نيزك ☄️

أهلًا .👋

ها أنا على سريري ، و أعيش لحظات احتفالي بالعيد مع نفسي _ كالعادة _ ، هذا الإحتفال الصغير و الذي أجمع به كل الأشياء التي احبها يكون فرحتي الأولى بالعيد ، أشياء بسيطة و لكنها تعنيني ، تشبهني و أنا احبها ، ابتداء من كوب نسكافية مركَّز ، و حتى الكتابة من على السرير بكل اريحية بعد حمام طويل منعش ، اعتدتُ هذا الإحتفال منذ عامين أو ثلاثة على ما أظنُّ ، احتفال هادئ بالطبع ، أما قبلًا فكنتُ أبقى مستيقظة لا أنام من شدة لهفتي للصباح .

حسنًا ..

في هذه اللحظة تفاجأتُ بأني لا أستطيع فعلًا أن أبقى بعقلي فترة العيد ! ، حسنًا في طفولتي كنتُ أنتظر العيد بكل شغف و لهفة ، ليلته لا أنام إلا نعسات متفرِّقة ، لكني في الصباح أخرج من جسدي و أغيب عن الواقع ، قد يبدو الأمر دراميًا لكني حقًا أفعل هذا بتلقائية ، و ليس في العيد فقط ، فعندما يكون لديَّ موعدًا أتلهَّف له ، أنتظره بكل ما فيَّ و لكن ما إن يبدأ حتى انسى كل شيء ، لا أعرف كيف أشرح الأمر ، و لكن ” الغياب عن أرض الواقع ” عبارة تشرح شيئًا بسيطًا منه ، إذ أني لا أعود أتذكَّر من لحظات الموعد إلا لحظات قليلة معدودة ربما يكون عقلي خزَّنها ، ما دونها أنساه ، أتصرَّف بطريقة آلية ، في الحقيقة : بأقصى صدق ممكن حدَّ أن عقلي يتوقَّف عن حفظ الجنون الذي أقوم به أو أنَّه يتوقَّف عن العمل من فرط استعمال مشاعري !

كنتُ دائمًا في قلق : لماذا لا أتذكَّر ماذا فعلتُ في أيام العيد إلا لحظات متفرِّقة ؟!

و حاولتً مرارًا أن أفعل الأشياء بتركيز و انتباه و لكن لا جدوى مع الأسف ، و بعد أن كبرتُ و صار سهري مقبولًا بدأتُ أتخلَّى نهائيًا عن النوم في ليلة العيد ، و صرتُ أشغل نفسي بأي شيء كي لا أنام و الغرض الوحيد : أن أعيش لحظات هذا العيد وحدي مهما كانت عادية لأخزِّنها بذاكرتي ؛ كنتُ أتسلَّى بصناعة العيديات أو ابقى على هاتفي النوكيا أتنقَّل به بدون هوادة على الإنترنت ، و في عهد الآيفون كانت ليلة العيد شيء اسطوري حدَّ أني لا أتذكَّر منها إلا لحظات قليلة مسروقة ، و في عام 2018 كنتُ قد بدأتُ مشوار ” تصالح ذاتي ” و إن كان بطريقة سيئة للغاية و فاشلة جدًا جدًا ، و أقمتُ هذا الإحتفال البسيط ، فجمعتُ كل ما أحب و سهرتُ مع نفسي ( حتى و إن كنتُ في قمَّة الحقد تجاه ” نفسي ” ! ) ، و هكذا صارت احتفالًا رسميًا في أيام العيد لدي بما انها المواعيد المؤكَّدة التي لن يتخلَّف عنها احد ابدًا ، لأنها أيام و الأيام أكثر صدقًا و وفاء من الأشخاص …

عندما اكتب الآن عن العيد ، عن احتفالات العيد ، عن المواعيد ، أكتبه لأجل المستقبل ، أنا النيزك الذي سقط سهوًا على هذا العالم ، احترق وحده هناك في الزاوية ، احترق و اشتعل ،  قسى و تورَّم ، وحده هناك ، كي يبدأ بقلب مرتجف بتوزيع جمرات صغيرة على سطح أحلامه ، متسائلًا : أستحترق ؟! أم أنها ستخبو ببساطة ؟

و من المثالية المبالغ بها أن نقول أنه ما رغب أن يحترق العالم كما يفعل هو ، و لكن من ضروب الجنون أن نجزم أنَّه قد يمضي باشتعاله كي يشعل المزيد ، في النهاية هو نيزك ، نيزك برتقالي متوهِّج ، جميل ككل لكنه بشع في التفاصيل ، وهَّاج في الظلام ، مكفهرٌّ في النهار ، حارق و محترق لكنَّه مصاب بمحيط مثلج ، عاصفة مستمرة أبدًا …

في الحقيقة حتى الآن لم أجهِّز أيًا من العيديات ، فقط علَّقتُ اللوحة الأبدية على جدار الغرفة ، تسألني إحداهنَّ : نفس اللوحة ؟!

ضحكة متحشرجة ، هزَّة رأس بالإيجاب متخاذلة !

السحر يكمن في التواريخ ، دائمًا أسرتني التواريخ ، أحاول الإنضباط بها ، أقدِّرها بحرص ، أنا التي كانت تسخر من العمر ، تتجاهل الأيام ، تمضي بدون انتباه ، الآن عادت فتاة قتورة ، تحسب الأعمار بدقَّة ، تفنِّد الليالي ، تتفقَّد التاريخ بشيء من هوس ، يومًا ما كانت هناك فتاة في العاشرة من عمرها ظلَّت خمسة أعوام تقول كلُّما سُئلت عن عمرها أو كتبته في مكان ما : ( العمر : 15 سنة ) و بكل ثقة ، ثم لعقها التاريخ بثخونته في وجهها ، فانكبَّت على التقويم متأسِّفة حتى حين .

غدًا أغسطس ، أنا خائفة ، أحاول الشعور باللامبالاة بالأمر ، أفعل هذا بجهدي ، لكني لا زلتُ خائفة ، عبارة لحوحة على رأسي : أسأشيبُ أكثر ؟

قالت اختي يومًا ( و هي بالمناسبة مُبالِغة غالبًا ) : أريد أن أموت قبل أن أشيب ! فكرة ” أن أكون في سن الخمسين أو الستين فضيعة و مخيفة جدًا !

_ كالعادة _ ضحك الجميع من قولها و عادوا للنقاش و توضيح الأمور بطريقة أخرى ، بينما سقطتُ في الفكرة ! ، لا أريد أن أشيب ، و لا أن أكبر أكثر ، فلا أدري ماذا سأفعل وقتها ! كيف سأكون ! قناعاتي ؟ أحلامي ؟ قلمي ؟ أين سيذهب كل هذا مع عجوز خرفة ، تبًا !

ربما هي فكرة ” تحرِّي الموت ” ، فقد دأبتُ منذ صغري على أن أنام و أنا لستُ على يقين أن أصحو ، و أن أخرج و أنا متأكِّدة من احتمال عدم عودتي ، و أن أذهب في أي لحظة بأي طريقة ! ، و هذه فكرة طيبة إذ أن طول الأمل أمرٌ سيء ، و لكن أظنُّ أني بالغتُ بالأمر ، و جاءت الحرب فزادت الطين بلَّه ، و صرتُ أكيدة بأني سأموت سأموت ، الآن أو غدًا ، هنا أو هناك ، لا فرق ، إذ أنه لن ينفعني سوى ما أفعل ، و أن الموت ليس طارق ليُفتح له الباب بعد قول : من ؟! ، الموت خاطف ، الموت شيء أقرب لنا من الحياة بكثير .

قد أكون مريضة بمبالغتي في ” تحرِّي الموت ” و لكني أشعر بالرضا عندما افعل ، أو بشكل أوضح ” بالراحة ” ! ، لا أدري كيف و لكني أفعل ، و لا يعني هذا ان الموت لا يخيفني ، بل يفعل كأي إنسان يخيفه الموت ، و لكن المقصود أن التفكير بأن موتي قريب مهما بعُد ، لهو أمر يدعوني لشيء من الإرتياح ، تمامًا و كأني على موعد !

كان من المفترض ان تكون التدوينة دافئة و جميلة بمناسبة العيد ، و لكن يبدو أن ” طاري الموت ” لا يضيف إلا لونًا مريحًا للبعض ، مزعجًا لآخرين ، عذرًا .

بمناسبة اطلاقي لروايتي الأولى ( الرجل الذي ابتلع نفسُه ) قبل أن أنهي الثمانية عشر عامًا ، أمحو امنية عالقة على دفتر مذكِّراتي المهجور ، بالرغم من أني لما كتبتُ الأمنية كنتُ أقصد الرواية العالقة في الدفتر ، و التي تكاسلتُ عن نقلها إلى الوورد و التعديل عليها ؛ آه صحيح بينما انظِّف اليوم أوراقي ، وجدتُ اليوم مسودَّة لـ ( الرجل الذي ابتلع نفسه ) مسودَّة مقتضبة ، باردة و بكثير من الشخبطة ، لا أستطيع التصديق بأن قصة سالم وصلت للكثير ، إحصاءات المشاهدة خمسين و أكثر ، سعيدة و مرتبكة جدًا جدًا ، شكرًا لكل الداعمين اللطفاء ، ممتنَّة لكلماتكم الطيبة .

قرأتُ المجموعة القصصية ( فسحة بويكا ) للكاتبة : أسماء حسين !

لستُ انا بالطبع ، و للكاتبة معي قصة بكتابتها طبعًا و ليس شخصيًا ، مجموعة قريبة للقلب جميلة جدًا ، سأكتب عنها في التدوينة المقبلة ان شاء الله اذ ان في الغرفة نائمون ، و لا اريد ان اتخلَّى عن سريري في الذهاب لغرفة اخرى ! ، صاحت اختي بهمس قائلة : صوت الكيبورد مزعج !😁

آه إن نشرتُ شيئًا مدمَّرًا في الصباح ( بعد صلاة العيد اقصد ) فلا مؤاخذة ، منذُ الأزل تأخذني نوبات بكاء و عنف وسط المواعيد المُنتظَرة و الجميلة .

تخلَّيتُ عن تصوير احتفال هذا العيد ، لقد سرق الكثير من وقتي في العيد الماضي ، سأغامر بجعلها ذكرى بدون ميثاق ؛ الصورة الظاهرة التقطتها قبل فترة من دفتر قديم يعتبر كمسودَّة للكتاب الناقص الذي كتبت مقاطعه بطريقة متأثرة بأسلوب الكاتب ” علي بن جابر الفيفي ” في ” لأنَّك الله ” …

( عذرًا للخط السفري 😄 )

4 أفكار على ”نيزك ☄️

  1. الموت، لا أتمناه ولا أخشاه، ولا أعتقد أني سأتجاوز الثلاثين سأموت في هذا السن أو قبله!. لا أدري متى ترسخ هذا الاعتقاد في ذهني؟! هل هو وسواس من الشيطان؟ أم مجرد فكرة عابرة؟ لكن وفي كل الأحوال “الله أعلم”.
    عن قريب سأنتهي من قصة سالم، من خلال تنقلي بين صفحات الرواية تذكرت إفلاسي العاطفي والاجتماعي!، (أعجبتني كثيرا).
    شكرا على التدوينة المليئة بالأجواء الطيبة.
    عيدك مُبارك يا أسماء❤
    بالمناسبة: خطك جميل ^_^

    Liked by 1 person

  2. ما بنا نحن جيل الألفين ، جيل يرتاح لذكر الموت ! ، دائمًا اعتقدتُ أن موقفي و أمثالي من الموت يُعَدُّ نضجًا أسرع من اللازم ، مع أني أرى كبار و عاقلون و لكن ذكر الموت يسبب لهم حالة تشنج !
    محمد يا صديق ، لكم أسعدتني كلماتك بشأن الرواية ، أتمنى أن تعطيك الرواية شيئًا من التغيير إلى الأفضل أتمنى 👌
    العفو يا صديقي ، أنا مسرورة بزيارتك ، عيدك مبارك كذلك ، تقبل الله منا و منك صالح الأعمال ، موفَّق و حافظ كتاب الله و حاج و كل ما تتمنى 🧡
    😂 رأيك بخطِّي واساني بعد كل المنتقدين ثقتي بنشره على حقيقته بدون تنميق ، سلمتَ .🌷

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s