جدران و وسائد 〰️

وحدي في غرفة أمي ، لأنها و أختيَّ في البلكونة ، الكهرباء مقطوعة ، الجهاز يوشك أن يستسلم ، لكني أريد الكتابة الآن ،بالأصح أريد استغلال اليوم بما أنه إجازة ، حسب جدولي المشتت يكون الأربعاء يوم الإجازة مع الجمعة و السبت ، بينما كان من المفترض أن يكون الإثنين إجازة أيضًا و لكن لحاجتنا الشديدة لوقت أكبر للدراسة أُلغي .

أفتقد العصر ، فهو عالمٌ آخر بالنسبة لي ، أحبُّه حبًا شديدًا ، و أشعر بأنه ينسل من بين يدي إذا خرجنا في زيارة أو حتى وقت الدوام ، بيد أن عودتنا على مشهد الغروب على الطريق البحري خير مواسٍ لي ، لا أدري لم أشعر بالتفتُّح في العصر كوردة ، ليس بدقة و لكن أشعر و كأني أستطيع أن أتنفَّس بعمق و ارتياح و إن كنتُ في الحقيقة لا أفعل ، لا زلتُ أركض ، التنهيدات لا تناسبني !، أزفر باستمرار ، أزفر بقلق ، شهيق سريع ينفلت ليصبح زفير مستعجل ، هناك شيء يجب علي اللحاق به ، أشعر بأني متأخرة ، لا زلتُ غير متصالحة مع عثراتي ، هذه هي الحقيقة المريرة ، لا بأس أنا لا أعترض على القضاء و القدر ، أنا أثق بأن هناك سبلًا أخرى فُكَّت لي ما كنتُ لأحظى بها لولا عثرتي ، لولا سقوطي المتكرر الذي جعلني أمعن النظر في دقائق الأشياء حولي و أكتشف طرقًا أخرى ، لكن بداخلي تلك النفس المتوترة أبدًا ، أحقًا أسير بشكل منتظم ، أم أني عدتُ للسقوط بطريقة أخرى ، نعم هذه هي الحقيقة : قلق ، و ليس من النوع الصحي دائمًا ، إذ يتوجَّب عليَّ تالي الليل الرجفة بشأنه ، الغرق بتفاصيله ، الذوبان بذكريات السقوط الأولى ، ثم أزفر بسرعة أضع على رأسي الوسادة ، أضغط عليه و كأني سأوقف ما يجول فيه ، أحدِّق بشكل الحائط أمامي ، أتلمَّسه بحنو ، أشعر أحيانًا بان الجدران قريبة ، قريبة جدًا لفكري ، تواسيني أحيانًا ، تسندني غالبًا ، و يكفي أن هذا الجدار نفسه يرقبني كل يوم بهدوء و بدون أن يستنكر ملامح وجهي المتقلبة من نتاج أفكاري ، حسنًا بدون مبالغة مطلقًا ، لقد صرتُ لا أنام إلا إذا وضعت الوسادة على جانب وجهي ، و حدَّقتُ بالجدار ، تبدو الأشياء جميعها ما بين سطحية الجدران ، و أغوار الوسائد المليئة بالقصص و لربما القصائد ، أنام .. الأشياء ستكون بخير ، ما دامت جدران و وسائد.

لا زلتُ أقرأ ” كافكا على الشاطئ ” و لو كتبتُ رأيي الآن سأذمُّها كثيرًا ، و سأقوم بشتم نفسي مرارًا ، بصراحة أنا أقرأها نظرًا لسمعتها ! ، و كأني لم أُقرص من سمعة الكتب المجنونة ، و كأني لم أُصدم بالكتب الفارغة بالرغم من سمعتها الهائلة ، و كأني لم أفعل !

حتى الآن وصلتُ للفصل السابع عشر ، أريد أن أتابع القراءة و لي لهفة بمعدَّل 2% إلا أن الضيق و الغضب الذاتي يقول : لا تكملي ، جزاؤكِ أن تتوقَّفي !

رواية ” كافكا على الشاطئ ” رواية خيالية ، رواية مليئة بالخرافات و الخيال المحض ، أنا أُرهق من هكذا روايات ، أعود بالذكرى إلى سلسلة الشفق ، كل ذاك الإستنزاف ، و إن كنتُ في الواقع لستُ بذلك الشغف لمتابعة القراءة ، فلدي إحساس بأن الرواية ستنتهي بدون نهاية ، أقصد نهاية مفتوحة ، قلبي يقول هذا ، و لكني _ كالعادة _ لن أستطيع ترك متابعة القراءة ببساطة ، لأنني أكره النقص ، ليس النقص البشري الطبيعي ، النقص الذي يكاد يصل إلى كل ما يخصُّني ، ثم إني لم أترك _ تقريبًا _ كتابًا مقروء نصفه من قبل ، على ما تذكَّرتُ الآن : دون كيشوت ، قرأته من مكتبة والدي و كان ممزَّق و ناقص ، و لكنني بصدد تحميله لاستئناف قراءته ، و أيضًا ” الحفرة ” لعادل العجواني ، الكتاب الذي قرأته بسبب عنوانه الذي كنت أريده لرواية ” الرجل الذي ابتلع نفسه ” ثم عدلت عن ذلك ، و قد توقَّفتُ عنه لحاجتي وقتها لمتابعة الكتابة ، خصوصًا و أني أردتُ أن أرى أيستحقُّ العنوان بالفعل ، و في الحقيقة لم أقرِّر هذا و لكنَّه عويص و شعرتُ بأنه يترجمه جدًا حتى لو لم يستحقه .

على أية حال ، ” كافكا على الشاطئ ” استفدتُ منه بإضافات جديدة لقائمة القراءة المقترحة ، السرد لطيف و عادي ، الأفكار خيالية جدًا ، هناك الكثير من المقاطع الشفافة بطريقة لا تناسبني ، بل و لا تريح القارئ بشكل عام ، مقاطع عنيفة ، مقاطع خادشة للحياء ، مقاطع تشي بإلحاد محض ، هذا غير مريح اطلاقًا ، ذكرى ” قواعد العشق الأربعون ” تعود ساخرة مني ، لماذا عدتُ لقراءة الكتب ذات السمعة بدون قراءة مراجعات عنها أو آراء لها ؟ لماذا أسقط في غي الإعلانات السخيفة غالبًا ؟ ، لماذا لا يعجبني الخيال المجنون ؟ لماذا لا أقرؤه ببساطة قائلة : خيال خيال فقط ؟ ، لماذا أشعر بأني أشبه بمن ليس راضيًا أبدًا عن هذه القراءة ؟ ، و كأني أصرف وقتًا كان من الممكن أن يعطيني الكثير من كتب أخرى ؟ لماذا أبحث عن الفائدة غالبًا ؟ أأبحث عن موضوع يمكنني التفكير به بدلًا من هراء الخيال ؟ أم أني لستُ أنسجم مع أسلوب موراكامي نفسه ؟

حسنًا ، سأتابع القراءة ، و يجب عليَّ تحمُّل تبعات قراري بتحميله و التعطش لقراءته ، و ها أنا ذا سأظل أوبِّخ نفسي مع كل شغف كبير ، ما إن أصله أو يصلني غالبًا ، أجدني أمقته و أراه في أبشع صورة من صور التفاهة و السخافة ، أقول : يبدو أن الأشياء السخيفة تجذبني ! ،ما المانع أن أعترف بأني تافهة في اختياراتي ؟ لا بأس ، مع أني أكاد أجزم بأن هذا الفكر من تأثير اعتراف ناكاتا المسالم بأنه ” غبي ، أبله ” !

حسنًا ، كافكا حتى الآن بلا قصة معينة ، إنه كفقاعة لا تدري ماذا تريد أن تفعل و لا ماذا ستفعل ، يقرأ ؟ طيب و بعد ، يتأمل ؟ حسنًا ، هارب من بيته ؟ اهمم و ماذا ؟ ، لا شيء معيَّن أصل إليه من حكايا كافكا ! ، ناكاتا على الأقل وصلتني بعض الأفكار عبر قصته ، حتى حوادث فقدان الوعي وصلتني عبرها أفكار ، و أفادتني من نواحي ، لكن كافكا لا يزال يعوم حتى الآن ، أنا في الفصل السابع عشر ، أين القصة ؟!

إني أتثقَّف بشأن الموسيقى و أنواعها ! ، بأنواع الكُتَّاب و أسماؤهم ! ، بالديانات المتواجدة هناك و خرافاتهم ! ، و لدي من الأسئلة الكثير بلا إجابات ، حتى اللحظة !

هناك خرافات تُقبل ببساطة ، هناك بعض الخيال الجذَّاب ، و دائمًا هناك مغزى في الروايات الحلوة ، ما مغزى رواية ” كافكا على الشاطئ ” ؟ نشر عقيدة ؟ اثبات فكرة ؟ تحديد قضية ؟

لا أعرف حتى الآن ، و يا ليتني أجد مغزى يستحق قراءتي بعد انتهائي ، أرجو ذلك .

*على الهامش: تدوينة راقت لي جدًا ،خلال تجوال الأمس.

تدوينة متأخِّرة ؛ الجهاز استسلم ، لذا كان يتوجَّب انتظار عودة الكهرباء لإنعاشه و نشر التدوينة . 🙂

رأيان حول “جدران و وسائد 〰️

  1. أحببت كثيراً هذه التدوينة. لأسباب.
    منها أنني لطالما كرهت العصر. ربما أسوأ أوقات اليوم. واعتبرت الأمر حقيقة مطلقة وتجربة إنسانية كلنا متفقين عليها 🤷🏻‍♀️ كأنك فتحت البلكونة قدامي وقلتِ لي: شوفي ايش ممكن؟ ممكن العصر يكون طيب، وحلو. وأشياء أخرى كثيرة يمكن أن تكون كذلك أيضاً.

    Liked by 1 person

  2. غريب أن لا تحبِّين العصر ، صحيح أنه يشعرني برغبة في البكاء ! إلا أني أجده حبيبًا !😅

    سعيدة بأنك قد أحببتِ التدوينة يا عزيزتي ، شكرًا لمرورك اللطيف ، كوني بخير🧡

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s