزى و مغزى خطير لا شكَّ، لذلك لا يروق لي غالبًا، كما جاءت رواية ” كافكا على الشاطئ” و ما شابهها.

دعونا من هذا، فجميعنا بشكل غريزي ينظر باحثًا عن مغزى ما يتلقَّاه، حتى لو وصل لكل منا مغزى خاص و تبنَّاه، فهذا يدلُّ على مهارة صاحبه، المهم أن يصل لكل منا مغزى نفهم منه معنى هذا الشيء، حتى لو كان المغزى ذكرى فحسب أو لحظة هاربة لن تعود، إلى ماذا يرمز؟ إذ أن الجهل أصبح مرعبًا، و عن نفسي فإني أرتعب من الأشياء المصقولة بلا معنى و لا مغزى، أبقى أفكِّر: هل حقًا صَرَف احدهم وقتًا على كتابة شيء لا يرمز إلى شيء؟ لماذا يفعل هذا؟ .. لا أستطيع أن أصدِّق العبثية، لا أستطيع تقبُّلها و لا شكَّ بأن كل من هو على فطرته فهو يرفضها، كي يبدأ من البداية متسائلًا: لماذا أنا هنا في هذه الحياة؟ كي أعبد الله فأخلد في الجنان، ببساطة خُلِقتُ كي أعبد الذي خلقني، ثم تتوالى أسئلة الإنسان الرافض للجهل رفضًا تامًا، و سيظل كذلك حتى وقتٍ طويل، فيتعلَّم و يتعلَّم دون توقُّف، يعلِّمه من علمه العليمُ سبحانه.

و عودة إلى المغزى، فإنه لا يجب أن يحتوي على فائدة مباشِرة، على العكس تمامًا، نحنُ نبحث هنا عن معنى للشيء لا عن فائدته، و مثال هذا ما رأيك بأحد الحسابات التي تضع بشكل مفاجئ و بدون سابق انذار صورة مخيفة بدون معنى مفهوم ؟ ستتعجَّب، إن كنتَ مثلي ستتضايق إذ ستسأل نفسك بقلق: ما المعنى من هذا؟، و مما يدعم رأيي بأن الإنسان يتضايق من وجود أشياء بلا معنى، أني شاهدتُ مرَّة لقاء مع مذيع معروف (لا داعي لذكر اسمه، إذ أنه مشهور و سأضطر إلى إبداء رأيي فيه كعادتي)، يسأل المذيع ضيفه (فنان كويتي شهير) عن سبب وضعه صورة لنفسه بدون كتابة أي كلام توضيحي تحتها، و علَّق قائلًا: أنا أتضايق من رؤية شخص يضع صورته بدون أن يكتب أي شيء تحتها، من المؤكَّد أن للناظر احترامه حيث يجب توضيح المغزى وراء النشر هذا!

و أتساءل بالفعل، ماذا يريد من ينشر أي شيء بدون مغزى؟ كيف له أن يفكِّر بشيء في غير معنى؟ هل وصل العَبَث إلى الأدب؟ مرعب.

لاحظ أني وصفتُ المغزى بالنُّبل، و هذه هي تركيبة الفنِّ الرهيبة، تمامًا كما وجدتُ التصوير المفاهيمي، و مقالات الكاتب خالد أحمد توفيق سواء في مدوَّنته، أو في كتابيه اللَّذَين قرأتهما له حتى الآن “زغازيغ” و “فقاقيع”، حيثُ تجد لكل مقالة مغزى واضح وضوح الشمس، جميل جمال الشروق، ساخر سخرية أدبيَّة رهيبة حقًا.

و أتطرَّق هنا للأغاني الحديثة، و حتى بعض الشيلات، فقد انحدر الغناء بشكل فضيع، لم نعد نجد تلك الأناشيد ذات الكلمات القليلة المعبِّرة، و الألحان الدافئة و المقامات المدهشة دائمًا و الجذَّابة، صار الحصول على مثلها صعب جدًا، فقد صارت الألحان غريبة و معتادة مكرورة، و الكلمات بلا معنى أبدًا، و الموسيقى صاخبة، و الإيقاع مريع، و صارت الأغاني موضة، فتسطع أغنية بشكل ساحق، تسمعها فلا تجد أي معنى لا بالكلمات، و لا باللحن و لا بالإيقاع، غالبًا لا وجود لأي تناغم، فتتعجَّب من التفاهة الجماعية المعدية هذه، أقول لك: الذائقة في انحدار، نقلِّد إيقاع الغرب، و نستقي من الهنود كلماتهم ( التي بالمناسبة بتُّ أحيانًا أرى فيها معانٍ أكثر من هذه!)، و أما الألحان فهي الشيء الوحيد الذي لا يزال يهدِّئني قليلًا، حتى بالرغم من تكراره إلا أن مسحته العربية الدافئة تجد طريقها إليه من المغنِّي نفسه _غالبًا_، خذ أقرب مثال الأغنية التي لا أستطيع وصفها سوى بالقذِرة_ مع العذر من القارئ_ ” تعال اشبعك حب”، يغنِّيها الصغار و الكبار، و هي لا لحن و لا كلمات، و لا حتى إيقاع! (يا ربي معاصي على الفاضي!)، و الآن اغنية “بالبنط العريض”، يا أخي عجب العجاب الإيقاع، و صوت المغنِّي مائل ميولة مقزِّزة مع الأسف، الكلمات وحدها بالكاد تمرُّ بحلق ذائقتي!

و بمناسبة الحديث عن الفنِّ بلا مغزى، أو ذو المغزى المكرَّر الممل، كارتون الأطفال الحديث، كلُّه صراعات بلا هدف، و قد اختفى أغلب الكارتون الهادف، فلم نعد نرى أطفال يتابعون “جزيرة الكنز” و لا ” صاحب الظل الطويل” و “لحن الحياة” و لا حتى “ساندريلا”!، و أرى ابنة أخي ماذا تشاهد من كارتون، و أراها آخر الليل تبكي في نومها من مشاهدتها لمقاطع مرعبة أو لا تناسب سنَّها، أو حتى تجعلها تتصرَّف بطريقة غير مقبولة أبدًا، كفرض غضبها و الإصرار على تنفيذ رغباتها، حتى صارت تركض إليَّ قائلة: اقلبي القناة، هذا الكارتون يجعلني أحلم و أخاف بالليل!

لماذا بدأ يختفي المغزى النبيل من كل نواحي الفن؟ بسبب التجديد؟ بسبب التقليد؟ على أيَّة حال، علينا انقاذ الفنِّ من قبضة العبث.

و في هذا المقام أشكر قناة طحالب حقًا على ما تقدِّمه من فنِّ كوميدي هادف بمغزاه النبيل، و أدعوها للاستمرار مقدِّرة لها جهودها الحثيثة على تقديم ما يمتع المشاهد و يُلهمه و ينمِّي فيه ثقافة نبيلة حقًا.

4) آلية الطرح .

أعتقد بأن هذه الصورة حظت بقليل من معيار آلية الطرح.

عندك المادة الجذَّابة، و الزاوية المدهشة، و المغزى، و كلُّ ما تبقَّى لك طريقة وضع المهارة، كي تكون جاهزة و تنتظر فقط معيار فنِّي أخير يزيد في جمالها، دعنا من المعيار الأخير و ركِّز في آلية الطرح.

آلية الطرح تُعنى بترتيب الفقرات، سواء في الصورة أو في النص أو في اللوحة و غيرها من المهارات، إذ من الخطأ وضع مهارة بطريقة عشوائية غير منظَّمة إطلاقًا، فهي ستجعل المادة رديئة، و ستبهت دهشة الزاوية، و سيضيع المغزى لأن آلية الطرح ظلمت المهارة كاملة، و من هنا نعرف كم هي مهمَّة آلية الطرح.

و لما أتحدَّث عن نظام المهارة فلا يعني هذا أنه يتوجَّب من كل المهارات أن تكون مرتبة و صارمة، لا أقصد هذا بالطبع، فهناك لوحات مرسومة بلطخات ألوان غير منظَّمة بالضرورة، و لكنها بالتأكيد تحوز على اهتمامنا و نحبُّها إذ تعطينا مغزى نبيل أو جميل على الأقل، و المعروف أن هذه العشوائية في مثل هذه اللوحات، أو مثلًا اختلاف مقامات اللحن في أغنية ما، أو انقلاب آلية السرد في رواية بحيث تبدأ من النهاية للبداية، أو حتى من الوسط، كلُّ هذه العشوائيَّات تحدث بضوابط لا تجعل جوهرها يتلاشى بينها، أستطيع الإطلاق عليها “فوضى مضبوطة”، بحيث لا تسيح الأشياء ببعضها بحيث لا تعرف ماهيتها، أو أنها تظهر على شكل شذرات لا تغني و لا تسمن المتلقِّي، لهذا ننظر لآلية الطرح باهتمام و انتباه أكبر.

لديك صورة لملابس من ماركة معيَّنة مع قبَّعة و حذاء و ساعة و …، لا يمكنك أن تضعها فوق بعضها و تصوِّر، ستفشل الصورة بالتأكيد ان فعلتَ هذا، أو أنَّك تكتب رواية تتنقَّل فيها بين الحاضر و الذكريات بدون تنبيه و لا استطراد، سيشتِّت القارئ و لربما يرمي الرواية على الحائط و يشتمك، أو أنَّك تغنِّي أغنية بلحن غير قابل للسماع ظانًّا أنه لحن مدهش…إلخ، من هذه الأفعال التي تُسقِط الطرح كلُّه، و تُفشل المهارة نهائيًا.

آلية الطرح تعتمد على شيئين : الوضوح و الضبط.

فالوضوح مهم ، بحيث تبدو كل الأشياء واضحة في الصورة، و يكون اللحن واضحًا في الأغنية، و يكون الرسم واضحًا ما فيه، و تكون القصَّة واضحة غير مشوَّشة، فهذه الأمور هي جواهر المهارة الفاردة نفسها أمام المتلقِّي إن سَقَطت، فَشَلت المهارة.

و الضبط مهم، بحيث تكون الصورة مقسَّمة إلى تسعة أقسام منظَّمة، كلُّ جزء منها يحوي شيء بدقَّة، و يكون اللحن مضبوطًا لا معوجًّا أو متحشرجًا متلوٍّ بطريقة مزعجة، و أن تكون الرواية مقسَّمة لفصول و لا يجب من هذا أن تكون فصول فعليَّة، و لكن يظهر هذا من السياق المضبوط، لأنَّ الضبط بريق الجوهر، فإذا سَقَط اهتزَّت المهارة.

و هنا أذكر رواية قديمة لي، ضبطها جدًا سيِّء، حيثُ تتنقَّل بين الماضي و الحاضر بدون هوادة و لا نظام فعلي، فشل الضبط فاهتزَّت الرواية و تداخلت أحداثها ببعضها فاحتاجت إلى إعادة وزن و ضبط جديد، يتطلَّب هذا وقتًا أكبر من المرَّة الأولى، إذ أن تقويم الأشياء المهتزَّة أصعب بكثير من تقويم شيء جديد، أو أني أرى هذا نظرًا لرأيي الخاص، حيثُ يكون صنع شيء من البداية أسهل بكثير من إصلاح الأشياء القديمة.

5) سرُّ الزهوِّ.

الصورة بسيطة، لكن الغرض منها زهو الزجاج و اندماجه بلون الورقة الكاكي.

نصل إلى عروس الفنِّ، الزهوِّ و البهاء في المهارة.

و هذه من أكثر المعايير التي يهتمُّ بها عالم “التسويق”، إذ يقوم بتلميع الأشياء و إيصالها إلى أكبر قدر ممكن من اللمعان و الزهو، سواء كان زهو حسِّي أو معنوي، فترى الطعام الإعلاني لامع و ذهبي بطريقة تسيل اللعاب (و قد تبيَّن أنَّهم يستخدمون أشياء غير الطعام لإيصالها لذلك اللمعان و الذهبية! انظر هنا)، و يستخدمون في إعلانات الملابس لمعة الجسد المرتدِي للملابس المعروضة، و بالمكياج تكون الوجوه زاهية لامعة، و بأي إعلانات تجد الزهو فرض أساسي تقريبًا فهو جاذب ممتاز على ما يبدو.

في الصور يجب أن تكون الفواكه لامعة زاهية، أوراق الشجر خضراء منتعشة، زجاج النوافذ نظيف أو منقَّط برذاذ مطر، أجزاء الجسد مرتوية وردية…إلخ مما يجعل الصور زاهية، و هذا ما جعلني أعترض بالأمس على صورة الأخت للغروب، البحر ما كان لامع زاه، و هذا ما كان يجب أن يكون عليه بالعادة، لقد سقط زهوِّ الصورة و لكن الصورة لم تسقط بشكل نهائي، و لكنها تجعلك تشعر بعدم الارتياح، هناك شيء ناقص في الصورة، أقولها لك: الزهو و اللمعة.

في الكتابة يجب أن تكون المفردات لامعة و دافئة، و تكون قواعد الإملائية زاهية من علامات ترقيم، و طريقة هجاء الكلمات، و تفادي الأخطاء الشائعة، و تكون قواعد النحو غنيَّة بغير إفراط حركات مربك، و لا أخطاء فاحشة مرعبة، و في الغناء تكون وقفات اللحن مدروسة و لامعة، و في الشعر يكون نظم الأبيات مرتَّب بوقفات و سكنات على القافية أو بترتيب غير مُهلِك للأبيات ان كانت أبيات نثرية أو زهيرية مثلًا.

الزهو عنصر الكمال في الفنِّ، و هو أكثر المعايير الجذَّابة للمتلقِّي، لهذا يستخدمها التسويقيون بحرص و كثرة؛ و لكن الأكيد أن الزهو إذا ذهب فلن تسقط الصورة بكلِّها، ستبقى و إن كانت قد بهتت قليلًا و صار حقُّها الفنِّي أقل مما تستحق أحيانًا.

هذه الصورة التقطتها و نحن على الخط الثالث من الطريق البحري، خط سريع قيد التمهيد فُتِح لأن الرئيسي فيه أعمال تصليح لذلك لا تركِّز على كومة التراب المشوَّشة، دعك في القارب و البحر😅

تذكَّروا .. الزهو عامل من أغنى عوامل الفنِّ شعبية، لذلك فلنزهوا بمهاراتنا يا رفاق.

و هنا أذكر فائدة صغيرة ربما لاحظها أحدكم أثناء قراءة المقال، و هو استخدامي للفاصلة، لن أطيل الشرح يمكنك فهم الأمر من هنا، أحاول الانتباه للأمر قدر الاستطاعة، و مع هذا فالخطأ بالتأكيد سيكون موجودًا في مكانٍ ما.

اللقالق الثلاثة عنوان الصورة و سبب التقطاها أصلًا🤭

سأكتب في التدوينة القادمة عن التصوير بشكل خاص، أتمنى أني قد أفدتُ البعض، و عذرًا على فلسفتي الطويلة، كونوا بخير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s