نحنُ و الحُفَر التي تتربَّص بنا و نتربَّص بها .

خدعة .

المطر خدعة ، الأرض الباكية صفعة ، ألوان السماء كذبة ، الأسماء لا تختارنا ، الأسماء تجيء معنا ، أينما ذهبنا لحقتنا ، كظلٍ دؤوب الحركة ، لا يكفُّ عن اللحاق بنا .

حقل البطاطا فشل ، اللون الأخضر ذبل ، و المرآة الواقفة أمام أرواحنا أنثى .

أنثى لا تنتهي ، واسعة كثيفة ، عينيها بلا عسل ، و شعرها عاصفة غبار هائجة ، لا إسم لها ، و لا شيء ينتمي لها أكثر منها ، لا تنتمي للأرض كما لا تنتمي للسماء ، شيء ما بين ذلك انتمى لها ، كقطرة مطر لا زالت تسقط ، كذرة هواء قبل أن تُستهلَك ، أنثى لا بدَّ يصفعها الوقت كي تتجشأ وجودها .

قلبها ما كان أحمر ، و جسدها كان مائعًا كطحلب ، في الداخل كانت بؤرة وهم تبتلعْها بينما تبتلعَها ، خواء أصفر يجتذبها من طرف ضفيرتها ، و قرطها اللامع يشدُّ أذنيها إلى الأسفل .

إلى الأسفل ، حيث صوت الوهم الذي ابتلعها بينما تبتلعه .

كانت ممزَّقة ، ثوبها على شكل قوقعة ، رأسها تحوَّل قبَّعة ، ألوان الحياة دجل .

ما كانت لترى ، لتحكم !

ما كنت لتعي ، لتُقسم !

صندوق الأسرار كذبة ، رائحة الحجرة الجميلة خدعة ، و لون الأباجورة الساحر محض انعكاس .

ما كنَّا لنبقى ، بكل ذاك الشتات ، بكل تلك الأحلام الهزلى ، بكل تلك السنين الثكلى ، ما كنَّا لنمضي .

و عندما تتوه أسماؤنا عنَّا نختفي .

نبدو كشيء كان ذكرى .

ما كنَّا لنرضى ، أن نسقط في شرنقة ذكرى .

عدنا .

لنحيا ، بأسمائنا مرَّة أخرى .

( اسم يتأرجح بين هاجس الظهور و جنَّة الغياب ، إسم متردِّد ، مشاع ، يمكن أن يكون أيَّ شيء بطول المسافة الفاصلة بين الوردة و الجيفة ، بين اللقلق و التابوت ، بين الأمير و الضفدع ، بين الأغنية و الدمعة ، يمكنني أن أكون أيَّ شيء ، بل أنا في الحقيقة كل شيء ، و لفرط اتساعي و قدرتي على مزاحمة أي اسم على اسمه فأنا ما أزال أمامي ، غير مرئية ، غير معروفة ، مثل كتلة مائعة من الهلام )

أغيثوني .

أين صبَّارتي ؟

التوليب التي قد ذبلت ؟

أصداء المكان تضربني ، لوح وجود ينتصب أمامي كمرآة تفضح هلاميتي ، عيناي بؤرة ضياع ، و في وجهي بقايا شجن .

التوليب وهم ، صندوق الأسرار وهم ، كعكة عيد الست و عشرون وهم ، الشخص الذي احتضن قَدَم بكل ذلك الحب كان محض وهم .

كانت أسماء واسعة منذ أن جاء معها اسمها ، كبيرة جدًا للحد الذي ترى به أشياء وحدها تراها ، ليس بنوع من الدجل ، بل بنوع مُحكم من الوهم .

أسماء تحاول أن تمتلئ ، لكن لا تمتلئ ، و هي تعرف أنها لن تمتلئ ، و هي تدري أنها لن تتوقف عن ان تكون إسمًا لأي شيء ، يمكنها في لحظات أن تكن شيئًا أسطوريًا بالجمال ، و يمكنها بلحظة واحدة أن تصبح كوم دمامة إلى دمامة .

أسماء لفرط اتساعها سقطت ، في حفرتها وحدها سقطت ، بداخلها ابتلعت نفسها و سقطت ، كانت تريد أن تملأ نفسها فسقطت ، العالم كان غني عن امتلائها فسقطت ، كانت غير مرئية و سقطت .

فيما بين هاجس الظهور و سلام الغياب تمزَّقت ، بثلاث أشياء تهشَّمت ، توليب مُنتحر ثم صندوق أسرار لم يكن ثم روح سبق و أن تلاشت في البعيد .

كانت الآن شظايا ، لا تستطيع الإلتقاء عند نقطة ، ما كان الإتساع يومًا شيئًا ، كان بؤرة .

و عروس المطر كانت وهمًا كذلك .

و وحده الوهم من فاز بحنكته .

بثينة العيسى ..

لقد كتبتِ بقسوة ، مزَّقتِ كل أسماء مرَّت على أسماء ، مجرَّد تساقُط شظايا إلى شظايا ، رُكام .

الإتساع هذا الذي ولد معنا حقيقة ، و هذا السبب في أنه كان غريبًا عنا ، نحن أولو الوهم ، من نرى ألوان لا وجود لها ، كلُّنا دجل ، منذ بداية جهلنا الذي استمرَّ .

الكون حق ، الروح حق ، وحدها الأشياء ما كانت مُلزمة بالحقيقية ، و كنَّا دومًا على شفا سقوط هائل ، إلى الخارج كي نبتلعه ، و إلى الداخل كي يبتلعنا ، نحن في غمرة ، غمرة بعيدة نبحث عنا و عن حقيقة شيئًا ما كان حقيقة .

إن الحُفر كثيرة و هذا مرعب ، تنظر حولك بهلع ، تبحث عن لغم لن تراه ، على الأرجح أنت تقف عليه !

الكثير من الأسماء تتساقط .

بعضهم إلى الداخل كي يبتلع نفسه ، أو إلى الخارج كي يبتلع الأشياء من حوله ، هل تتذكَّرون بطل روايتي التي أكتبها ؟

ها هو يقف في حفرته ..

ابتلع نفسه .

بينما هذا الصديق ، يكاد يجد حفرته ، لعلَّه لا زال يفكِّر بطريقة ابتلاع مجيدة لنفسه ، قد يَبتلع أو يُبتلع ، لكنَّه أسد .

هو قال هذا ، أنَّه أسد .

و الأسد يحبُّ نفسه ، يتغنَّى دومًا بنرجسيته ، هو قال هذا ، و لعلَّه سيبتلع نفسه ، بؤرة داخله ماثلةً أمامي و أمام كل من حوله ، كلُّنا نعرف أنه يخطِّط لخطوة رشيقة نحو بؤرته الكامنة بداخله ، هو قال ذلك ، لكنَّنا نراه يفكِّر ، إنني أعرف ، على الأقل سيعود لنفسه بنفسه .

سيتراجع قبل أداء الخطوة ليس لينسحب ، بل ليتقدَّم بشكل أفضل ثم سيقفز ، ليس ليسقط ، ربما كي يتلبَّس نفسه من جديد ، احذروا ، الأسد ما كان يومًا سهل السقوط .

و أما يا كلُّ .

يا كُلُّ ما كَلَّ من كُلِّه .

و سقط دائمًا في كُلِّه .

و ابتلع الكُلَّ بكَلِّه .

أما كان لك أن تكلَّ السقوط ، و التمرُّغ في البُؤَر ، هيا انهض يا أيُّها الكُلُّ ، انهض من بؤرتك إلى نفسك ، عليك أن تُسقِط كُلِّك في بؤرة الوجود ، هناك حيث يمكنك أن تمضي .

و أمَّا يا عزيزي ، فالأشياء حولك وهم ، الحفرة بداخلك حقيقة ، لكنَّها وهم إن سقطتَ بها قبل أن تُسقطها على العالم ، فرصتك الوحيدة هي أن ترمي نفسك في خضم الحقيقة ثم تتوهَّم كغالب الأشياء التي تدبُّ هناك ، كلُّها وهمٌ زائل ، مجرَّد ذكريات .

هل تتذكر الأشجار التي ما عادت قبَّعات في ” أخضر قاتم ” ؟

أولئك الذين سقطوا في حفرهم قبل أن يُسقِطوا أنفسهم على الواقع .

تيبَّسوا في أماكنهم ، و غرقوا بداخل أنفسهم ، نسوا كيف يحيون !

كانوا واقع في وهم .

و هل تعرف من كان القبَّعات في الحقيقة ؟

كانوا هم من سقطوا في الواقع بدون أن يسقطوا في حفرهم .

مشوا بلا هدف ، أهدافهم كانت بداخل حفرهم التي تخلَّوا عنها ببساطة ، و مضوا في مسيرهم الطويل بجدٍّ أبله .

كانوا وهم في واقع .

كدتُ أسقط بداخل حفرتي ، كدتُ أصبح شجرة ، لكنني في اللحظة الأخيرة و قبل أن أهب إلى حفرتي ، لفتتني ذهبية ..

كل شيء كان قاحل أمامي ، واسع و يكاد يبتلعني ، بيد أن حفرتي أوسع بنفسجية لامعة أكاد أسقطُ في غيِّها كل مرة .

أجلس .

أتأمَّل .

الواقع القاحل ، و حفرتي البنفسجية ..

لو أنني أبقى دائمًا على هذه الوضعية ، ما بين وهم روحي الحُلو و شبح الواقع ، لو أنني أبقى دومًا بهذا الإتزان .

رواية ” عروس المطر ” لبثينة العيسى .

رواية جاءت في الوقت المناسب ، لتفنِّد فوضى الوهم و الواقع بداخلي ، كي أفكُّ بتؤدة طلاسم بطلي الذي سقط .

بأي حفرة سقط ؟

بدون مبالغة ، حتى الآن لا أدري .

معرفة الواقع مماثلة للواقع بصعوبة تصوُّرها ، لذا يجب أن نفكِّر بهدوء كثيرًا .

للرواية أربعة و نصف بكل حب .

النصف لروحي التي سقطت في غيِّ الأصفر بلا مبرَّر .

و الأصفر لون انعكاس الفاجعة دومًا .

هذا ما جعلني أرتعد عند أول فقرات الرواية ” ساعدي أصفر ” .

( فاجعة في الإنتظار ) عنوان آخر للرواية .

4 أفكار على ”نحنُ و الحُفَر التي تتربَّص بنا و نتربَّص بها .

  1. تعقيب: نبوءة - مدونة م.طارق الموصللي

  2. تعقيب: بينما أهوي ، أهذي … – LAVENDER

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s