آثار الصمت الطويل .

أعتقد بأنني احتاج استراحة قصيرة ، وصلتُ في الرواية إلى مقطع اعترف بأنه استنزفني ، بدأتُ أفكِّر جديًّا بأن أكتب ملحوظة على غلاف الرواية : إحذر ، الرواية استنزافية !

كنتُ أعرف أنها ستسير على هذا النمط ، و لكني لم أتخيَّل أن تكون فيها كميَّة استنزاف هكذا ، أتمنى لو أنني هذه الفترة أعاني من حساسية زائدة كي أراها استنزافية هكذا ! ، بصراحة لم أتصوَّر أن تكن الرواية مركِّزة على الحب هكذا ، عندما يحكيها أحد بلسانه تبدو أخف وطأة من أن تكتبها بدقَّة فتبدو مُثقلة ، لا أفهم نفسي بدأتُ أتَّخذ من الحب مواقف غريبة ، أريده في الرواية كحقيقة ، و لا أريده بهذا التركيز !

المشكلة أنني تقريبًا لم أكتب يومًا قصَّة كاملة من خيالي ، حتى عندما كان خيالي خصب و واسع ، كنتُ فقط أكتب مواقف مقطوعة من شجرة خيالي و لا تنتمي لأي قصة ، و عندما قرَّرتُ مرة أن أكتب قصة خيالية كليًّا لم أعرف عن ماذا ستكون ! ، و قامت أختي بإعطائي مفتاح و فكرة كي أبدأ عندما رأت حيرتي الشديدة ، بدأتُ بالفعل و كانت مرضية تمامًا و لكنَّها لم تتجاوز العشر صفحات ثم توقَّفتُ بعد أن أدركت بأن نبع خيالي جفَّ و أنه لن يستطيع اختراع أحداث أخرى ، و رقدت القصة في الدولاب !

أما هذه التي أعمل عليها فهي حقيقية تمامًا ، بل إن أحداثها قريبة جدًا مني ، رغم أنني لم أشهدها و لكنِّي أعرف أشخاصها ( مع العلم أن بعضهم قد توفَّوا _ رحمة الله عليهم ) ، إلى جانب أن مسرح الرواية هو أكثر الأماكن التي أعرفها ، عدن بشكل عام ، المعلَّا و خصوصًا المنازل المطلَّة على ميناء المعلا ، إنه عالمي 😅

لديَّ رواية عالقة و هي حقيقية أيضًا و أعرف أشخاصها ، و قد توقَّفتُ بها عند الصفحة المئة و عشرة على الكرَّاسة ، آه حسنًا لم أفقد الرغبة بكتابتها ، و لكنها مؤجَّلة فقد وصلت إلى منحنيات صعبة إلى جانب أن مسرحها في مؤسَّسات لم أدخلها أبدًا و لكني أعرف أسماءها و أستطيع استخراج صور لها كي أعرفها و لكن ” ليس الخبر كالمعاينة ” ؛ و المشكلة هي أنها ليست رواية فحسب ، بل كنتُ أحشر فيها نصوص تفكير ، وصف حالات ، مقال توضيحي ، هذا جعلني أنظر الآن للرواية على أنَّها شيء مزعج للقارئ ، و قد حسبتُ أنها ستكون نقطة مشوِّشة للقارئ ، و لكن على أيَّة حال لا زالت متمدِّدة على رفِّ الإنتظار .

 شجَّعتُ نفسي على كتابة هذه التدوينة بحبَّتان خمير مقرمشات و كوب شاي أبيض ، بدأتُ أترك اليوميَّات و هذا لا يفيدني كثيرًا ، لأنني سأعود لمرحلة ” ماذا أريد ؟ ” و مشوار الحيرة مع ” ماذا أشعر بالضبط ؟ أهو حقيقي أم أنَّه تمثيل متقن ! ” ، الكتابة العشوائية هذه تشعرني بالسلام الداخلي ، و تركها يعني مزيد من التشويش و الرأس المحشو بأفكار كثيرة متداخلة لا تمتُّ بصلة لبعضها ، نومي أصبح ببساطة ” سيء للغاية ” ، أبقى ساعتين على السرير أفكر بلا شيء معيَّن بل بأشياء كثيرة لا تُعد ، و عندما أنام أحلم أشياء كثيرة غريبة ، و عندما أصحو أكون متعبة للغاية و كأنني بذلتُ مجهودًا خارقًا ، و المصيبة أنني أجد أخواتي ينظرن لي بنظرة ذات مغزى كنتُ قد حفظتها و تعني : ” لقد تحدَّثتِ كثيرًا أثناء نومك ” ، لم أعد أسأل ماذا قلتُ ! ، و أؤثر تطمين نفسي على السؤال : ” ما قلتيش حاجة عادي ، و إذا قلتِ اش بتقولي مثلًا ! ، مشي حالك ” .

برنامج ” مشي حالك ” ساري خلال هذه الفترة ابتداءً من قراءتي لسلسلة الشفق و حتى الآن ، و هذا مُرهق بالفعل أن تريد أن تقول شيئًا و لكن لا تدري من أين تبدأ ، و لا تتصوَّر أنك قد تنتهي يومًا ! ، احتباس الكلمات على لساني وصل إلى درجة أنني أريد أن أقول شيئًا و لكني أشعر بصعوبة و ألجأ إلى مناقشة الأمر مع نفسي ، و مع نفس التعليق النكدي : ” اش الفايدة لو قلت ، لا خير و لا شر كيه سكتة ! ” ، لدي على المتصفِّح قرابة 22 تدوينة ممتازة ، وضعتُ لها إعجاب و لكني أريد أن أضع ردًا تستحقُّه ، و لكن الكلمات شحيحة ، و أما بالنسبة لمراجعات الكتب فإن طريقة كتابتها عويصة ، أوَّل انتهائي من الكتاب أهرع لكتابة أيَّ شيء تقريبًا يخطر على بالي ، أحيانًا أحاول مسح فقرة أو اثنتين و لكني أمنع نفسي بقوة ، يجب أن أتحدَّث كفاني صمتًا !

بالطبع لا أعاني من ظروف سيئة أو نكسة صحية ، و لكن الخلل مني و من داخلي تحديدًا ، هذه الرغبة بالصمت لذيذة في نفس الوقت الذي تكون فيه مُرهقة ، الإستمرار فيها يعني أنني سأعود لصمت عامين فائتَين ، و عندما أقول : لا داعي للكلام ،  فإن أفعالي تكون كثيرة و بالطبع ليست مبرَّرة غالبًا ! ، و عندما أستسلم لهذا الصمت فالقادم من أفعالي سيكون مفاجئًا و لا يرتكز على أيِّة عقلانية أو اتزان ، فهمتُ هذا من قبل يومين ، زرنا أسرة أخي في كريتر ، و سكبتُ إبريق الماء على السفرة ، ثم ارتطمتُ بالباب أثناء انقاذ الأمر ، ثم أردتُ أن أجيب عن سؤال موجَّه لي من أختي فقلتُ جملة غير مركَّبة إطلاقًا ، و ضحكن بنات أختي و لم أملك سوى الضحك معهنَّ مع إدراك عميق بأنني يجب أن أنقذ الكلمات قبل أن أنساها !

و الغريب أنني عدتُ للكروشيه قبل أيام ، صنعتُ لـ ” لولو ” الحبيبة دبدوب صغير أسمته ” لِي ” ! ، صنعته تقريبًا بساعة إلا ربع ، هذه السرعة تذكِّرني بأيام ثقيلة ، أدركتُ من بعدها بأن الكلام شيء صحيٌّ جدًا و لا يستهان به ، استغناؤك عنه أو توقُّفك عنه لفترة طويلة لا يعني أن يصمُت رأسك ! ، و هذا ما يحدث معي غالبًا في الكروشيه ، تصبح الغرز كلمات و السطور جمل ، صحيح أن الشكل إبداعي ، و لكن التمادي في ترك الكلام ذو عواقب وخيمة حقًا ، إنني أتساقط في كل مكان و أرتطم بكل الأشياء ، رأسي ثقيلة بحديث طويل لم أعد أستطيع ترجمته ، شهيَّتي للطعام غدت منخفضة جدًا ، و أقرب مثال هذا الغداء المغصوب و الذي أدعوه ” جائزة ” كي أشجع نفسي على أكله ، التنفُّس عندي بطيء و لا يتعدَّى القصبة الهوائية ، حاولتُ أن آخذ نفس عميق و لا فائدة ، أتشوَّش و أخرج ثاني أكسيد الكربون بسرعة مستعجلة .

و ها أنا أريد أن أكتب شيئًا مما في رأسي و لكنني أتحدَّث عن حالتي ! ، بصراحة أستطيع أن أزفر ببطء الآن و أقول مندهشة : نوبة قلق ! ، على الأرجح قلق و لكني لا أعرف من ماذا بالضبط ، و لكن أحد الأشياء التي تطرأ في رأسي بهذا السياق ، شهر أغسطس القادم و اليوم الرابع منه ، سأكون في التاسعة عشرة ، هذا مرعب بالفعل ، بملء فمي سأقول : مرعب !

لا أدري ما المرعب فيه ، و لكن أن أكون قد قضيت 18 عشرة عام ، أين صرفتها ؟

ماذا أنجزتُ بها ؟

آه صحيح ، لقد طلبتُ إجازة هذه السنة من تعليم أطفالي الأحبة ، قرَّرتُ إنهاء السنة الأخيرة في دبلوم العلوم الشرعية في دار التوحيد ، و هذا أيضًا من الأمور التي تدعوني للقلق ، سأفتقد أطفالي الصغار ، بكل صدق قد أبكي خلال هذا العام عندما أفتقدهم ، لقد أعطاني هؤلاء الصغار المشاغبين جرعة حياة لم يعطنيها غير ركنٍ مضيء ، و لكنَّ جرعتهم مميَّزة إنها تجعلني في طريق عودتي للمنزل أكثر رغبة بالحياة ، أكثر تشوُّقًا للمستقبل ، إنَّهم بالفعل جنَّة صغرى .

يسران الذكي الهادئ ، عبد الله المشاغب الحبيب ، علي المُضحك ، يوسف المتوتِّر ، كنان الفصيح ، و سالم الدبدوب و خالد الصغير و محمد و أنس و عبدالرحمن و ياسين و حمد …💙

أحبابي الصغار ، و أيامي الجميلة معكم ، سيروا نحو مستقبلكم ، سيروا و عين الله ترعاكم ، و امتناني لكم أكبر من كلِّ شيء خلال عامين اثنين .

لم يعد هناك سوى طنين في رأسي ، سأتوقَّف الآن ، الحديث عن فراق هؤلاء النجوم اللامعة يخنق حروفي 💔

الصورة الظاهرة أعلى التدوينة لمقطع من الرواية المتمدِّدة على رفِّ الإنتظار .

فكرتان اثنتان على ”آثار الصمت الطويل .

  1. تعقيب: هل يُصاب الأسد بذهان الهوس الاكتئابي؟ الإجابة ستصدمك! - مدونة م.طارق الموصللي

  2. تعقيب: ” الشِّلن ” و صفحة قديمة لعدن . – LAVENDER

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s