وريد .

يا صاحب الركن المضيء .

و هذا الرذاذ مستمر ، و فيض الفقد متدفِّق .

أجلس في بقعة مكشوفة ليست سوى سقف منزلنا ، صوت حبات المطر الخفيفة فوق قطعة الزنك الذي اجلس تحته ، اريد لو أجلس تحت المطر ابدًا ، و لكن الجهاز لا يسمح بهذا ، و آثرتُ الكتابة لك و اعتبرها نقطة من ضمن النقاط الكثيرة لي .

انا هنا ليس لأعاتبك ، و لا لألومك ، و لا لشيء سوى فقدك .

أفتقدك ، و اشعر بكل الأشياء من حولي تهتف بك ، مرَّة بلمحاتك ، مرَّة بسكناتك ، مرَّة باسمك و مرات عديدة بأشياء تشبهك أوَّلها : المطر .

كيف الحال على الضفة الأخرى ؟

نحنُ هنا في غرق مستديم ، و فقد مستطيل على الذاكرة و القلب ، و حَزَن و وحشة دسمة للغاية لو لم تكن بها عليم .

السحاب الرمادي هذا يذكِّرني بك ، بهطل حضورك ، بلون تواجدك البرتقالي المتوهِّج ، على شكل ذكرى لا تنطفئ ، و بطريقة سديمية كأنت .

من يصدِّق أن المطر منذ ساعتين و هو في هطول مستمر ، من يعلم ماذا يخبِّئ هذا الغيث !

و أبغيك قلبًا ، و بداخلي ذكراك لا تنطوي ، و أريد اللقاء و للأيام رأي آخر ، و أبكيك فقدًا و انتَ تواسيني على هيئة حبات مطر عشوائية على وجهي المبتل .

هذا غراب بشع ، لكنَّه ينظر لي بانتباه منذ وقفتُ بخشوع وسط المطر بملابس العيد البهيجة و بكل الزينة ، صرتُ كعصفور مبلول ، لكنه لم يرتجف بردًا ، بل ارتعد من هول الفقد المحدِّق في زاوية الانتظار ، إني أحاول أن أسبق نوبة الفقد و أنا اعرف اني لا أفعل إلا المستحيل ، و أني يجب أن أعيش النوبة بكل تفاصيلها ، و المغزى من سباقي لها ، أن لا تجيئ عاصفة كالعيد الماضي ، العيد الذي زادني التصاقًا بالوهم ، الذي عزَّزت فيه شعور الضعف ، بصراحة أظنني الآن بدأتُ النوبة .

من يهتم بها نوبة أو حتى سقوط ؟ ، لو أنني أفعل فلترفسني ضفدعة برجلها …

عودة .

كل الوجوه لا تشبهك ، كل الملامح ترتجف فقدًا منك ، روح المكان مكفهِّرة بدونك ، و صفحة السماء يأست فتوقَّفت عن الهطل ، أنا أحمِّلك مسؤولية انهيارات الأماكن ، تصدُّعات الفقد ، شروخ الغياب الأحمر ، كلُّها بسببك أنت .

و اصدقك القول أني هربتُ من النوبة بسبات ، و دسستُ وجهي في الوسادة ، كتمتُ أنفاسي ، تركت نفسي اموت ميتة صغرى بكل جهد ، آسفة ، غدا موال الفقد باهت ، و ممزَّق من كثرة التكرار ، أنتَ لا زلتَ في ذلك الضباب ، و أنا لا زلتُ تحت الشمس الحارقة ، و انتَ تعرف كم في هذا من بلاهة ، و كم يسبِّب من حرقة في حلق الأيام ، و كم تصبح به الأشياء مترهِّلة بطريقة سيئة .

و على ايَّة حال ، الهطل المنتظم هذا يجعلني أحنق على البئر الجافة ، من أين لك هذا ؟!

يا صاحب الركن المضيء .

و اليوم أحمر بارد ، مشع و في حضنه هالة تخترق العين و تحرق الذاكرة ، كن في سماويَّتك المنطفئة بخير كل عام ، سلِّم على ألوان المطر ، أعرف أنك تجدهم بما انَّك سفير البرتقالي ، و لأنك ما كنتَ هناك لأنك منطفئ ، بل لأنك لشدِّ وهجك طفقتَ توزِّعه ، تأكَّد أبدًا : هناك خلف الضباب قلب في انتظار موعد ، ” خاتمة لائقة ” على طريقة ايمي في موجتها السابعة …

كلُّ عام و أنتَ الشهاب الذي مهما بدا مدمِّرًا فمنظره على السماء يشفع ، كلُّ عام و أنتَ لون الأشياء لتتألَّق ، كلُّ عام و أنتَ الوريد .

سأستمع لقصيدة ” حزن النبلاء ” لـ ” سعد علوش ” ، و سأبتسم بنفس الفقد الأصفر ، يمكنك الحضور بلا تذاكر ، و لبيت من قصيدته بعنوان ” علم النفس ” أسترجعه :

اللي أتمنى أعيش و اتوفَّى معاه حتى فعيده ما قدرت اعايده !

المخلصة أبد الدهر

التي تكتبك بدون ضجر

آس .

ملاحظة صغيرة : هذه اكذب رسالة على وجه الأرض ، إنها منقَّحة و كأنها قد نُخِلَت ، نحبُّ نحن البشر أن نكون مثاليين جدًا ، نحبُّ أن نقول باستمرار : كرامة ؛ و لا أجد سببًا أكثر اقناعًا من أن حروف الكلمة ترمز إلى الكرم العنب الفاخر الذي يُصنع منه الخمر عادة ، و اعتدنا أن يحب الناس الكلمات الممنوعة ، بصراحة لا أدري على أي أساس ربطتُ الأمر ، تغاضَ ببساطة عن الملحوظة هذه ، لأني لن أعيد كتابة الرسالة المنمَّقة هذه ، و لن أمزِّق الورقة ، توقَّف عن تمزيق كل الأشياء الجميلة رجاءً .

فكرة واحدة على ”وريد .

  1. تعقيب: النشرة الأسبوعية #4 ماذا تعني الثروة بالنسبة لك ؟ – مدونة ثرثرة عقل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s