صباح الـ”وقشة ” 🌝

صباح الخير ، صباح مشرق زاه ، نسائم هادئة تهبُّ كل لحظات ، و صوت الغراب _ كالعادة _ يروح و يجيء مع حركة الغراب العشوائية ، و قد كنتُ أظنُّ بأن الغراب عندنا طائر متطفِّل ، إلا أنني أكتشفتُ أن الغراب يعيش في المدن الساحلية ، و أّكر تفاجئي الكبير عندما شاهدتُ الحلقة التي تصل بها فلونة و عائلتها إلى استراليا ، و سمعتُ صوت الغراب المزعج في الخلفية فدُهشت لتخبرني أمي بأن الغراب يحبُّ المدن الساحلية خصيصًا فيعيش فيها بكثرة .

دعونا من الغراب الآن ، لقد تحدَّثتُ عن الصباح بما أنه الصباح المبكِّر على غرفتنا أنا و أختاي ، أقصد أن نجعل نور الشمس هذه الساعة يدخل على الغرفة ، غالبًا لا نفتح الغرفة إلا في الظهيرة و أحيانًا في العصر ، ففي كل الأحوال الشمس ساطعة هنا ، و كل ما سنفعله عندما تنقطع الكهرباء و تختفي برودة جهاز التكييف بعد ساعة ربما ، حتى نفتح الغرفة ليتسرَّب نور الشمس إليها ، الشمس هذه شيء إعجازي ، نورها إعجاز ، تطهيرها الأشياء إعجاز ، حرارتها إعجاز ، شعاعها القوي إعجاز ، حتى أفولها إعجاز ، إنني عندما أفكِّر بها تتلاشى كل الدروس التي تعلَّمتها في المدرسة ، و أتفكَّر في الإله القدير الذي خلقها بهذه العظمة ، ثم أقسم بها  على عظمتها : و الشمس و ضحاها ” ، و الله يقسم بما شاء من مخلوقاته ليؤكِّد على عظمتها ، و لكن لا يجوز لنا أن نقسم إلا به لأنه الأعظم .

كوب الشاي الأبيض يلوِّح لي بنكهته كلَّما نسيته و انكببتُ على الكتابة ، مذكِّرة ملاحظات الرواية تقف بصبر تنتظرني أنتهي من التدوينة كي أعود إليها لأستأنف الباقي من الرواية ، و الذي بقيت قرابة الساعتين بالأمس أسردها في رأسي بكل إحكام ، متى يصنعون جهازًا يسجِّل صوت الأفكار ؟!

أقصد الأفكار الذهبية تلك التي تأتي بسرعة و تذهب بسرعة أيضًا ، خصوبة الشرح التي تفاجئنا أحيانًا ، و الأشياء الكثيرة التي يكون مصيرها دومًا النسيان بدون سبب معيَّن كإجابة امتحان تريد كتابتها فتطير ببساطة ، ببساطة تطير !

ماذا لو صنع أحدهم سماعة تسجِّل صوت أفكارك ثم تسمعها أنت وحدك أو شخصًا معينًا تختاره أنت ، أعتقد أن هذا لن يعد غشًا ، لأنه صوت أفكارك أنت ، المشكلة الوحيدة في هذه الفكرة ” الخونفشارية ” هي أولئك الذين بداخلهم زحمة أفكار في نفس الوقت على الدوام ، مثلي ربما .. مع الأسف لا جدوى !

ها هي الكهرباء تعود أخيرًا ، الغرفة تغلق بإحكام على البرودة التي يبثُّها جهاز التكييف ، إنني أحبُّ الجو البارد هذا ، لكن اغلاق الغرفة بعد أن كانت مشرَّعة و تتمتع بالحياة التي تهبها الشمس ، يعتبر شبه اختناق بالنسبة لي ، الكتابة على نور الشمس أفضل بكثير كثير من النور الصناعي ، و ألاحظ أن التصوير كذلك أيضًا ، هذا يجعلني أتأكَّد من أن النور الطبيعي لا يوازيه أي نور صناعي .

عندما أكبر سأعيش بغرفة مطلَّة على الميناء ، سأجعل خلفيتها كلها شفافة ، سأعمل بجد على أن يندمج نور الشمس و لو من خلف زجاج مع برودة جهاز التكييف ، أو أنني ببساطة سأكون عجوز تشعر بنسمات البرد الخفيفة و كأنها قارسة ، فأنحِّي جهاز التكييف نهائيًا و أعيش تحت ضوء الشمس .

الشمس لا تُملُّ .

لأنها شيء متجدِّد ، لا يُشعرك بالضجر ، و الشيء الوحيد الذي يدفعنا لإغلاق الغرفة هي البرودة ، ذلك لأننا سنذوب حقًا باستمرارنا على نفس الجو الحار الرطب هنا !

بالأمس قرأتُ مقالات كثيرة من سلسلة ” الحجة فطوم ” للكاتب العدني محمد احمد البيضاني ، الذي اقتبستُ له إحداها في التدوينة السابقة ، وقعتُ في حبِّ قلمه النابض بعدن ، كتب السلسلة من مصر تحديدًا القاهرة ، يكتب بدون ضجر عن طقوس المصريِّين الدافئة ، و يشير إلا أن ما من دولتين احتلَّتا قلبه أكثر من القاهرة و دمشق ، يبدو أني سأحبُّ دمشق قريبًا مع أني لا أعرفها إطلاقًا ، هل من الممكن أن تفيدني ” وداعًا يا دمشق ” التي وصَّتني بها اختي ؟ ، لنرَ …

تعجبني سلسلة ذكريات ليبيا مع الدكتور فرزت ، الحديث سَلِس ، السرد ممتع ، و كأنني في قصة ، و قد كنتُ أظنُّ أنه لا فرق كبير بين اللهجتين السورية و الليبية و لكني اكتشفتُ أني مخطئة تمامًا ، إذ أنهم لا يفهمونه حتى ! ، غريب حقًا .

بينما اتابع الحلقتين المتتاليتين كتوأمين اجتماعهما لطف و افتراقهما شدَّة ، لصاحب روايتيَّ ” سياحة إجبارية ” و  ” اتخذتك بطلي ” طارق الموصلي و أيضًا ” صفعة ”  القصة القصيرة على رقيم ، قصَّة ذكَّرتني بالأيام الخوالي التي كنتُ أكتب فيها القصة القصيرة ، النهاية مذهلة اقرؤوها يا سادة ، أما بالنسبة للتوأمين فالأولى جزعة قانطة يائسة ، و الثانية قامت تساندها بكل كفاح ، الأمر الذي جعلني أبتسم و الله بكل راحة …

و من الغريب أن أقول بأن الكاتب يشبه البطل الذي أكتب عنه ، بطريقة ما يشبهون أنفسهم بمصطلح صغير هو : ”  ابتلعوا أنفسهم ” ، و ألاحظ هذه الفترة أن أكثر الذين يبتلعون أنفسهم هم الذكور ، و لا أفهم ما السبب بالضبط ، بيد أن بطلي يقول : إن الإناث يلعبن منذ صغرهن لعبٌ جاد ، كلعبة الأمَّهات مثلًا و ما فيها من جدِّ الطبخ و التربية و الواجبات المنزلية ، بينما نحنُ الذكور نلعب دائمًا كالأطفال بعشوائية ، شغف الطفولة عندنا أكبر ، فما بالك بولد صغير لم يعش طفلًا كفاية .

كثير من الرجال يبتلع نفسه ، إن هذا على أرض الواقع ، أراهم بعيني يبتلعون ذواتهم بداخلهم بعيدًا عن اتساع الحياة ، بينما أنا و غير ممن ذُهِلوا باتساع الحياة نبحث بدون هوادة عن شيء يملؤنا !

المدوِّن ” الخبَّاش ” و الذي يحمل اسمًا صغيرًا مفاجئًا ” محمد منير ” ، و أصغر مني بعام ، أعتقد أنه من نوع الأشخاص الذين يحاولون أن يبتلعون الحياة قبل أن تبتلعهم ، فمحتوى المدوَّنة الأولى جاد جدًا حتى تخيَّلتُ دائمًا أن كاتب المحتوى كبير في السن و يعمل بجد في مجال الاقتصاد و التسويق ، لم أتصوَّر لحظة واحدة أنه أصغر مني !

بدأتُ أفكِّر بجدِّية أنني أحتاج الثقافة أكثر ، و أن أطوِّر نفسي أكثر ، يا إلهي إني متأكِّدة بأن كلمة واحدة في مجال الاقتصاد سأقف ببلاهة أمامها ثم سأهرع إلى ويكبيديا كي أسرق معناها ، إني لا أتناول شيء بجدِّية مثل الكتابة ، وحدها الكتابة هذه التي تلتهمني أحيانًا و أحيانًا ألتهمها ، شحيحة و متطلِّبة لكنِّي أحبها ، عندما أكتب أكون ، و عندما أكتب أشبه داخلي كثيرًا ، أصبح ببساطة ” زليخا ” التي سمَّاها والدي قبل أن تولد ، و ما إن رآها حتى هتف : أسماء أسماء بدون شك ، لا أدري ما الذي أرعبه فيَّ ، أتحدَّثتُ إليه في مهدي أم أني وشوشتُ له باتِّساع داخلي الذي ينهشني نهشًا !

هامش : هل كان لي توأم ؟! منذ قرأتُ عروس المطر و أنا أفكِّر بجدِّية بلهاء في هذا الأمر ، ذلك لأنه إن كان لديَّ حقًا فسيفسِّر هذا البقعة الشاسعة الفاغرة فاها في وجه أفكاري !

حسنًا كونوا بخير ، اذان الظهر ارتفع ، و قد بدأتُ الكتابة في الحادية عشرة و النصف و كتبتُ بكل روقان فيها ” صباح الخير ” !

ظهر الخير 🌝

بالنسبة لكلمة ” وقشة ” تعني بالعدنية : الوجه المنتفخ أو الراوي بعد النوم العميق يقال : وجهك واقش ، مالك واقشة ؟! ؛ الساعة الحادية عشرة و النصف ” صباح الخير ” ! كبيرة دي 😅

14 فكرة على ”صباح الـ”وقشة ” 🌝

  1. نعم الغراب يوجد في المناطق الساحلية فقط، لم نره في السودان إلا عندما نسافر لمدينة بورتسودان، أظني رأيته بعد أن تجاوز عمري 30 عاماً، أعني أراه على طبيعته. أحد أبنائي الصغار لم يعرفه فأخذ يقول (مومية) ويعني قمرية مع أن القمرية لونها بني والغراب شديد السودان لكن ربما يشبهها في الحجم، وهي كانت أكثر طائر لفت نظرنا في مدينة بورتسودان، وهذه هي تدوينة قصة سفرنا إلى بورتسودان إذا أحببتي أن تقرأيها:
    https://abueyas.wordpress.com/2016/04/29/portsudan-trip/

    Liked by 1 person

  2. تعقيب: شكرا مجتمع كورا العربية! – مدونة منير

  3. من العجيب صدقًا قولك أنك لم ترَ الغراب إلا في سن الثلاثين ، ليتك ترى الغربان المزعجة هنا إنها بأعداد هائلة جدًا ، قذرة غالبًا و تحتل البلكونات بكل ازعاج ، و تنعق بصوت مزعج : قاق قاق !
    و لكنك تعرف القميري بينما لا أعرفه إلا صورًا😅
    حالًا إلى تدوينتك يا استاذ ، على فكرة توثيقك مفيد جدًا ، و لكن البحث عنها في المدونة صعب قليلًا ، ما رأيك أن تنشئ لمتابعوك _ نحن الطيبين 😁 _ تصنيفات تجمع توثيقاتك كي نجدها بسهولة ؟
    و سلمتَ حقًا للمرور الجميل 🌺

    Liked by 1 person

  4. اللي يناسبك انت ، ممكن تقوم بإظهار تصنيف الرحلات التوثيقية التي قمت بها في الأعلى عند القوائم أو على الشريط الجانبي .
    ادخل على اداة التخصيص ثم القوائم و اضف التصنيف لها أو أضفها من الودجت في الشريط الجانبي ، كما يروق لك 😇

    Liked by 1 person

  5. أجد أمور مميزة في الكائنات الصباحية التي تحب الشمس. أحببت هذه المدونة هناك حماس لقراءة النصوص المذكورة كذلك رواية المطر. ما زلت أحب ثقافة البلدان المميزة لديك و شغفك للتعرف أكثر. صباح الخير💛

    Liked by 1 person

  6. الشمس إلهام سرمدي 🧡، و أتمنى أن تستمتعي بقراءتها يا صديقتي ، شكرً لكلماتك اللطيفة كم أسعدتني 😘
    صباح الخير أو مساء الخير _ أيًا كان _ عسى أن يكون خيرًا عليك 🌷
    كوني بخير أيتها الجميلة .

    إعجاب

  7. غريبة هذه المعلومة عن الغربان، أقطن بولاية ساحلية وأتنقل كثيرًا إلى إحدى الولايات الصحراوية (مدينة الأصل) ولا أرى الغراب إلا في الصحراء أو على أعتابها.
    تدوينة جميلة شكرا للخباش على تعريفي بها.

    Liked by 1 person

  8. أعتقد أنه من الطبيعي محاربتها ، لذا ربما تكون موجودة و لكن بقلَّة ، قال لي أبي هذا ، لأنها غالبًا مزعجة قذرة و تتكاثر بشكل هائل ، ربما على الأقل ربما !
    سُرِرتُ بأنها قد أعجبتك ، نعم شكرًا لمحمد 🙏
    بالمناسبة شكرًا للمحتوى الثري الذي تقدِّمه لنا في بوشنيات ، و كن بخير 🌺

    إعجاب

  9. تعقيب: عمّا يبحث/يخاف/يندم ذاك التنين؟ - مدونة م.طارق الموصللي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s