” الشِّلن ” و صفحة قديمة لعدن .

شخص نشيط في الحافة ( و أقصد بالعدنية : الحارة ) اشترى كبش العيد مبكِّرًا ، يصيح كل خمس ثوان : ماء ماء ؛ مستفز جدًا ، و أكاد أشمُّ رائحة قرية في الأرجاء كلما سمعته ، ألا ينام !

كتبتُ اليوم كثيرًا في الرواية و وصلتُ إلى الصفحة ثمانين على وورد ، المشكلة أن الباقي كمية ليست قليلة ، و لا أريد للرواية أن تطول أكثر من 100 صفحة ، لكني سأرى على أيَّة حال ما يمكنني فعله حيال هذا الأمر .

بالنسبة لقراءة رواية ” الحفرة ” لعادل العجواني ، التي أشرتُ لها في التدوينة السابقة ، بصراحة قرأتُ حتى التخمة ، و لكني وجدتُ نفسي في المنتصف منها ، لذلك بكل بساطة تجاهلتُ صفحات كثيرة و نزلتُ للنهاية ، هذه المرَّة الأولى التي أفعلها ، و لكني فعلتها برضا تام ، الرواية جميلة ، لكنَّها تدور حول شيء واحد ، كحلقة مفرَّغة يعيد الكاتب صياغة كل فصل ، بطريقة ما أظنُّ أنه ماطل في السرد طويلًا ، و لكني لن أقيِّمها الآن ، لأنني لم أقرأها كلها فعليًا ، و قد أعود لقراءة الذي تجاوزته ذات يوم و قد أكتب بشأنه إن أمكن .

حسنًا ، فكرة عنوان ” الحفرة ” طارت ، فالمسلسل المشهور بالإسم نفسه هو ما جعلني أمتعض منها بدايةً ، و لكن الآن مع هذه الرواية التي تحكي بكثافة حول الحفرة ، ألغيتُ الإقتراح ، و لا زلتُ حائرة ، لديَّ عنوان لكنني سأرى بأمره حتى أعتاد عليه ، و أتمنى من كل قلبي ألا يكون مكرَّرًا ، ففرصة روايتي متواضعة جدًا ، يجب أن تتميَّز و لو بعنوان .

اليوم قمتُ بالبحث في عملة الجنوب العربي قديمًا ، الشِّلِن و العشرين شلن تعتبر دينار ، كنتُ أريد أن أراها بعد أن تواجَدت في روايتي ، و في نتائج البحث وجدتُ هذه المقالة للمؤرخ العدني محمد أحمد البيضاني ، مقالة أضحكتني ببساطتها و بعض الكلمات العدنية العامية فيها ، مقالة في قمَّة ” العدنية ” ، مع ان لقب الكاتب ” البيضاني ” إلا أنه من أهالي عدن الذين ولدوا فيها و عاشوا فيها طول الأبد ، فأعطتهم عدن لهذا ” هويَّة انتماء ” ، و هذا ما لن تجده في عدن و هو أن تجد لقب ” العدني ” ، هناك ” أهالي عدن ” و هم الذين ولدوا في عدن و عاشوا فيها و تحدَّثوا بلهجتها ، و لم يجدوا لهم وطنًا غيرها .

( المشاهرة كلمة عدنية وتعني الراتب الشهري ، وأيضا لها اسم آخر المخارجه و المشقايه.

قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با أعمر ماي فرست بوري وبا اجيب لك عواف خبز طاوه وشاهي عصملي أنت يعجبك الخبز وبعدين حازيني عن المشاهرة.

يا حجة فطوم المشاهرة كلمة عدنية وتعني الراتب الشهري ، وأيضا لها اسم آخر *المخارجه* و *المشقايه * . رأيت صورة في الفيس سبوك أرسلها الأخ الكريم الرقيق علي المحسني لشاب من آسيا وقد أستلم أول راتب له وقام بدعوة كثير من الفقراء إلى مطعم لتناول الغداء ، منظر هزني من الأعماق لهذه الطريقة الإنسانية . هذه الطريقة الإنسانية كانت موجودة في عدن ومعروفة على أيامنا. كان كل شاب عدني يستلم أول راتب – المشاهرة يذهب إلى أقاربه للسلام عليهم ومنحهم هدية مالية من الراتب. قالت الحجة فطوم يا سلام على مكارم الأخلاق والدين والرحمة وتقدير مشاعر الأهل المحتاجين . طريقة إنسانية قد أختفت من المجتمع.

يا حجة فطوم لن أنسى ذلك اليوم في حياتي وقصة أول مشاهرة أستلمتها . كان من العادات الجميلة في الشركات الكبيرة الأجنبية في عدن أن تقوم في العطلة الصيفية المدرسية في توظيف عيال الموظفين والعاملين الكبار في الشركة لمدة شهرين في العطلة المدرسية ، وذلك في سياسة حكيمة لتعريفهم بالشركة وإعدادهم في المستقبل للعمل في الشركة .

قالت الحجة فطوم يا سلام على سياسة حكيمة وإنسانية ليفرح الشباب ويعمل بدلآ من التسكع في الشوارع. كان أبي وجدي دلالين بيت البس لمدة 60 سنة من بداية تأسيس الشركة ، وكان هذا العمل * دلال الشركة * يقوم رجل له خبره تجارية ويعمل في التجارة. عام 1958 كان عمري 15 سنة أخذني أبي إلى شركة البس وأدخلني على مدام توني بس صاحبة الشركة مع زوجها لأسلم عليهم ، ففرحت بي المدام حيت سمعتني أتحدث باللغة الإنجليزية واحتضنتني وقالت لي يومآ من الأيام ستكون أنت دلال الشركة بعد والدك. يا حجة فطوم شعرت بسعادة حين جلست على مكتبي وكانت سعادتي أكثر حين جاء الباطواله إلي وقال لي : تشرب شاهي مستر محمد. يا حجة فطوم شعرت بفرح شديد ولأول مرة في حياتي أعرف إن اسمي * مستر محمد .

يا حجة فطوم وكانت المفاجأة الأولى في حياتي التي لا تنسى يوم المشاهرة . في الساعة العاشرة صباحآ وقفت أمام الصراف البانيان وقال لي ضاحكآ تشتي مشاهرتك أنواط أبو 100 أو أنواط صغيرة ، قلت له أنواط صغيرة . حتى أرى كثرت الأنواط في جيبي ، شفت البانيان يعد لي الأنواط فدارت بي الدنيا وشركة البس، كانت رزمة من الأوراق. جلست أعد الثواني لموعد الإنصراف من الشركة . يا حجة فطوم دخلت حافة القاضي كأني الجنرال إيزنهاور وهو يدخل برلين ، دخلت الحافة وفي جيبي مشاهرتي 600 شلن – شلن ينطح شلن . في العصر جاء أبي من صلاة العصر وأعطيته المشاهرة . قال لي : يا محمد هناك تقليد وناموس في عدن هو أن أول راتب يوزع على أهلك ، وكل عماتك وجداتك وخالاتك، ولكن هم ميسورين ولا يحتاجوا إلى المال، عندي طريقة جميلة ولك فيها الأجر والجميل ، سأقوم ببيعك ب 500 شلن عود سأعمله في قراطيس وقوم بالسلام وزيارة أهلك وإعطائهم العود هدية منك من مشاهرتك. والباقي 100 تصرف بها. قلت له 100 شلن با أعزم فيها عيال حافتي في المطعم. قال لي : تمام عيال حافتك هم أيضآ أهلك. زرت اهلي وأعطيتهم الهدية ففرحوا بي.

يا حجة فطوم وقبل المغرب عزمت عيال الحافة للعشاء في * مطعم الطاؤوس* الفاخر في الزعفران ، وطلبت منهم لبس ثياب جديدة وضرب الجزمات باليس تليق بهذه المناسبة التاريخية الكبرى . دخلت المطعم مع عيال الحافه في شبه مظاهرة وزكنا عشاء يتحدث به الركبان من بيت الحداد إلى بيت الزيدان . قمت فخورآ لدفع الحساب لصحاب المطعم الحاج صالح حاجب وهو من أعيان حارتنا. نظر إلى بدهشة غريبة وقال لي : الحساب كله عليك يا محمد – حسك تكون أخذت الفلوس من كبت أبوك من فين لك هذه الأنواط. قلت له ضاحكآ : يا عم صالح أنا مستر محمد – كراني في بيت البس ، وهذا اليوم يوم المشاهرة. فرح فرحآ شديدآ طلب من اللحجى المباشر الحساب حق جميع العيال. قال له 50 شلن. قال لي أدفع فقط 30 شلن و 20 شلن هدية مني. فرحت وخرجنا من المطعم وأشتريت لعيال الحافة ايسكريم من مطعم التركي.

يا حجة فطوم ودارت الأيام والليالي وغادرت بلدي وتعشيت في أتعس وأفقر .. وأفخم وأغلى مطاعم الدنيا ولكن تبقي تلك العزومة في مطعم الطاؤوس في الزعفران – أعظم عزومة عشاء في حياتي . لن أنساها حتى يومنا هذا ..

أبتسمت الحجة فطوم إبتسامة جميلة وقالت : عزومة رائعة من مشاهرة المستر محمد.


.
محمد أحمد البيضاني

كاتب عدني ومؤرخ سياسي )

بالنسبة لكلمة ” الباطواله ” في مقال الكاتب فتعني : العامل سواء بالنظافة أو بأي خدمة .

و ” كرَّاني ” هو الدلَّال بشكل عام ، سواء في التجارة أو في احضار الزبائن لأي مكان ، حتى أن العامل الذي يصيح من على الحافلة ليدعو الركَّاب يُطلق عليه ” كرَّاني ” .

يقول الكاتب : ” و ضرب الجزمات باليس ” و المعنى تلميع الأحذية و لو بالـ ” باليس ” و هي قطعة ورقية خشنة تُسوَّى بها الأسطح ، لا أعرف اسم لها غير ” باليس ” .

أما بالنسبة لعمارة ” البس ” فهي بناية قديمة و من أوَّل البنايات في الشارع الرئيسي بالمعلا ، سمِّيت بهذا الإسم لإنها كانت للتاجر الفرنسي ” أنتوني ألبس ” .

أسلوب الكتابة عن عدن القديمة آسر حقًا ، و ها أنا أفتح كل صفحات مقالاته ، إنَّه بالفعل ” عدني ” !

نفس العبارة ” انقطع سيل الكلام ” تتكرَّر كثيرًا هذه الفترة ، لكني سأعذر قلمي باستهلاكي له في الرواية ، رغم أنَّه شعور مزعج أن تقف بعجز وسط سيل كلام متدفِّق انقطع ببساطة .

أقول : لا بأس ، لا بأس “ مشِّي حالك ” !

One Comment اضافة لك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s