و لنا في البساطة ” أُنْس “💟

أهلًا …

غرفتنا مشرَّعة نوافذها أخيرًا ، و بابيِّ البلكونتين مفتوحًا أيضًا ، يا للنقاء ، يا لنور الشمس …

أودُّ لو أكتب في البلكونة الوردية ، و لكن الرياح بالخارج تهبُّ كل ثوان محمَّلة بأتربة ، و صريرها يشتِّتني تقريبًا ، لذا الكتابة من هنا ببساطة أمر لا يُستهان به أبدًا .

ليلة البارحة مليئة بالحديث أثناء نومي ، أعرف هذا دون أن يقول لي أحد ، صوتي به نغمة متكسِّرة ، و قد صحوت عدَّة مرَّات لأجد نفسي أتحدَّث ، فأهرع للصمت و دسِّ وجهي في الوسادة ، ليلة غريبة حقًا .

عندما أبدأ صباحًا زاهدًا كهذا ، فإني أعرف بأني قد استفرغتُ أحاديث كثيرة في لا وعيي ، و أني كنتُ حيَّة أكثر من اللازم أثناء نومي ؛ في حين أني بالأمس أكلتُ بغضب ثلاث أكياس بطاطس حتى شعرتُ بالتخمة ، أكون اليوم في غاية الشبع ، فطور صغير جدًا بالكاد أنهيته ! ، لا أنوي ان أتغدَّى حقًا ، أنا أحبُّ شعور الزهد هذا ، لأني أعرف أنه سينقضي …

ليست لدي مبهجات محدَّدة ، فأنا لا أستطيع تصنيف مشاعري بدقة كما قلتُ في تدوينة سابقة ، لذا لديَّ بعض الأشياء البسيطة ، البسيطة جدًا و التي ترفع معنوياتي ، تربِّت على كتفي ، و تؤيني من جلد الذات المبالغ به ، لأني بصراحة أؤمن بأن جلد الذات مفيد أحيانًا و يعتبر دفعة و انطلاقة جديدة .

هذا مقطع بسيط أحبُّ أن أشاهده كلَّما شعرتُ بالإحباط ، أو حتى بالنقص ، تعجبني لهجته المصرية الدافئة ، طريقة حديثه البسيطة و الهادفة ، و حتى بعض النكات التي يمكن أن تكون سامجة لولا أنَّها بلهجة المصريِّين مضحكة للغاية ، ألم أقل لكم ؟ و الله إن لمصر في قلبي مكان …

هل أشرح الفيديو ؟ حسنًا يتحدَّث عن ” الناس البسيطة ” ، عن الطموحات الصغيرة المناسبة ، عن النجاح المختلف ، و عن الإنسان البسيط وسط هذه الحياة الصاخبة ، يمسُّ الكثير منَّا ، يواسينا ، يربِّت على قلوبنا المُنهكة ، يقول : اليوم احنا جايين نمدح الإنسان العادي ، اللي هو في الحقيقة مش عادي ، و كونه عادي فهذا يعني أنه ممتاز و يستحق التقدير .

سلامي للناس البسيطة ، للناس التي لا تسعى للظهور أمام الناس أكثر من الظهور أمام أنفسهم أولًا ، و الذين هم أبطال في حقِّ أنفسهم أولًا ، و الذين جُلُّ ما يضعونه أمام أعينهم أن يبدؤوا لأنَّهم يدركون أن هذا ما يمكنهم فعله الآن .

فيما يقول الأستاذ محمود عبدربه في حوار مع المدوِّن يونس على بودكاست ” يونس توك ” أن البداية لا يجب أن تكون كبيرة ، لا يجب أن تتوفَّر فيها كل المتطلَّبات ، و أنا أقول البداية منطلق طويل و ليس نقطة ، لذا علينا أن نفعلها دائمًا ، لأنك أن تبدأ بداية لهو خطٌ طويل يترجم مشوار صاعد للنجاح ببطء كان أو بسرعة .

بالنسبة للأستاذ محمود عبدربه ، فإني من متابعيه الحريصين على تدويناته المُلهمة و اللطيفة حقًا ( خارج اطار التقنية و الإنترنت لأني لستُ من المهتمِّين بها كثيرًا بصراحة ) ، لديه العديد من التدوينات التي أثَّرت بي حقًا ، و من أحلاها “ بائعة الجرجير وصاحبة السيارة الـ Audi “ ، و الآن تدوينته الأخيرة ” الجميع قابل للاستبدال إلا أنت ” ، تعجبني الروح البسيطة ، و الأستاذ ذو منطق قريب للقلب ، متواضع الشأن ، إلا أن غزير معرفته بالإنترنت و التقنية أذهلني في البودكاست ، و السبب أني لا أقرأ _ تقريبًا _ عن التقنية و الإنترنت إلا ما أحتاج إليه فقط ، بكل بساطة لا أميل لها و لا تجذبني ، و رؤية هؤلاء ضليعين بها أراحني كثيرًا ، و كما قال : نعم كل انسان لا يمكن استبداله في الحياة .

للمرَّة التي لا أدري عددها أعود لتدوينة ” سقف الممكن مذهل ” لصاحب مدوَّنة ” برميل ” ، قد لا يعرف المدوِّن أحمد أنَّ تلك التدوينة بالتحديد ، على بساطتها إلا أنَّها نفدت لقلبي دون طرق أبواب ، أعود لقراءتها كلما شعرتُ بانتكاسة ، باحباط ، بأسى ، مع العلم أني لا أميل للبوح بالعاميَّة ، إلا أني منذ وقت طويل آمنتُ بأن اللهجة المصرية قطعت حاجز العاميَّة بالنسبة لي ، فقد كنتُ متعصِّبة للبوح البارد بالعامية ، و كنتُ لا أرى فيها سوى امتهانًا للمشاعر ، و تصبح في عين القارئ باهتة ، إلا أني ذات مرَّة وقعتُ على حديث مصري مسهب _ كعادتهم _ بوح شاطح في الصدق ، مليء بالسخرية ، أسرني ، صارت اللهجة المصرية خارج مجال العاميَّة ، صارت لغة لا تفشل في ترجمة المشاعر و حتى الدواخل ، بساطتها ، و سخريتها ، جمالها يتجلَّى في الصدق الذي لا تشوبه شائبة ، ” سقف الممكن مذهل ” عنوان سكب على إحباطي طمأنينة ، لبَّس إخفاقي أمان ، لا زلتُ أعود لقراءتها كلَّما سقطتُ في فجوة يأس .

اللي عاوز يغير، متاح ليه أنه يغيّر ، أنا مش في سبق ولا حد بيجري ورايا

تعجبني الإيجابية الغير مبالغ بها ، البساطة الطبيعية ، الوقوف و لو على عرج ، اللايأس …

منذُ قرأتُ هذه التدوينة ، آمنتُ بأن البوح ما كان يومًا شيئًا عابرًا ، ما كان يومًا في غير ذي جدوى ، و تأكَّد لديَّ بأننا في حاجة لتبادل مشاعرنا و معرفة دواخلنا السحيقة ، تمامًا كما فعلتُ لما قرأتُ أولى الروايات الروسية ( التي لا أتذكر ما هي بالمناسبة ) و لكن بشكل عام وجدتُ البوح المحشور بين الحوارات ، و العبارات التي قد لا نراها مفيدة للآخرين ، هي بالفعل تسهم في شيء ما ، غالبًا يكون شيء خفي ، يشبه أحيانًا الأُنس !

و هذا ربما ما جعلني أحبُّ الروايات الروسيَّة ، فيها كثير من الحوارات التي قد نراها غبيَّة لأننا لا نستخدمها طبعًا ، حوارات تتناول مشاعر شخص ما ، فنجد أحد الأبطال يدلي فجأة بمشاعره دون أن يطلب منه أحد ذلك ، يتحدَّث عن دواخله بصدق دون أن يأبه بجدوى ذلك ، يفعل لأنهم يفعلون ، لأنهم اعتادوا على أن الكلام لا يجب أن يكون دائمًا جليّ الفائدة ، و أنَّه يمكن أن نتحدَّث بشفافية عن الأمور الإنسانية ، ذلك لأننا نتعرَّض لها جميعًا كوننا ” أُناس ” .

هناك المحلِّل السياسي مشعل النامي ، رجل ذو عقليَّة فذَّة ، رجل إعلامي فريد بنظاميَّة فكره ، و بتفصيله الأشياء على مهل و بحنكة لا تُنكر ، يتحدَّث الأستاذ مشعل في إحدى سناباته ( و قد وضعها في اليوتيوب تحت عنوان ” قصص واقعية للمتأثرين بالمشاهير” ) يتحدَّث عن المشاهير في مواقع الإتصال الاجتماعي ، و عن تأثُّر البعض بهم و مدى خطورة ذلك على أنفسهم و على من حولهم و على المجتمع بشكل عام ، يقول عنهم : ” مو متخيلين أن هذي الحياة مصطنعة و مافي أحد يعيش كذي ” !

بالفعل بالفعل ، صارت البساطة شيء نادر الوجود في هذا العالم الصاخب ، الباحثة مجتمعاته عن النجومية و الشهرة ، و كل ما هو مقيَّد بالتكلُّف و الإصطناعية ، و كأننا لا نعرف من نحن في الداخل ، و كأن كل منا من فصيلة غريبة ، و كأننا لسنا جميعًا نحمل نفس البساطة التي جعلتنا في صغرنا نتدرَّج في النمو ، و نتساءل عن الأشياء حولنا ، شيء مخيف أن ننكر حقائقنا ، شيء مخيف يشبه المرض النفسي الذي يحول بينك و بين تقبُّل الحقيقة بحلوها و مرِّها ، مخيف حقًا .

خلال هذه الفترة أقرأ ” فن اللامبالاة ” لمارك مانسون ، أقرأ منه بين الرواية و الأخرى كتحلية ، و كجرعة حياة و رضا ، لغة بسيطة قريبة للقلب ، واقعي حدَّ الفضيحة لأولئك المتصنِّعون المتكلِّفون ، المتنمِّقون ؛ و يا ويحي أقرأه دون أن أشمُّ صفحاته ،  دون أن أضعه بجانبي ما إن أصحو حتى أتناوله ، يجب أن أشتريه يومًا ما .

أتذكَّر قصيدة للشاعر الكويتي محمد جار الله السهلي تحت عنوان ” قناعاتي ، قصيدة عميقة جدًا يقول فيها :

والمجتمع : مسرحية والبطل فيها

افضل ممثل لتمثيل المثالية !

متى سنتوقَّف عن الركض وراء المثالية و تحسين المظاهر ؟ ، علينا أن ندرك بأسرع وقت ممكن بأن للبساطة رونق آخر غفل عنه الكثير في هذا الإزدحام .

حسنًا مشاعل تتوقَّف عن تدويناتها اليومية ، و في هذا المقام أودُّ لو أشكرها على كل ما قدَّمته لي من شعور بالأنس و شيء يشبه التضامن ، يوميَّاتها كانت في قمَّة البساطة و الصدق إلى الحد الذي أدمنتها ، فياليتها تستمر ، 6 أشهر رقم قياسي أُهنِّئها عليه بالفعل👏

و الآن ماذا ؟

عليَّ أن أبدأ ، هيَّا لنبدأ خطُّ البداية ، لنقطع شوطًا ، فلننطلق بكل ما لدينا ، إلى ما نبغي ، و حيثُ ما نتمنَّى ، ” لن نستسلم للآلام .. لن نستسلم للآلام 👌😅 ” ، بصوت أجش ” سبيستون ” قناة شباب المستقبل 💪

الصورة من غرفتنا المطلَّة على البلكونة الوردية 😇

4 رأي حول “و لنا في البساطة ” أُنْس “💟

  1. أهلًا، أولًا أشكرك على جمال مدونتك، حروفك وأسلوبك.. لغتك جميلة جدًا ومميزة.
    ثانيًا: أشكرك مرة أخرى> فيما يتعلق بيومياتي.. لن أتوقف لأني لا أستطيع، لكن طريقة التدوين ستختلف. لطالما اعتدت كتابة يومياتي في دفاتري.. كانت تجربة مختلفة وتستحق لكني لم أعد أستطيع الاستمرار يوميا. أظنها ستكون أسبوعيم أو شيء مشابه… ممتنة للطفك

    استمري 🙂

    Liked by 1 person

  2. كلماتك مشاعل لا تزال لطيفة أبدًا ..
    نعم يا مشاعل هذا ما يجب أن يحدث 👏، مزيد من الصدق ، مزيد من الأُنس و القُرب رغم كل الأميال، فلتكن ما تكن الأهم أن تبقَي تلك القريبة لنا جميعًا تمامًا كسماء ، كلُّنا بحاجة لركنك القصيِّ 👌
    شكرًا لك شكرًا ، مرورك يعني لي الكثير لو تعلمين ، ودِّي 💝

    Liked by 1 person

  3. “سقف الممكن مذهل”
    القصة اللي ورا الجملة المقتبسة دي للمهندس أيمن ربنا يفك أسره.. https://youtu.be/iBFcM4KIXw4

    ..

    وبما أنك معندكيش مشكلة مع العامية المصرية.. فانا حطيت ايدك علي كنز فوق، مئات الساعات من المتعة والفائدة، دورات كاملة ومحاضرات منفردة للمهندس أيمن ابحثي عنها في يوتيوب..

    وخديلك لفة كمان في قناة طحالب غير حلقة أحمد العادي، الناس اللي شغالة علي القناة أحسبهم على خير، الحسن البخاري والغازي محمد وغيرهم من اللي بيشرفوا ويكتبوا وينتجوا الفيديوهات العظيمة دي علي قدر جميل من العلم والفهم..

    Liked by 1 person

  4. فعلًا ، حاليًا كنتُ فيما بين طحالب ، لا زلتُ مذهولة من طريقة التقديم البسيطة و الهادفة جدًا ، لقيت الإنسان العادي بتغريدة من قبل و اليوم أصريت أعرف من المنتجين ، أذهلوني جدًا ، و أتمنى لو يستمرُّوا في التقديم دائمًا بهذه الطريقة الحلوة 👌

    جاري الذهاب إلى قناة أيمن عبدالرحيم 🏃‍♀️
    نوَّرت يا زميل ، كل التحايا 🌺

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s